طه · الآية 40

﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ

«إِذْ تَمْشِي»: ظَرفٌ لِلماضي وفِعلٌ لِلحاضِر

وهذه «إذْ» الثّانِيةُ في المَقطَع، فتَحَتِ الأولى الإيحاءَ، وهذه تَفتَحُ المَشي.

والفِعلُ بَعدَها مُضارِع، واجتَمَعَ بِذلك ظَرفُ ماضٍ ومُضارِعٌ في جِوارِه، فيُحكى الحَدَثُ كَأنَّه واقِعٌ الآن.

و«أُخْتُكَ» على نَحوِ «أُمِّكَ» قَبلَ آيَتَين، فهُما امرَأتانِ في المَقطَع، كِلتاهُما مُضافةٌ إلى كافِ الخِطاب، ولا اسمَ لِواحِدةٍ مِنهُما.

«هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ»: عَرضٌ في صيغةِ سُؤال

و«هَلْ» هُنا تَستَفهِمُ ولا تَطلُبُ خَبَراً، وتُقَدِّمُ ما عِندَها في صورةِ سُؤال.

و«أَدُلُّكُمْ» بِضَميرِ جَماعةٍ لا تُسَمّى، والمَدلولُ عَلَيه «مَن يَكْفُلُهُ»، وهو مَوصولٌ صِلَتُه فِعل.

فالمَذكورُ وَصفٌ لا اسم، وقد ذُكِرَتِ الكَفالةُ ولم يُذكَرِ الكافِل.

ففي الجُملةِ الواحِدةِ ثَلاثةٌ بِلا تَسمِية: القائِلةُ، والمُخاطَبون، والمَدلولُ عَلَيه، والآيةُ تَمضي ولا تَعودُ إلى واحِدٍ مِنهُم.

«فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ»: القَولُ لَها والرَّدُّ لَه

والقَولُ في الجُملةِ قَبلَها مَنسوبٌ إلَيها، وأمّا الرُّجوعُ في هذه فمَنسوبٌ إلى نونِ العَظَمة.

وعُدِلَ عن «فرَجَعتَ» إلى «فَرَجَعْنَاكَ»، والفِعلُ فيه مُتَعَدٍّ إلى المُخاطَب.

فالعَرضُ من فَمٍ، والرَّدُّ من يَدٍ أُخرى، والفاءُ تَصِلُ بَينَهُما ولا تَجعَلُ أحَدَهُما عِلّةَ الآخَر.

«كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ»: عِلّةٌ بِإثباتٍ ونَفي

وتَحتَ «كَي» غايَتان، واحِدةٌ تُثبَتُ وواحِدةٌ تُنفى.

و«تَقَرَّ» من ق-ر-ر، ومَعناه لُزومُ المَوضِعِ بَعدَ اضطِراب، وفاعِلُه «عَيْنُهَا» لا هي، وقد عُدِلَ عن «كَي تَقَرَّ» إلى جَعلِ الذي يَثبُتُ عَينَها.

والعَينُ كَلِمةُ الآيةِ قَبلَها: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، فهُناكَ عَينٌ يُصنَعُ عَلَيها، وهُنا عَينٌ تَثبُتُ بِه، واللَّفظُ واحِدٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، والنِّسبَتانِ مُختَلِفَتان.

و«تَحْزَنَ» من ح-ز-ن، والحَزْنُ من الأرضِ ما غَلُظَ وخَشُنَ، فالمَنفِيُّ غِلَظٌ يَقَعُ في النَّفس.

فالغايَتانِ ثَباتُ عَينٍ ونَفيُ خُشونة، ولا ثالِثَ لَهُما.

«وَقَتَلْتَ نَفْسًا»: جُملةٌ تُقالُ ولا يُزادُ عَلَيها

والجُملةُ فِعلٌ ماضٍ، وتاءُ مُخاطَب، ومَفعولٌ نَكِرة، في ثَلاثِ كَلِمات.

