المِلء
بُلوغُ الحَيِّزِ حَدَّهُ فلا يَقبَلُ زِيادة. ومنهُ الجَماعةُ التي تَملَأُ المَجلِسَ فلا يَبقى فيهِ مَوضِعٌ لِسِواها، ومنهُ المِقدارُ الذي يُقالُ فيهِ «مِلءُ الأرض» فلا يُتَصَوَّرُ فَوقَه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ
مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُهُ رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: ضَمٌّ يُمسِكُ في الباطِن.
- ل: تَعَلُّقٌ يَلتَصِقُ بِأصلِ الثَّنايا، والصَّوتُ يَنسابُ
مُمتَدّاً مُنتَشِراً من جانِبَي اللِّسان. شِحنَتُه: التِصاقٌ يَمتَدُّ ويَنتَشِر.
- ء: انطِباقٌ تامٌّ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه، فيَحتَبِسُ
مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عَنهُ دَفعةً واحِدة. شِحنَتُه: قَطعٌ تامٌّ بَعدَ احتِباس.
النَّواةُ مل (م + ل) = ضَمٌّ يَنتَشِرُ في الحَيِّز: الميمُ تَجمَعُ في جَوفٍ مُغلَق، واللّامُ تَبسُطُ المَجموعَ حَتّى يَعُمَّ جَوانِبَه. فالنَّواةُ حَدَثُ شَيءٍ يَعُمُّ ما هوَ فيهِ لا حَدَثُ تَكديسٍ في زاوِية.
والإغلاقُ بـء يَقطَعُ هذا الانتِشارَ قَطعاً تامّاً عِندَ حَدِّ الحَيِّز، فلا يَبقى بَعدَهُ مَوضِعٌ يُزادُ فيه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: انتِشارٌ يَعُمُّ الحَيِّزَ ثُمَّ يَنقَطِعُ عِندَ حَدِّه. والهَمزةُ هيَ التي تُفَرِّقُ بَينَ هذا الجَذرِ وبَينَ أخيهِ في النَّواةِ الذي يَختِمُهُ حَرفُ قَبضٍ فيُعطي المِلكَ لا الامتِلاء.
ومنه في كَلامِ العَرَب: مَلَأَ الإناءَ بَلَغَ بِهِ حَدَّه، والمَلَأُ أشرافُ القَومِ الذينَ يَملَؤونَ المَجلِسَ والعَين، وشَيءٌ مَليءٌ لا مَزيدَ فيه.
الشِّحنةُ الجامِعة: بُلوغُ الحَدِّ الذي لا يَقبَلُ زِيادة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- الْمَلَإِ (اسمٌ جَمعِيٌّ مُعَرَّفٌ مَجرورٌ بِـ«إلى»)، ٢:٢٤٦:
الجَذرُ يَقَعُ اسماً لِجَماعةٍ تُعرَفُ بِأنَّها تَشغَلُ المَوضِعَ كُلَّه.
- مِّلْءُ (مَصدَرٌ مُضافٌ مَرفوعٌ نائِبَ فاعِل)، ٣:٩١: الجَذرُ
يَقَعُ اسماً لِلمِقدارِ الذي يَبلُغُ بِالمَظروفِ حَدَّ ظَرفِه.
والصّيغَتانِ اسمانِ لا فِعلَ مَعَهُما في المَنشور، فالجَذرُ يُعرَفُ بِحالِ المَملوءِ لا بِحَدَثِ المالِئ.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: بُلوغُ الحَدّ، من الحُروف.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشور. والصّيغَتانِ وَجهانِ لِشِحنةٍ واحِدة: جَماعةٌ تَملَأُ مَجلِساً، ومِقدارٌ يَملَأُ أرضاً. والفَرقُ بَينَهُما في المَملوء: الأولى تَملَأُ حَيِّزَ الكَلامِ والرَّأي، والثّانِيةُ تَملَأُ حَيِّزاً مَحسوساً يُقَدَّرُ بِه.
