طه · الآية 40
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِذْ تَمْشِي»: ظَرفٌ لِلماضي وفِعلٌ لِلحاضِر
«إذْ» الثّانِيةُ في المَقطَع. الأولى فَتَحَت الإيحاءَ وهذه تَفتَحُ المَشي.
والفِعلُ بَعدَها مُضارِع. ظَرفُ ماضٍ ومُضارِعٌ في جِوارِه، فيُحكى الحَدَثُ كَأنَّه واقِعٌ الآن.
و«أُخْتُكَ» كَـ«أُمِّكَ» قَبلَ آيَتَين. امرَأتانِ في المَقطَع، كِلتاهُما مُضافةٌ إلى كافِ الخِطاب، ولا اسمَ لِواحِدةٍ مِنهُما.
«هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ»: عَرضٌ في صيغةِ سُؤال
«هَلْ» تَستَفهِمُ ولا تَطلُبُ خَبَراً. تُقَدِّمُ ما عِندَها في صورةِ سُؤال.
و«أَدُلُّكُمْ» بِضَميرِ جَماعةٍ لا تُسَمّى. والمَدلولُ عَلَيه «مَن يَكْفُلُهُ»: مَوصولٌ صِلَتُه فِعل.
فما ذُكِرَ وَصفٌ لا اسم. الكَفالةُ مَذكورةٌ والكافِلُ لا.
ثَلاثةٌ في جُملةٍ واحِدةٍ بِلا تَسمِية: القائِلةُ، والمُخاطَبون، والمَدلولُ عَلَيه. والآيةُ تَمضي ولا تَعودُ إلى واحِدٍ مِنهُم.
«فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ»: القَولُ لَها والرَّدُّ لَه
القَولُ في الجُملةِ قَبلَها مَنسوبٌ إلَيها. والرُّجوعُ في هذه مَنسوبٌ إلى نونِ العَظَمة.
ولم يُقَلْ «فرَجَعتَ». قيلَ «فَرَجَعْنَاكَ»، والفِعلُ مُتَعَدٍّ إلى المُخاطَب.
عَرضٌ من فَمٍ، ورَدٌّ من يَدٍ أُخرى. الفاءُ تَصِلُ بَينَهُما ولا تَجعَلُ أحَدَهُما عِلّةَ الآخَر.
«كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ»: عِلّةٌ بِإثباتٍ ونَفي
غايَتانِ تَحتَ «كَي»: واحِدةٌ تُثبَتُ وواحِدةٌ تُنفى.
و«تَقَرَّ» من ق-ر-ر، والجِذرُ لُزومُ المَوضِعِ بَعدَ اضطِراب. والفاعِلُ «عَيْنُهَا» لا هي. لم يُقَلْ «كَي تَقَرَّ»، قيلَ إنَّ الذي يَثبُتُ عَينُها.
والعَينُ كَلِمةُ الآيةِ قَبلَها: وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾. عَينٌ يُصنَعُ عَلَيها، وعَينٌ تَثبُتُ بِه. لَفظٌ واحِدٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَينِ ونِسبَتانِ مُختَلِفَتان.
و«تَحْزَنَ» من ح-ز-ن، والحَزْنُ من الأرضِ ما غَلُظَ وخَشُنَ. فالمَنفِيُّ غِلَظٌ يَقَعُ في النَّفس.
ثَباتُ عَينٍ ونَفيُ خُشونة. غايَتانِ لا ثالِثَ لَهُما.
«وَقَتَلْتَ نَفْسًا»: جُملةٌ تُقالُ ولا يُزادُ عَلَيها
فِعلٌ ماضٍ، وتاءُ مُخاطَب، ومَفعولٌ نَكِرة. ثَلاثُ كَلِمات.
لا وَصفَ لِلمَقتولِ ولا اسمَ ولا سَبَبَ ولا مَوضِعَ ولا حُكم. الآيةُ تَذكُرُ الفِعلَ عارِياً وتَمضي.
وانظُرْ إلى الإسناد. كُلُّ ما في المِنَّةِ مُسنَدٌ إلى نونِ العَظَمة: أوحَينا، رَجَعناك، نَجَّيناك، فَتَنّاك. وهذه وَحدَها مُسنَدةٌ إلى المُخاطَبِ نَفسِه.
جُملةٌ واحِدةٌ في التِّعدادِ فاعِلُها «أنتَ»، وهي هذه.
«فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ»: يُنَجّى من غِطاءٍ لا من حُكم
الفاءُ تُعَقِّبُ، والفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ من ن-ج-و.
والمُنَجّى منه «الْغَمِّ» مُعَرَّفاً بِأل. وغ-م-م غِطاءٌ كَثيفٌ يُطبِقُ فيَحبِسُ ما تَحتَه، كَما يُغَمُّ الهِلالُ فلا يُرى.
فالمَذكورُ في النَّجاةِ ما غَشِيَ، لا ما وَجَب. لم تَقُلِ الآيةُ نَجَّيناكَ من القَتلِ ولا من طالِبٍ ولا من عُقوبة. قالَت: من الغَمّ.
«وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا»: فِعلٌ يَحمِلُ مَصدَرَه
فِعلٌ ثُمَّ مَصدَرٌ من لَفظِه مَنصوباً بَعدَه. صيغةٌ تَزِنُ الفِعلَ بِنَفسِه فلا يُقاسُ بِغَيرِه.
و«فُتُونًا» تَحتَمِلُ وَجهَين: مَصدَراً لِلفِعلِ نَفسِه، وجَمعاً لِـ«فِتنة». الوَجهانِ قائِمانِ في اللَّفظِ ولا تَحسِمُ الآيةُ بَينَهُما، فيُعلَنانِ ويُوقَفُ عِندَ ذلك.
