البقرة · الآية 246

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

الجذر (م ل أ): المَلأُ مَن يَملأُ العَينَ بِمَقامِه

أُبَيِّنُ أنَّ جَذرَ (م ل أ) يَدُلُّ عَلى الامتِلاءِ التامِّ لِلوِعاءِ. «المَلَأ» في اللُّغةِ القَومُ ذَوو الرَّأيِ والقَدرِ الذينَ يَملَأُ كِبَرُهم وسُلطَتُهم عُيونَ النّاسِ مِن حَولِهم. لَيسوا العامَّةَ، بَل النُّخبةَ المُسَيطِرةَ عَلى القَرارِ الجَماعيّ. اختِيارُ «المَلأ» في فاتِحةِ القِصَّةِ يُحَدِّدُ المَسؤوليَّةَ: النُّكولُ المَذكورُ لاحِقًا ليسَ نُكولَ عامَّةٍ، بَل نُكولُ نُخبةٍ مُطالِبةٍ.

الجذر (ب ع ث): «ابعَث» طَلَبُ التَّفعيلِ لا التَّجَسُّد

أُلاحِظُ أنَّ (ب ع ث) يَدُلُّ عَلى إثارةِ الشَّيءِ مِن سُكونِه وتَوجيهِه إلى وَجهةٍ. «ابعَث لَنا مَلِكًا» طَلَبُ إحداثِ قِيادةٍ تَنفيذيَّةٍ، لا طَلَبُ تَعيينِ شَخصيَّةٍ مَعروفةٍ. المَلأ يُريدونَ وَظيفةً لا وَجهًا، وبُنيةً لا هُويَّةً. هذا الطَّلَبُ يَعكِسُ وَعيًا بَنيَويًّا صَحيحًا (نَحتاجُ تَنظيمًا) لَكِن تَطبيقَه سَيَكشِفُ ثُقلَ الفَجوةِ بَينَ الفِكرةِ والاستِعداد.

الجذر (م ل ك) و(ن ب أ): ثُنائيَّةُ القِيادةِ والتَّبليغ

أؤَكِّدُ أنَّ القِصَّةَ تَفصِلُ عَمدًا بَينَ مَوقِعِ «النَّبيِّ» ومَوقِعِ «المَلِكِ». النَّبيُّ يَحمِلُ البَلاغَ، والمَلِكُ يَحمِلُ السِّلاح. (م ل ك) يَدُلُّ عَلى الإمساكِ بِزِمامِ الأمر، و(ن ب أ) يَدُلُّ عَلى رَفعِ الخَبَرِ المُهِمِّ وإيصالِه. الآيةُ تُقَرِّرُ أنَّ القيادةَ التَّنفيذيَّةَ تَحتاجُ إذنًا نَبَويًّا، وأنَّ النَّبُوَّةَ لا تَتَحَمَّلُ وَحدَها أعباءَ التَّنفيذِ. هذه هندَسةٌ اجتِماعيَّةٌ صَريحة.

الجذر (ع س ي) و(ك ت ب): السُّؤالُ الاستِشرافيّ

أُشيرُ إلى أنَّ «هَل عَسَيتُم» استِفهامٌ يَحمِلُ تَوَقُّعًا. جَذرُ (ع س ي) يَدُلُّ عَلى الاحتِمالِ القَريبِ الذي يُشفِقُ المُتَكَلِّمُ مِن وُقوعِه. النَّبيُّ لا يَسألُ عَن نِيَّةٍ حاضِرةٍ، يَسألُ عَن مُستَقبَلٍ مُتَوَقَّع: إذا تَحَوَّلَ الأمرُ مِن شِعارٍ إلى فَريضةٍ مَكتوبةٍ، هَل ستَبقَونَ عَلى مَوقِفِكم؟ و(ك ت ب) هُنا ليسَ كِتابةً بِالقَلَمِ، بَل إثباتُ التَّكليفِ في مَوقِعِ اللُّزومِ. «كُتِبَ عَلَيكُم» أي صارَ عَليكُم فَريضةً لازِمةً.

الجذر (خ ر ج) و(د و ر): احتِجاجُ المَلأ بِالإخراجِ السّابق

أُبَيِّنُ أنَّ جَوابَ المَلأ «وقد أُخرِجنا مِن دِيارِنا وأبنائِنا» يَستَحضِرُ الجَذرَينِ ذَاتَيهِما اللذَينِ افتَتَحَ بِهِما سياقُ 243 (خ ر ج / د و ر). التَّسَلسُلُ البَنيَويُّ واضِح: الآيةُ 243 تَكَلَّمَت عَن جَماعةٍ خَرَجَت مِن دِيارِها حَذَرَ المَوت، والآيةُ 246 تَتَكَلَّمُ عَن جَماعةٍ أُخرِجَت مِن دِيارِها وتُرَدِّدُ المَظلَمةَ كَمُبَرِّرٍ لِلقِتال. المُبَرِّرُ صَحيحٌ، لَكِنَّه لَم يَصمُد ساعةَ التَّنفيذ.

