القَوم
القَومُ جَماعةٌ يُمسِكُها من باطِنِها ما يَجمَعُها. والجَذرُ إمساكٌ يَجمَعُ الشَّيءَ من باطِنِه فيَمُدُّه قائِماً، والشَّيءُ هُنا جَماعةٌ من النّاس.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ أجوَف:
- ق: تَعَقُّدٌ واشتِدادٌ في العُمق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: العُقدةُ تَنعَقِدُ فيَلتَئِمُ ما فيها، وهو التِئامٌ يَجمَع. وهذا وَجهُ «العَقدِ والالتِئامِ في العُمق».
- و: اشتِمالٌ يَصِل. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: الوَصلُ يَمتَدُّ بِما أُمسِكَ فيَمُدُّه، وهو مَدٌّ يَمُدُّ ما أُمسِك. وهذا وَجهُ «الوَصلِ المَمدودِ والرَّبط».
- م: امتِساكٌ وضَمّ. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: ما ضُمَّ يُمسَكُ ويُحتَوى، وهو إمساكٌ من الباطِن. وهذا وَجهُ «الامتِساكِ والاحتِواءِ الباطِن».
ق (العَقدُ والالتِئامُ في العُمق) + م (الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن): النَّواةُ قم = عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه. وو (الوَصلُ المَمدودُ والرَّبط) بَينَهُما مَدٌّ يَمُدُّ ما أُمسِكَ فيَقوم. فالجَذرُ ق-و-م حرفيّاً: إمساكٌ يَجمَعُ الشَّيءَ من باطِنِه فيَمُدُّه قائِماً.
فالقِيامُ ثَمَرةُ التَّركيب: القافُ تَجمَع، والميمُ تُمسِكُ من الباطِن، والواوُ تَمُدُّ ما أُمسِكَ فيَقوم. وشاهِدُه جِدارٌ كادَ يَسقُطُ فجُمِعَ وأُمسِكَ فقام: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (١٨:٧٧). فتُقرَأُ قامَ وأقامَ وقائِمٌ ومُستَقيمٌ على ظاهِرِها. وقِيامُ البَدَنِ كذلك: يُجمَعُ البَدَنُ ويُمسَكُ ويُمَدُّ قائماً، ويَتَرَخّى في القُعودِ والاضطِجاع، والهَيئاتُ الثَّلاثُ مَذكورةٌ مَعاً في ٣:١٩١.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في سِتِّمِئةٍ وسِتّينَ مَوضِعاً. وهذِه صِيَغُه كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ شاهِدٌ واحِد:
- قامَ، قُمتُم (٦) ١٨:١٤ ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾: فِتيةٌ جُمِعوا وأُمسِكوا فقاموا، والرَّبطُ على قُلوبِهِم يُمسِكُهُم من الباطِن.
- يَقومُ، تَقومُ (٢١) ٥٧:٢٥ ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾: النّاسُ يُمسِكونَ القِسطَ مَجموعاً بَينَهُم. والسّاعةُ تَقومُ في ٣٠:١٢ وأخَواتِها: يُجمَعُ أمرُها كُلُّه.
- قُم، قوموا، لِتَقُم، لا تَقُم (٦) ٧٣:٢ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: بَدَنٌ يُجمَعُ ويُمسَكُ ويُمَدُّ قائماً في اللَّيل.
- قائِم، قائِمة (١٥) ٥٩:٥ ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا﴾: نَخلةٌ مُمسَكةٌ مَجموعةً على أصلِها. ومِنه «قَائِمًا بِالْقِسْطِ» في ٣:١٨ بِالمَعنى نَفسِه.
- قِيام (٧) ٥:٩٧ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾: ما يُمسِكُ أمرَ النّاسِ مَجموعاً. والمالُ قِيامٌ لِأهلِه في ٤:٥.
- القِيامة (٧٠) ٤:٨٧ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: يَومٌ يُسَمّى بِهذا الإمساك، والآيةُ نَفسُها تَذكُرُ الجَمع.
- أقامَ، يُقيمُ، أقيموا، أقِم (٥٤) ٥٥:٩ ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: الفاعِلُ يُوقِعُ الإمساكَ على غَيرِه، فيُمسِكُ الوَزنَ مَجموعاً على القِسط. وبِه تُقامُ الصَّلاةُ والشَّهادةُ والحُدودُ والجِدار.