والجِذرُ ف-ت-ن تَفريقٌ بِضَغطٍ يُخرِجُ ما استَتَرَ في الجَوف، كَما يُدخَلُ المَعدِنُ النّارَ لِيَبينَ ما خالَطَه. ولِلفِتنةِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه فلا يُعادُ بَسطُه.
وهذا الفِعلُ مَعطوفٌ على «نَجَّيْنَاكَ». إنقاذٌ ثُمَّ فِتنة، والاثنانِ في سِياقِ المِنَّةِ الواحِدة.
«فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ»: مُدّةٌ لا تُعَدُّ ومَوضِعٌ لا يُوصَف
«لَبِثْتَ» من ل-ب-ث، مُكثٌ لاصِقٌ بِمَوضِعِه يَنتَهي بِالمُفارَقة. الجِذرُ يَحمِلُ نِهايَتَه في آخِرِه.
و«سِنِينَ» جَمعٌ نَكِرة. لا عَدَدَ قَبلَه ولا صِفةَ بَعدَه.
و«فِي أَهْلِ مَدْيَنَ» لا «عِندَ». فالمَظروفُ داخِلُ أهلٍ لا نازِلٌ بِجِوارِهِم. وحَرفُ الظَّرفِ هو حَرفُ القَذفِ في التّابوتِ واليَمِّ قَبلَ آيَة.
ومَديَنُ اسمٌ مَنصوصٌ في الآية، ولا يُقالُ فيه أكثَرُ من أنَّه مَوضِعُ اللُّبثِ الذي انقَضى.
«ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ»: مَجيءٌ يَقَعُ على مِقدارٍ لا يُسَمّى
«ثُمَّ» تَراخٍ في الرُّتبةِ والزَّمَن. آخِرُ حَلَقةٍ في التِّعدادِ تَجيءُ بَعدَ مُهلة.
و«جِئْتَ» فِعلُ المُخاطَبِ الثّالِثُ في الآيةِ بَعدَ «قَتَلْتَ» و«لَبِثْتَ». ثَلاثةُ أفعالٍ لَه في مَقامِ مِنَّةٍ كُلُّ ما سِواها فيها لِغَيرِه.
و«عَلَىٰ قَدَرٍ» نَكِرةٌ بِلا إضافةٍ ولا وَصف. ق-د-ر حَدٌّ مَقطوعٌ ثابِتٌ يَجري بِه الشَّيء، والمَجيءُ وَقَعَ عَلَيه استِعلاءً كَما وَقَعَتِ المِنَّةُ «عَلَيْكَ» والصُّنعُ «عَلَىٰ عَيْنِي».
ثُمَّ «يَا مُوسَىٰ». الاسمُ يَجيءُ آخِرَ أطوَلِ آيةٍ في المَقطَع، بَعدَ أن جَرى كُلُّ الخَبَرِ بِالكافِ والتّاء.
وكَذلكَ خُتِمَ الجَوابُ قَبلَ أربَعِ آياتٍ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾. يُطالُ الخِطابُ بِالضَّمير، ثُمَّ يُنادى بِالاسمِ عِندَ الحَدّ.
حَصيلة
«إذْ» الثّانِيةُ تَفتَحُ مَشياً بِفِعلٍ مُضارِعٍ داخِلَ ظَرفٍ لِلماضي، و«أُخْتُكَ» كَـ«أُمِّكَ» مُضافةٌ إلى كافِ الخِطابِ بِلا اسم. و«هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ» عَرضٌ في صيغةِ استِفهام، فيه قائِلةٌ ومُخاطَبونَ ومَدلولٌ عَلَيه، ولا اسمَ لِواحِدٍ مِنهُم، والكافِلُ مَذكورٌ بِفِعلِه لا بِعَلَمِه. ثُمَّ «فَرَجَعْنَاكَ» يَرُدُّ الفِعلَ إلى نونِ العَظَمةِ بَعدَ قَولٍ جَرى على لِسانِها. و«كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ» غايَتانِ، إثباتُ ثَباتٍ ونَفيُ غِلَظ، وفاعِلُ القَرارِ عَينُها لا هي، والعَينُ لَفظُ الآيةِ قَبلَها في نِسبةٍ أُخرى. و«وَقَتَلْتَ نَفْسًا» ثَلاثُ كَلِماتٍ بِلا وَصفٍ ولا سَبَبٍ ولا حُكم، وهي الجُملةُ الوَحيدةُ في التِّعدادِ التي فاعِلُها المُخاطَب. ثُمَّ «فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ»، والغَمُّ في جِذرِه غِطاءٌ يُطبِقُ فيَحبِس، فالمُنَجّى منه ما غَشِيَ لا ما وَجَب. و«فَتَنَّاكَ فُتُونًا» فِعلٌ يَحمِلُ مَصدَرَه، واللَّفظُ يَحتَمِلُ المَصدَرَ والجَمعَ فيُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُحسَم، وهو مَعطوفٌ على النَّجاةِ في سِياقِ المِنَّةِ نَفسِها. ثُمَّ «فَلَبِثْتَ سِنِينَ» مُدّةٌ نَكِرةٌ لا تُعَدّ، و«فِي أَهْلِ مَدْيَنَ» ظَرفِيّةٌ لا مُجاوَرة. ثُمَّ «عَلَىٰ قَدَرٍ» مِقدارٌ مَذكورٌ غَيرُ مُعَيَّن، يَقَعُ عَلَيه المَجيءُ استِعلاءً كَما وَقَعَتِ المِنَّةُ والصُّنعُ من قَبل. ويُختَمُ بِالاسمِ بَعدَ خَبَرٍ طَويلٍ لم يَجرِ فيه إلّا ضَميرُ الخِطاب.