طه · الآية 104

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا

«نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ»: الحُكمُ قَبلَ المَحكومِ عَلَيه

اقرَأِ التَّرتيبَ أوَّلاً. الجُملةُ تُقَرِّرُ العِلمَ بِقَولِهِم قَبلَ أن تَنقُلَ القَول. «إِذْ يَقُولُ» تَأتي بَعدَ الحُكم، فالقارِئُ يَسمَعُ الوَزنَ قَبلَ أن يَرى المَوزون.

و«نَحْنُ» ضَميرٌ مُنفَصِلٌ مُقَدَّم، و«أَعْلَمُ» أفعَلُ تَفضيل. فالإسنادُ مُشَدَّدٌ بِتَقديمِ الضَّميرِ ثُمَّ بِصيغةِ التَّفضيل.

وقد كانَ قَولُهُم في السَّطرِ قَبلَه مَحصوراً «بَيْنَهُمْ» مَخفوضاً إلى أدنى ما يُسمَع. فأخفى ما دارَ هو المُصَرَّحُ بِأنَّه مَعلوم. الحَصرُ في الدّائِرةِ لا يَحجُبُ عمّن هو خارِجَها.

والقَولُ في جَذرِه ق-و-ل انفِصالُ شَيءٍ عن مَصدَرِه مَعَ بَقاءِ خَيطٍ يَربِطُه بِه. فالكَلِمةُ تُغادِرُ الصَّدرَ ولا تُفارِقُ صاحِبَها. ولِذلك لا يَنفَعُ خَفضُ الصَّوت: الخَيطُ لا يَنقَطِعُ بِانخِفاضِ الجَرس.

«أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً»: مَن مَسلَكُه أشبَهُ بِالمِثال

«أَمْثَلُ» أفعَلُ تَفضيلٍ من م-ث-ل، والمِثالُ ما يُحتَذى فيُقاسُ عَلَيه. فأمثَلُهُم أقرَبُهُم إلى المِثالِ المَطلوب.

و«طَريقةً» تَمييزٌ يُبَيِّنُ جِهةَ التَّفضيل. والجَذرُ ط-ر-ق وَقعٌ ثَقيلٌ يَنبَسِطُ ثُمَّ يُقطَع، ومنه «طَرَقَ الحَديدَ» ضَرَبَه، و«الطَّريق» ما وُطِئَ بِالأقدامِ حَتّى انبَسَطَ فبان. فالطَّريقةُ هَيئةُ المَسلَكِ الذي دُرِسَ بِالوَطء.

فالمَوصوفُ إذاً مَن مَسلَكُه أقرَبُ المَسالِكِ إلى المِثال. والآيةُ تُثبِتُ لَه هذا الوَصفَ ولا تَنزِعُه منه.

ثُمَّ انظُرْ إلى صيغَتَينِ في سَطرٍ واحِد: «أَعْلَمُ» و«أَمْثَلُ». تَفضيلٌ فَوقَهُم وتَفضيلٌ بَينَهُم، وبَينَ التَّفضيلَينِ يَقَعُ القَول.

«إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا»: القالَبُ واحِدٌ والمِقدارُ يَضيق

الجُملةُ هي جُملةُ السَّطرِ قَبلَها بِحَرفِها: نَفيٌ بِـ«إِنْ»، وحَصرٌ بِـ«إلّا»، وفِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ المُخاطَبين. لم يَتَغَيَّرْ إلّا الكَلِمةُ الأخيرة.

وهُناكَ «عَشْرًا» وهُنا «يَوْمًا». والفَرقُ بَينَهُما في العَينِ ظاهِر: عَدَدٌ حُذِفَ مَعدودُه، ثُمَّ مَعدودٌ لا عَدَدَ مَعَه. الأوَّلُ يَجمَعُ آحاداً لم تُسَمَّ، والثّاني وِحدةٌ واحِدةٌ بِلا جَمع.

والقَولانِ لا يَجتَمِعان. أحَدُهُما يَنفي ما فَوقَ العَشرِ والآخَرُ يَنفي ما فَوقَ الواحِد، وكِلاهُما بِصيغةِ الحَصرِ لا بِصيغةِ الظَّنّ.

وهُنا مَوضِعُ الوُقوف: الثّاني هو قَولُ أمثَلِهِم طَريقةً، وهو أضيَقُ التَّقديرَين. فكُلَّما ازدادَ التَّقديرُ دِقّةً ازدادَ صاحِبُه بُعداً عمّا لا يُعلَمُ إلّا من فَوق.

ولاحِظْ ما لم تَفعَلْه الآية: لم تُصَحِّحِ العَدَدَ ولا وَضَعَت مَكانَه عَدَداً. اكتَفَت بِـ«نَحْنُ أَعْلَمُ». نُفِيَ عِلمُهُم ولم يُعطَ بَدَلَه رَقَم.


حَصيلة

يُقَدَّمُ الحُكمُ على المَحكومِ عَلَيه، فيُقالُ «نَحْنُ أَعْلَمُ» ثُمَّ يُنقَلُ القَول، والقارِئُ يَسمَعُ الميزانَ قَبلَ المَوزون. وما كانَ مَحصوراً «بَينَهُم» مَخفوضاً إلى أدنى ما يُسمَع هو المُصَرَّحُ بِأنَّه مَعلوم، والقَولُ في جَذرِه يُفارِقُ الصَّدرَ ولا يُفارِقُ صاحِبَه، فالخَيطُ لا يَنقَطِعُ بِانخِفاضِ الجَرس. ثُمَّ يُوصَفُ القائِلُ بِأنَّه أقرَبُهُم إلى المِثالِ في مَسلَكِه، وهو وَصفٌ يُثبَتُ لَه لا يُنزَعُ منه، والطَّريقةُ في جَذرِها ما وُطِئَ حَتّى انبَسَطَ فبان. وفي السَّطرِ صيغَتا تَفضيل: واحِدةٌ فَوقَهُم وواحِدةٌ بَينَهُم، وبَينَهُما يَقَعُ الكَلام. ثُمَّ يُعادُ القالَبُ نَفسُه بِحَرفِه ولا يَتَغَيَّرُ إلّا آخِرُ كَلِمة: عَدَدٌ حُذِفَ مَعدودُه، ثُمَّ وِحدةٌ بِلا عَدَد. والقَولانِ لا يَجتَمِعانِ وكِلاهُما بِصيغةِ الحَصر. وأضيَقُهُما هو قَولُ أمثَلِهِم طَريقة. فأدَقُّ التَّقديرَينِ صادِرٌ عن أرفَعِهِم وَصفاً، والآيةُ لا تُصَحِّحُ رَقَماً بِرَقَم، بل تَرفَعُ العِلمَ إلى غَيرِ القائِلين.