الجذر (و ل ي) و(ظ ل م): التَّوَلّي المَعنَويُّ والظُّلمُ البَنيَويّ

أُلاحِظُ أنَّ «تَوَلَّوا» مِن جَذرِ (و ل ي) يَدُلُّ عَلى الانصِرافِ بِالظَّهرِ لا مُجَرَّدِ الإحجام. المَلأ لَم يَتَخَلَّفوا صَمتًا، بَل أعطَوا ظَهرَهم لِلعَهدِ الذي قَطَعوه عَلى أنفُسِهم. ثُمَّ تَأتي خاتِمةُ الآيةِ «واللهُ عَليمٌ بِالظّالِمين» لِتُقَرِّرَ أنَّ التَّوَلِّيَ عَن عَهدٍ مَقطوعٍ ذاتيًّا ظُلمٌ لِلنَّفسِ قَبلَ غَيرِها. (ظ ل م) في جَذرِه وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، وهُنا وَضعُ الطَّلَبِ في غَيرِ مَوضِعِ الوَفاء.

مَبدَأُ القِلَّةِ الصّادِقةِ: «إلا قَليلًا مِنهُم»

أؤَكِّدُ أنَّ استِثناءَ «إلا قَليلًا مِنهُم» ليسَ تَلطيفًا بَلاغيًّا. هو مَبدَأٌ بَنيَويٌّ يَتَكَرَّرُ في القُرآنِ: الحَقُّ لا يَحمِلُه الأكثَر، يَحمِلُه قِلَّةٌ صابِرة. هذا يَفتَحُ البابَ لِلآيةِ اللاحِقةِ التي تُقَدِّمُ طالوتَ كَمَلِكٍ مِنَ القِلَّةِ لا مِنَ الكَثرة، ولِمَرحَلةِ النَّهرِ في 249 حَيثُ تَنكَشِفُ القِلَّةُ الحَقيقيَّةُ داخِلَ المَلأ نَفسِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ المَلأ في طَلَبِ القِيادةِ يَسبِقُ هُوِيَّتَه بِها، ودَورُ العَهدِ في لَحظةِ الكِتابةِ يَسبِقُ دَورَ الشِّعارِ في لَحظةِ الطَّلَب.


حَصيلة

هذه الآيةُ مِفتاحُ قِصَّةٍ تَمتَدُّ سِتَّ آياتٍ (246-251). «المَلَأ» مِن (م-ل-أ): النُّخبةُ التي يَملَأُ حُضورُها عُيونَ النّاسِ. لَيسَ العامَّةَ بَل طَبَقةَ القَرار. طَلَبُهم «ابعَث لَنا مَلِكًا» مِن (ب-ع-ث): إثارةُ وَظيفةٍ مِن سُكونِها لا تَعيينُ شَخصٍ. والقُرآنُ يَفصِلُ مَوقِعَ النَّبيِّ. (ن-ب-أ) حامِلُ الخَبرِ الرَّفيع. عَن مَوقِعِ المَلِكِ. (م-ل-ك) صاحِبُ القَبضةِ التَّنفيذيَّة: هندَسةٌ اجتِماعيَّةٌ صَريحة. جَوابُ النَّبيِّ «هَل عَسَيتُم» من (ع-س-ي): تَوَقُّعٌ مُشفِقٌ أن يَنقَلِبَ الشِّعارُ حينَ يَصيرُ فَريضةً مَكتوبةً مِن (ك-ت-ب). ثَباتُ ما أُثبِتَ بِالقَلَم. واحتِجاجُهم «وقد أُخرِجنا مِن دِيارِنا» يَستَحضِرُ جَذرَي (خ-ر-ج) و(د-و-ر) اللذَينِ افتَتَحَا سِياقَ 243: التَّسَلسُلُ البَنيَويُّ واضِح. المَظلَمةُ حَقيقيَّةٌ لَكِنَّها لَم تَصمُد ساعةَ التَّنفيذ. «تَوَلَّوا» مِن (و-ل-ي): أعطَوا ظُهورَهم لِلعَهدِ الذي قَطَعوه عَلى أنفُسِهِم. وهذا «ظُلمٌ» بِجَذرِ (ظ-ل-م): وَضعُ الالتِزامِ في غَيرِ مَوضِعِ الوَفاء. «إلّا قَليلًا مِنهُم»: مَبدَأٌ بَنيَويٌّ يَتَكَرَّرُ في القُرآن، الحَقُّ يَحمِلُه قِلَّةٌ صابِرة لا الكَثرةُ المُطالِبة، وهذا ما سَيُفَصِّلُه طالوتُ في الآيةِ التّالِيَة.