آل عمران · الآية 91

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ»: المَسارُ يُغلَقُ على وَصفٍ راسِخ

و«إنّ» لتوكيدِ الاسمِ الموصول، وصِلتُه فعلانِ ماضيان: كفروا وماتوا. وأصلُ ك-ف-ر غطاءٌ يَغشى ما تحته ويَمتدُّ في حجبه، ومدارُ م-و-ت على بلوغِ الحركةِ تمامَ انقطاعها. وزادت الواوُ حالَ «وهم كفار»، فجمعت لحظةَ الموتِ إلى وصفٍ كان قائماً عندها، وصيغةُ «كفار» تُكثّفُ فعلَ الحجبِ حتى يَظهرَ رسوخُه، وبذلك يَتعلّقُ الحكمُ بمسارٍ أُغلقَ على هذا الوصف.

«فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم»: الجَوابُ يَنفُذُ إلى كلِّ واحِد

والفاءُ رابطةٌ للصلةِ بجوابِها، و«لن» تَحملُ نفيَ القبولِ إلى الأمام. ومادّةُ ق-ب-ل انعقادُ الداخلِ استعداداً لما يَلقاه، ثمّ اتصالُه به وإدخالُه في حيّزه، وأمّا البناءُ للمجهولِ فيُبرزُ الشيءَ المردودَ ومصدرَه. و«من أحدهم» تُدخلُ كلَّ فردٍ تحتَ النفي، فيَستغرقُ الحكمُ الجمعَ فرداً فرداً، وبذلك يَقطعُ الجوابُ إمكانَ تلقّي الفديةِ الآتية من أيّ واحدٍ منهم.

«مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ»: أَقصى المِقدارِ لا يَفتَحُ القَبول

ونائبُ الفاعِلِ مِقدارٌ يَملأُ الأرض، و«ذهباً» تَمييزٌ لمادّتِه. والمِلءُ من م-ل-أ، وهو ضَمٌّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بالحَيِّزِ حتى يَنطَبِقَ عليه ويَستَكمِلَه، فالصُّورةُ لا تَترُكُ فَراغاً في الأرضِ المَذكورة. ثمّ جاءَت «لو» بحالٍ مُفترَضة: افتدى به، والفِداءُ من ف-د-ي انفِتاحٌ يُبعِدُ تحتَ دَفعٍ ثابت ثمّ يَمتَدُّ إلى تَخليصِ صاحِبِه. و«لو» غيرُ ناقِضةٍ لـ«لن»، ويبقى استعمالُ المِلءِ كلِّه فِداءً، على أقصاه، داخلَ نَفيِ القَبول.

«أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: نَفيُ البَدَلِ يُتبَعُ بإثباتِ العاقبة

واسمُ الإشارةِ عائدٌ إلى أصحابِ الصِّلةِ كلِّها، وقُدِّمَ «لهم» فاتَّصَلَ المآلُ بهم. والعَذابُ أَثَرٌ يَظهَرُ من العُمقِ نافِذاً ثمّ يَتَّصِلُ بصاحِبِه، و«أليم» يَجعَلُ الألمَ صِفةً للعَذابِ نفسِه. وانتَقَلَ النَّظمُ من «لن يُقبل» إلى جُملةٍ مُثبَتة، فما يُرادُ دَفعُه بالفِداءِ باقٍ، وقد سُمّيَ عذاباً أليماً. وقامَ الوَصفُ الواحِدُ «أليم» مَقامَ كُلِّ تَفصيل، فيَثبُتُ العَذابُ بصِفَتِه بعدَ سُقوطِ قيمةِ البَدَلِ المفروض.

«وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ»: لا مَدَدَ يَأتيهِم من غَيرِهم

وخُتِمَت الآيةُ بجُملةٍ معطوفةٍ بالواوِ تَنفي أن يكونَ لهم ناصرون. ومدارُ ن-ص-ر على انبِعاثٍ من الباطنِ يَلتَقي بصَلابةٍ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في الإسناد. و«من» بعدَ النَّفيِ لاستِغراقِ الجِنس، فلا يَبقى في العبارةِ ناصرٌ واحِدٌ مُستَثنى. و«ناصرين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ النَّصرَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً كانت ستَحمِلُهم من خارِج، وهي مَنفيّة، وبذلك يُغلَقُ طَريقان: بَدَلٌ يَصدُرُ منهم فلا يُقبَل، ومَدَدٌ من غيرِهم فلا يأتيهم.


حَصيلة

تُعرِّفُ الآيةُ أصحابَ الحُكمِ بمَسارٍ خُتِمَ على الكُفرِ عندَ المَوت، ثمّ تَربِطُه بنَفيِ قَبولٍ يَدخُلُ فيه كلُّ واحدٍ منهم، ولو كانَ المعروضُ مِلءَ الأرضِ ذهباً واستُعمِلَ فِداءً. وبعدَ سقوطِ البَدَلِ تُثبِتُ لهم عذاباً أليماً، وتَنفي النّاصرينَ نَفياً مُستَغرِقاً، فالمَشهدُ يَقطَعُ إمكانَ الخَلاصِ من جهتَين: ما يُقدِّمُه صاحبُه، وما يَحمِلُه به ناصرٌ من خارِج.