المَواضع: مَواقعُ المِلءِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٤٦ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن
بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ اسماً لِجَماعةٍ لَم تُعَرَّفْ بِنَسَبٍ ولا بِعَمَلٍ بَل بِأنَّها تَملَأُ المَوضِع: هيَ التي تَتَكَلَّمُ عَنِ القَومِ فيُؤخَذُ قَولُها قَولَهُم. ثُمَّ تُظهِرُ الآيةُ حَدَّ هذا الامتِلاء: لَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾، فالحَيِّزُ الذي مُلِئَ بِالقَولِ يَفرُغُ عِندَ العَمَل. وشَغلُ المَوضِعِ لَيسَ مِلكاً لَه، ولِذلكَ سَألوا مَن يَملِكُ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾. انظُر المُلْك والقِتال والقَوم.
- ٣:٩١ ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من أسماءِ
الجَماعاتِ إلى أسماءِ المَقادير، ومن حَيِّزِ المَجلِسِ إلى حَيِّزِ الأرضِ كُلِّها. والإضافةُ ﴿مِّلْءُ الْأَرْضِ﴾ تُبَيِّنُ أنَّ الجَذرَ لا يُقَدِّرُ بِنَفسِهِ شَيئاً، إنَّما يَأخُذُ قَدرَهُ من الظَّرفِ المُضافِ إليه، والتَّمييزُ ﴿ذَهَبًا﴾ يُسَمّي المَظروف. وهذا أَقصى ما يُبلَغُ بِهِ في المُصحَف، ومَعَ ذلكَ يُرَدُّ بِـ«لَن»: بُلوغُ الحَدِّ لا يُلزِمُ القَبول. انظُر الذَّهاب والفِداء والأَرض.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
mulk: ٢:٢٤٦ تَجمَعُ في جُملةٍ واحِدةٍ مَن يَملَأُ المَجلِسَ
ومَن يُطلَبُ لِيَملِكَ الأمر، فيَظهَرُ أنَّ شَغلَ المَوضِعِ غَيرُ حِيازَتِه.
qital: ٢:٢٤٦ تَختَبِرُ المَلَأَ بِالقِتالِ فيَتَوَلَّوْنَ
إلّا قَليلاً، فالامتِلاءُ بِالقَولِ يَنكَشِفُ عِندَ الكُلفة.
dhahab: ٣:٩١ تَجعَلُ الذَّهَبَ مَظروفَ المِلءِ وتَمييزَه،
فيَلتَقي أعلى المَقاديرِ بِأزوَلِ المَعادِن.
fida: ٣:٩١ تَعرِضُ المِلءَ فِدىً وتَرُدُّه، فيَتَبَيَّنُ
أنَّ المِقدارَ لا يُنشِئُ حَقّاً في القَبول.
ard: الأرضُ هيَ الظَّرفُ الذي أخَذَ منهُ المِلءُ قَدرَهُ في
٣:٩١، فالجَذرُ تابِعٌ لِما يُضافُ إليه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل سُمِّيَ المَلَأُ بِمِلءِ المَجلِسِ أم بِمِلءِ العَين؟
المَنشورُ لا يَكتُبُ الاسمَ إلّا في ٢:٢٤٦، وسِياقُهُ كَلامٌ يَصدُرُ عَنِ الجَماعةِ فيُنسَبُ إلى القَومِ كُلِّهِم، وهذا يُرَجِّحُ مِلءَ المَوضِعِ لا مِلءَ النَّظَر. والمَسألةُ تَبقى مَفتوحةً حَتّى يُنشَرَ لِلاسمِ مَوضِعٌ آخَر.
- **ما حَدُّ الفَرقِ بَينَ نَواةِ «مل» مَختومةً بِالهَمزةِ
ومَختومةً بِحَرفِ قَبض؟** النَّواةُ واحِدةٌ في المَوضِعَين: ضَمٌّ يَنتَشِرُ في الحَيِّز. والهَمزةُ تَقطَعُ الانتِشارَ عِندَ الحَدِّ فتُعطي الامتِلاء، وحَرفُ القَبضِ يُمسِكُ المُنتَشِرَ فيُعطي الحِيازة. والآيةُ الواحِدةُ ٢:٢٤٦ تَضَعُ الوَجهَينِ مُتَجاوِرَين، وهو أوضَحُ ما في المَنشورِ من شاهِدٍ على أثَرِ الحَرفِ الثّالِث.