الإسراء · الآية 52

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا

«يَوْمَ»: ظَرفٌ مُعَلَّقٌ بِقُربٍ لم يُقَدَّرْ بِمِقدار

ظَرفٌ مَنصوبٌ يَتَعَلَّقُ بِما قَبلَه. سَألوا «مَتى هُوَ» فقيلَ «عَسى أن يَكونَ قَريبًا»، ثُمَّ جاءَ هذا الظَّرفُ فوَصَلَ الكَلامَ بِما لم يُقَدَّر.

ولم يُجَبْ سُؤالُهُم بِتاريخ. أُجيبَ بِوَصفِ اليَومِ نَفسِه: ما الذي يَجري فيه، لا أينَ يَقَع. واليَومُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه. مَن أرادَ مَوقِعَ اليَومِ في العَدِّ لم يُعطَه، ومَن أرادَ ما يَفعَلُه فيه أُعطِيَ ثَلاثةَ أفعال.

«يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ»: نِداءٌ وجَوابٌ بِلا فُرجةٍ بَينَهُما

الدُّعاءُ في جَذرِه دَفعٌ يَصعَدُ من العُمقِ ثُمَّ يَمتَدُّ فيَصِلُ بَينَ طَرَفَين. خَيطٌ يُمَدُّ، والجَوابُ يَعودُ على الخَيطِ نَفسِه.

ثُمَّ فاءٌ بَينَ الفِعلَين. لَيسَ «ثُمَّ تَستَجيبون» ولا «فسَوفَ تَستَجيبون». والذينَ كانَ بَينَ سُؤالِهِمِ الأوَّلِ وسُؤالِهِمِ الثاني وَقتٌ ومَجالٌ لِحَرَكةِ رَأس، لَيسَ بَينَ نِدائِهِم وإجابَتِهِم هُنا فُرجةٌ واحِدة.

و«تَستَجيبون» على استَفعَل. والجَوابُ في جَذرِه ما انبَثَقَ فوَصَلَ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ فالتَحَمَ بِه، فالاستِجابةُ إخراجُ هذا الجَوابِ من الدّاخِل، لا مُجَرَّدُ سَماعِ النِّداء.

وانظُرْ في الفاعِل. قالوا عن أنفُسِهِم «لَمَبعوثون» فكانوا مَفعولاً، وقالوا «مَن يُعيدُنا» فكانوا مَفعولاً، وهُنا يُسنَدُ الفِعلُ إلَيهِم أوَّلَ مَرّةٍ في هذا الحِوارِ كُلِّه: هُم يَستَجيبون.

«بِحَمْدِهِ»: الجَوابُ يَخرُجُ مَحمولاً عَلَيه حَمد

باءُ المُصاحَبة. لم يُقَلْ «فتَستَجيبونَ ثُمَّ تَحمَدون»، ولا «تَستَجيبونَ لِحَمدِه». الحَمدُ مُلابِسٌ لِلاستِجابةِ نَفسِها، يَخرُجُ مَعَها في نَفَسٍ واحِد.

و«حَمدِه» بِالإضافةِ إلَيه. الحَمدُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَزيدُه الآيةُ أنَّ المَحمولَ في الجَوابِ لَيسَ من إنشاءِ المُجيب.

وهذه هي الأفواهُ نَفسُها. ضَرَبَتِ الأمثالَ، وسَألَت «مَن يُعيدُنا»، وسَألَت «مَتى هُوَ». لا تَقولُ الآيةُ إنَّها تَبَدَّلَت؛ تَقولُ ماذا يَحمِلُ جَوابُها حينَ يُدعى.

«وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا»: تَقديرٌ يَنهارُ عِندَ صاحِبِه

الظَّنُّ في جَذرِه حُكمٌ يَرِنُّ تَحتَ غِطاءٍ ويَحتَبِسُ في الجَوفِ فلا يَنكَشِف. فما بَعدَه مَنسوبٌ إلَيهِم لا إلى الآية: هذا تَقديرُهُم هُم، وقد قُيِّدَ بِلَفظِه.

و«إن … إلّا» نَفيٌ واستِثناء، وهو أضيَقُ ما يُحصَرُ بِه الشَّيء. ولَو قيلَ «لَبِثتُم قَليلاً» لَبَقِيَ في الجُملةِ مُتَّسَع. أمّا هذا التَّركيبُ فيَنفي المُدَّةَ كُلَّها ثُمَّ يَستَثني منها قَليلاً مُنَكَّراً.

واللُّبثُ في جَذرِه التِصاقٌ بِمَوضِعٍ يَحتَبِسُ فيه الشَّيءُ ويَتَكاثَف. فالمَنفِيُّ ما تَكاثَفَ في المُدّة، لا وُقوعُها. وقد سَألوا «مَتى هُوَ» فقاسوا مَسافة، فلَمّا بَلَغوا لم يَجِدوا في المَسافةِ ما يُقاس.

مَن سَألَ عن بُعدِ المَوعِدِ فقد قَدَّرَ الطَّريقَ طَويلاً قَبلَ أن يَسير.


حَصيلة

ظَرفٌ يَتَعَلَّقُ بِقُربٍ لم يُقَدَّر، فيُجابُ سُؤالُ الوَقتِ بِوَصفِ اليَومِ لا بِمَوقِعِه. ثُمَّ نِداءٌ هو في جَذرِه خَيطٌ يُمَدُّ بَينَ طَرَفَين، وفاءٌ لا فُرجةَ فيها، وجَوابٌ يُستَخرَجُ من الدّاخِلِ بِصيغةِ الطَّلَب. وأوَّلُ فِعلٍ يُسنَدُ إلَيهِم في هذا الحِوارِ كُلِّه بَعدَ أن كانوا مَفعولَينِ في مَوضِعَين. ويَخرُجُ الجَوابُ مُلابِساً لِحَمدٍ لَيسَ من إنشاءِ المُجيب، من الأفواهِ التي ضَرَبَتِ الأمثالَ وسَألَت. ثُمَّ يُنسَبُ إلَيهِم تَقديرٌ يَرِنُّ تَحتَ غِطاءٍ ولا يَنكَشِف، مَبنِيٌّ على نَفيٍ واستِثناءٍ يَحصُرُ المُدَّةَ في قَليلٍ مُنَكَّر. سَألوا عن مَسافةٍ فلَمّا قَطَعوها لم يَبقَ فيها ما يُقاس.