ولا وَصفَ فيها لِلمَقتولِ ولا اسمَ ولا سَبَبَ ولا مَوضِعَ ولا حُكم، فالآيةُ تَذكُرُ الفِعلَ عارِياً وتَمضي.

ومَحَلُّ النَّظَرِ فيها الإسناد: كُلُّ ما في المِنَّةِ مُسنَدٌ إلى نونِ العَظَمة: أوحَينا، رَجَعناك، نَجَّيناك، فَتَنّاك، وهذه أُولى ما أُسنِدَ إلى المُخاطَبِ نَفسِه.

فهذه أُولى الجُمَلِ الثَّلاثِ التي فاعِلُها «أنتَ» في التِّعداد.

«فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ»: يُنَجّى من غِطاءٍ لا من حُكم

والفاءُ لِلتَّعقيب، والفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ من ن-ج-و.

والمُنَجّى مِنه «الْغَمِّ» مُعَرَّفاً بِأل، وغ-م-م غِطاءٌ كَثيفٌ يُطبِقُ فيَحبِسُ ما تَحتَه، كَما يُغَمُّ الهِلالُ فلا يُرى.

فالمَذكورُ في النَّجاةِ ما غَشِيَ، لا ما وَجَب، وقد عُلِّقَتِ النَّجاةُ بِالغَمّ، ولم تُعَلَّقْ بِالقَتلِ ولا بِطالِبٍ ولا بِعُقوبة.

«وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا»: فِعلٌ يَحمِلُ مَصدَرَه

والفِعلُ يَتلوه مَصدَرٌ من لَفظِه مَنصوبٌ بَعدَه، وهي صيغةٌ تَزِنُ الفِعلَ بِنَفسِه فلا يُقاسُ بِغَيرِه.

و«فُتُونًا» تَحتَمِلُ وَجهَين: مَصدَراً لِلفِعلِ نَفسِه، وجَمعاً لِـ«فِتنة»، والوَجهانِ قائِمانِ في اللَّفظِ ولا تَحسِمُ الآيةُ بَينَهُما، فيُعلَنانِ ويُوقَفُ عِندَ ذلك.

ومادّةُ ف-ت-ن شَقٌّ يَنقَطِعُ بِه غِلافُ الشَّيءِ فيَنفَلِتُ ما في باطِنِه ويَنبَعِثُ إلى الخارِج، كَما يُدخَلُ المَعدِنُ النّارَ لِيَبينَ ما خالَطَه، ولِلفِتنةِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه فلا يُعادُ بَسطُه.

وهذا الفِعلُ مَعطوفٌ على «نَجَّيْنَاكَ»، فهو إنقاذٌ ثُمَّ فِتنة، والاثنانِ في سِياقِ المِنَّةِ الواحِدة.

«فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ»: مُدّةٌ لا تُعَدُّ ومَوضِعٌ لا يُوصَف

و«لَبِثْتَ» من ل-ب-ث، ومَعناه مُكثٌ لاصِقٌ بِمَوضِعِه يَنتَهي بِالمُفارَقة، فالجِذرُ يَحمِلُ نِهايَتَه في آخِرِه.

و«سِنِينَ» جَمعٌ نَكِرةٌ لا عَدَدَ قَبلَه ولا صِفةَ بَعدَه.

وجاءَ «فِي أَهْلِ مَدْيَنَ» دونَ «عِندَ»، فالمَظروفُ داخِلُ أهلٍ لا نازِلٌ بِجِوارِهِم، وحَرفُ الظَّرفِ هو حَرفُ القَذفِ في التّابوتِ واليَمِّ قَبلَ آية.

ومَديَنُ اسمٌ مَنصوصٌ في الآية، ولا يُقالُ فيه أكثَرُ من أنَّه مَوضِعُ اللُّبثِ الذي انقَضى.

«ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ»: مَجيءٌ يَقَعُ على مِقدارٍ لا يُسَمّى

و«ثُمَّ» لِلتَّراخي في الرُّتبةِ والزَّمَن، فآخِرُ حَلَقةٍ في التِّعدادِ تَجيءُ بَعدَ مُهلة.