- إقامة، إقام (٣) ١٦:٨٠ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: قِيامُ النّاسِ في مَوضِعٍ يُمسِكُهُم، يُقابِلُه الظَّعن.
- مُقيم (١٠) ٥:٣٧ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾: عَذابٌ قائمٌ على أصحابِه مُمسَكٌ عَلَيهِم. ومِنه مُقيمو الصَّلاةِ في ٤:١٦٢.
- مَقام (١٤) ٣٧:١٦٤ ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: المَوضِعُ الذي يُمسَكُ فيه صاحِبُه.
- مُقام، المُقامة (٤) ٣٥:٣٥ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾: دارٌ يُمسَكُ فيها أهلُها قائمين.
- استَقامَ، استَقِم، يَستَقيم (١٠) ٤١:٣٠ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أمسَكوا أنفُسَهُم مَجموعةً على ما قالوا فقاموا عَلَيه.
- مُستَقيم (٣٧) ٦:١٥٣ ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾: صِراطٌ مُمسَكٌ مَجموعاً مَمدودٌ قائماً على طولِه، تُقابِلُه سُبُلٌ تُفَرِّقُ سالِكيها.
- قَيِّم، قِيَم، القَيِّمة (٨) ٩٨:٣ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: كُتُبٌ تُمسِكُ ما فيها مَجموعاً. والكِتابُ القَيِّمُ في ١٨:١-٢ كِتابٌ لا عِوَجَ فيه.
- القَيُّوم (٣) ٢:٢٥٥ ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: اسمٌ لله على فَيعول، والآيةُ نَفسُها تَذكُرُ حِفظَه السَّماواتِ والأرض.
- أقوَم (٤) ٧٣:٦ ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: قَولٌ أشَدُّ إمساكاً لِأجزائِه.
- قَوّام (٣) ٤:١٣٥ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾: مَن يُكثِرُ إمساكَ القِسطِ مَجموعاً.
- قَوام (١) ٢٥:٦٧ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾: الوَسَطُ الذي يُمسِكُ الإنفاقَ مَجموعاً بَينَ الإسرافِ والقَتر.
- تَقويم (١) ٩٥:٤ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: خَلقٌ أُمسِكَ مَجموعاً على أحسَنِ هَيئة.
- قَوم (٣٨٣) ١٣:١١ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾: جَماعةٌ يُمسِكُها من باطِنِها ما بِأنفُسِها.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: قامَ: انتَصَبَ بَعدَ قُعود، وأقامَ بِالمَكانِ: لَبِثَ فيه، وقِوامُ الأمرِ: ما يَنتَظِمُ بِه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ قم: «تَجَمُّعُ الشَّيءِ أو تَضامُّهُ في كُتلةٍ قَويّةٍ مَعَ تَسَنُّمٍ أو ارتِفاع».
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- قَوم (اسمُ جَمع): الجَماعةُ التي يُمسِكُها هذا الإمساك. نَكِرةً في ٤:٩٠، ومُعَرَّفاً في ٤:١٠٤ و٢٠:٨٧.
- قَومُه، قَومُك، قَومُهُم (مُضاف): الجَماعةُ مَنسوبةً إلى مَن تُمسَكُ حَولَه: موسى في ٢:٦٠، وفِرعَونُ في ٢٠:٧٩.
- يا قَومِ (نِداء): الجَماعةُ يُناديها واحِدٌ مِنها بِنِسبَتِها إلَيه، في ٢:٥٤ و٢٠:٩٠.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: إمساكٌ يَجمَعُ الشَّيءَ من باطِنِه فيَمُدُّه قائِماً. «القَوم» اسمٌ لِلجَماعةِ التي يُمسِكُها هذا الإمساك، والإضافةُ تُعَيِّنُ إلى مَن تُنسَب.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
mustaqim: ما صارَ مُمسَكاً مَجموعاً على امتِدادِه. انظُر المُستَقيم.iqama: الإمساكُ يُوقِعُه فاعِلٌ على غَيرِه، والقِيامُ يُمسِكُ بِه الشَّيءُ نَفسَه. انظُر الإقامة.
المَواضع: مَواقعُ القَومِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٥٤ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ القَومُ القُرآنَ جَماعةً يَنسُبُها موسى إلى نَفسِه مَرَّتَين: «لِقَوْمِهِ» في الخَبَر، و«يَا قَوْمِ» في النِّداء. فالجَماعةُ مُمسَكةٌ حَولَ مَن يُناديها، ويُخاطِبُها بِما فَعَلَتهُ بِأنفُسِها.
- ٢:٦٠ ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾: الجَديدُ: يَطلُبُ موسى السُّقيا لِقَومِه، ثُمَّ يَنقَسِمُ القَومُ في الآيةِ نَفسِها أُناساً لِكُلٍّ مِنهُم مَشرَبُه، فالجَماعةُ المُمسَكةُ مَجموعةً تَتَوَزَّعُ من داخِلِها.
- ٤:٩٠ ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ القَومُ نَكِرةً تُعَرَّفُ بِميثاقٍ يَربِطُها بِالمُخاطَبين، فما يُمسِكُ الجَماعةَ يَمتَدُّ إلى مَن يَصِلُ إلَيها. ويَقِفُ في الآيةِ قَومٌ ضاقَت صُدورُهُم عن قِتالِ المُخاطَبينَ وقِتالِ قَومِهِم. انظُر الميثاق.
- ٤:١٠٤ ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: الجَديدُ: القَومُ هُنا الجَماعةُ المُقابِلةُ في القِتال، تُسَمّى بِالاسمِ المُعَرَّف. وتُسَوّي الآيةُ بَينَ الجَماعَتَينِ في الألَم، وتُفرِدُ المُخاطَبينَ بِما يَرجونَه من الله. انظُر الرَّجاء.
- ٢٠:٧٩ ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾: الجَديدُ: يُضافُ القَومُ إلى فَردٍ يُضِلُّهُم، فالجَماعةُ مُمسَكةٌ حَولَ مَن يَقودُها إلى الضَّلال، والإضافةُ تُسَمّي ما يَجمَعُها، وذَيلُ الآيةِ يَحكُمُ عَلَيه. انظُر الضَّلال.
- ٢٠:٨٣ ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ﴾: الجَديدُ: يُضافُ القَومُ إلى المُخاطَب، ويُسأَلُ موسى عن عَجَلةٍ فَصَلَتهُ عَنهُم، فالجَماعةُ تُذكَرُ بِمَوضِعِها مِمَّن تُمسَكُ حَولَه.
- ٢٠:٨٥ ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾: الجَديدُ: يُفتَنُ القَومُ في غَيبةِ مَن كانوا مُمسَكينَ حَولَه، ويَأخُذُ مَوضِعَه السّامِريُّ فيُضِلُّهُم. انظُر الفِتنة.
- ٢٠:٨٧ ﴿أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ «الْقَوْمِ» مُعَرَّفاً على لِسانِ جَماعةٍ تُسَمّي بِه جَماعةً غَيرَها، فالاسمُ يُعطي الجَماعةَ المُمسَكة، والسِّياقُ يُعَيِّنُ أيَّ جَماعة.
- ٢٠:٩٠ ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ﴾: الجَديدُ: يُنادي هارونُ القَومَ بِالنِّداءِ الذي ناداهُم بِه موسى في ٢:٥٤، قَبلَ رُجوعِ موسى، فالجَماعةُ لَها في غَيبَتِه مَن يُناديها، وتُفتَنُ مَعَ ذلك.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
bani-israel: بَنو إسرائيلَ هُم القَومُ المُشارُ إليه في هذا السِّياق، والآياتُ تُناديهِم بِاسمِهِم «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ» (٢:٤٧، ٢٠:٨٠).mustaqim: القِيامُ والاستِقامةُ من الجَذرِ ذاتِه.ayn: العُيونُ اثنَتا عَشرةَ في ٢:٦٠، والآيةُ تَقِفُ عِندَ «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ» ولا تَعُدُّ فُروعَ القَوم. فالمَنصوصُ عَدَدُ العُيونِ وأنَّ لِكُلِّ طائِفةٍ مَشرَبَها، لا أنَّ الطَّوائِفَ بِعَدَدِ العُيون.mawa3ada: المُواعَدةُ كانَت مع مُوسى وقَومِه بِاعتِبارِهِم وَحدةً.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «القَوم» في العَربيَّةِ الكُبرى لِلذُّكورِ فَقَط؟ هذا قَولٌ في اللُّغةِ القَديمة. مَوقِفُنا: في القرآنِ يَتَّسِعُ لِلجَماعةِ الكامِلةِ بِذُكورِها وإِناثِها إذا كانَ السِّياقُ عامّاً.