و«جِئْتَ» فِعلُ المُخاطَبِ الثّالِثُ في الآيةِ بَعدَ «قَتَلْتَ» و«لَبِثْتَ»، فهي ثَلاثةُ أفعالٍ لَه في مَقامِ مِنَّةٍ كُلُّ ما سِواها فيها لِغَيرِه.

و«عَلَىٰ قَدَرٍ» نَكِرةٌ بِلا إضافةٍ ولا وَصف، ومادَّتُه ق-د-ر: حَدٌّ مَقطوعٌ ثابِتٌ يَجري بِه الشَّيء، وقد وَقَعَ المَجيءُ عَلَيه استِعلاءً كَما وَقَعَتِ المِنَّةُ «عَلَيْكَ» والصُّنعُ «عَلَىٰ عَيْنِي».

ثُمَّ جاءَ «يَا مُوسَىٰ»، فوَقَعَ الاسمُ آخِرَ أطوَلِ آيةٍ في المَقطَع، بَعدَ أن جَرى الخَبَرُ كُلُّه بِالكافِ والتّاء.

وكَذلكَ خُتِمَ الجَوابُ قَبلَ أربَعِ آياتٍ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾، وفي المَوضِعَينِ يُطالُ الخِطابُ بِالضَّمير، ثُمَّ يُنادى بِالاسمِ عِندَ الحَدّ.


حَصيلة

«إذْ» الثّانِيةُ تَفتَحُ مَشياً بِفِعلٍ مُضارِعٍ داخِلَ ظَرفٍ لِلماضي، و«أُخْتُكَ» كَـ«أُمِّكَ» مُضافةٌ إلى كافِ الخِطابِ بِلا اسم. و«هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ» عَرضٌ في صيغةِ استِفهام، فيه قائِلةٌ ومُخاطَبونَ ومَدلولٌ عَلَيه، ولا اسمَ لِواحِدٍ مِنهُم، والكافِلُ مَذكورٌ بِفِعلِه لا بِعَلَمِه. ثُمَّ يَرُدُّ «فَرَجَعْنَاكَ» الفِعلَ إلى نونِ العَظَمةِ بَعدَ قَولٍ جَرى على لِسانِها. و«كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ» غايَتان: إثباتُ ثَباتٍ ونَفيُ غِلَظ، وفاعِلُ القَرارِ عَينُها لا هي، والعَينُ لَفظُ الآيةِ قَبلَها في نِسبةٍ أُخرى. و«وَقَتَلْتَ نَفْسًا» ثَلاثُ كَلِماتٍ بِلا وَصفٍ ولا سَبَبٍ ولا حُكم، وهي أُولى الجُمَلِ الثَّلاثِ في التِّعدادِ التي فاعِلُها المُخاطَب. ثُمَّ «فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ»، والغَمُّ في جِذرِه غِطاءٌ يُطبِقُ فيَحبِس، فالمُنَجّى مِنه ما غَشِيَ لا ما وَجَب. و«فَتَنَّاكَ فُتُونًا» فِعلٌ يَحمِلُ مَصدَرَه، واللَّفظُ يَحتَمِلُ المَصدَرَ والجَمعَ فيُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُحسَم، وهو مَعطوفٌ على النَّجاةِ في سِياقِ المِنَّةِ نَفسِها. ثُمَّ «فَلَبِثْتَ سِنِينَ»، وهي مُدّةٌ نَكِرةٌ لا تُعَدّ، و«فِي أَهْلِ مَدْيَنَ» ظَرفِيّةٌ لا مُجاوَرة. ثُمَّ «عَلَىٰ قَدَرٍ»، وهو مِقدارٌ مَذكورٌ غَيرُ مُعَيَّن، يَقَعُ عَلَيه المَجيءُ استِعلاءً كَما وَقَعَتِ المِنَّةُ والصُّنعُ من قَبل. ويُختَمُ بِالاسمِ بَعدَ خَبَرٍ طَويلٍ لم يَجرِ فيه إلّا ضَميرُ الخِطاب.