التَّأييد
**مَدَدٌ يَنقَطِعُ عن مَصدَرِه فيَمتَدُّ إلى غَيرِه فيَثبُتُ فيه**. لَيسَ التَّأييدُ قُوّةً تَحصُلُ لِلمُؤَيَّدِ فتَصيرَ لَه، بَل شَيئاً يُفصَلُ عن صاحِبِه ويُوصَلُ بِه. ولِذلك لا يَرِدُ هذا الجَذرُ في المُصحَفِ المَنشورِ إلّا فِعلاً مُتَعَدِّياً، ولا يَرِدُ فاعِلُه إلّا اللهَ، ولا يَخلو مَوضِعٌ من مَواضِعِه الثَّلاثةِ من **باءٍ تُسَمّي ما أُيِّدَ بِه**. فالمُؤَيَّدُ في المُسَجَّلِ لا يَملِكُ تَأييدَه، وإنَّما يُوصَلُ بِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- أ :: قَطعٌ حادٌّ ثُمَّ انفِتاح. فالمَبدَأُ **فَصلٌ عن مَوضِعٍ
أوَّل**.
- ي :: امتِدادٌ لَيِّنٌ لا يَعتَرِضُه شَيء. فالوَسَطُ **وُصولٌ بِلا
حاجِز** إلى مَوضِعٍ ثانٍ.
- د :: احتِباسٌ بِضَغطٍ ثابِتٍ ثُمَّ دَفعةٌ نافِذةٌ إلى الأمام.
فالمُنتَهى ثَباتٌ في المَوضِعِ الثّاني ثُمَّ دَفعٌ منه.
فالتَّركيبُ: يُقطَعُ من هُنا، فيَصِلُ إلى هُناك، فيَثبُتُ ويَدفَع.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الباءَ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ لَيسَت زِيادةً في البَيان، بَل مُقتَضى الهَمزة. فالقَطعُ يَستَدعي مَقطوعاً يُسَمّى: بِرُوحِ القُدُسِ في اثنَين، وبِنَصرِه في الثّالِث. ولَو كانَ التَّأييدُ صِفةً تَحدُثُ في المُؤَيَّدِ لَصَحَّ إطلاقُه بِلا أداة، كما يُقالُ «قَوّاهُ». ولا يَقَعُ ذلك في المُسَجَّلِ ولا مَرّةً. وهذا يُفَسِّرُ أيضاً بَقاءَ الأَيْدِ في العَرَبيّةِ اسماً لِلقُوّةِ المُستَمَدّة، وهي غَيرُ اليَد جَذراً وإن تَشابَهَ الرَّسمُ في بَعضِ الصِّيَغ.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
ثَلاثةُ مَواضِعَ، وصيغَتانِ كِلتاهُما من فَعَّلَ (البابُ الثّاني):
- الماضي بِنونِ العَظَمةِ وضَميرٍ «وَأَيَّدْنَاهُ»: مَوضِعان، وهُما
في عيسى ابنِ مَريَمَ خاصّة.
- المُضارِعُ مُسنَداً إلى اسمِ الجَلالة «يُؤَيِّدُ»: مَوضِعٌ واحِد،
ومَفعولُه مُبهَمٌ («مَن يَشاءُ»).
ولا يَرِدُ من الجَذرِ اسمٌ ولا مَصدَرٌ ولا اسمُ فاعِلٍ ولا اسمُ مَفعول، ولا يَرِدُ الثُّلاثيُّ المُجَرَّدُ ألبَتّة. فالجَذرُ في المُسَجَّلِ فِعلٌ خالِصٌ لا صِفةَ لَه: لا يُقالُ «مُؤَيَّد» فيَصيرَ وَصفاً يَحمِلُه صاحِبُه، بَل يُقالُ «أيَّدناهُ» فيَبقى الفِعلُ مَنسوباً إلى فاعِلِه. وتَضعيفُ العَينِ في البابِ الثّاني لِلتَّعدِيَةِ لا لِلتَّكثير: المُؤَيَّدُ مَفعولٌ لا فاعِل.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
quwwa(القُوّة، ق-و-ي): والمَفهومانِ يَلتَقِيانِ على حُكمٍ
واحِد. quwwa يُقَرِّرُ أنَّ أحَداً من البَشَرِ لا يُقالُ في المُسَجَّلِ إنَّه ذو قُوّة، وهذا المَفهومُ يُقَرِّرُ أنَّ أحَداً من البَشَرِ لا يُقالُ إنَّه مُؤَيِّد. فالقُوّةُ لا تُملَك، والتَّأييدُ لا يُفعَل. والفَرقُ بَينَهُما أنَّ القُوّةَ مَذخورٌ يُوصَفُ بِه صاحِبُه، والتَّأييدَ مَدَدٌ يُوصَلُ بِه غَيرُ صاحِبِه.
nasr(النَّصر، ن-ص-ر): والمُصحَفُ يَجعَلُ أحَدَهُما أداةً
لِلآخَرِ في ٣:١٣ («يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ»)، فالنَّصرُ آلةُ التَّأييدِ لا مُرادِفُه. ولِذلك يُطلَبُ النَّصرُ ويُدعى بِه في المُسَجَّل، ولا يُطلَبُ التَّأييدُ ولا يُدعى بِه في مَوضِعٍ واحِد.
ruh(الرُّوح، ر-و-ح): والباءُ في المَوضِعَينِ الأوَّلَينِ
تَجعَلُه الأداةَ نَفسَها. وruh يَقرَأُ ما هو، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما فُعِلَ بِه: أنَّه أُعطِيَ آلةَ تَثبيتٍ لِواحِدٍ بِعَينِه مَرَّتَين.
- الإمداد: لا مَفهومَ لَه في المُدَوَّنِ بَعد. والفَرقُ
المُنتَظَرُ تَحقيقُه أنَّ المَدَدَ يَتَّصِلُ ولا يَنقَطِعُ عن مَصدَرِه، والتَّأييدَ يَبدَأُ بِقَطع. فأحَدُهُما حَبلٌ والآخَرُ عَطِيّة.
المَواضع: مَواقعُ التَّأييدِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٨٧ ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ مَعطوفاً على الإيتاء، فيُفصَلُ بَينَ ما يُعطى ويُحمَل (البَيِّنات) وما يُوصَلُ بِه صاحِبُه (الرُّوح). ولَو كانا شَيئاً واحِداً لَما عُطِفَ أحَدُهُما على الآخَر. والباءُ تُسَمّي الأداةَ من أوَّلِ مَوضِع، فلا يُترَكُ التَّأييدُ مُطلَقاً قَطُّ. ويَقَعُ ذلك في سِياقِ لَومٍ على رَدِّ الرُّسُل، فيَكونُ ذِكرُ التَّأييدِ حُجّةً على الرّادِّينَ لا مَدحاً مُجَرَّداً. انظُر
isaوbayyinaوruhوrasul.
- ٢:٢٥٣ ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: العِبارةُ نَفسُها في مَقامِ التَّفضيل. الجَديدُ: تُعادُ الجُملةُ بِحَرفِها ويَتَغَيَّرُ ما حَولَها وَحدَه. هُناكَ كانَت شاهِداً في خِصام، وهُنا تَقَعُ داخِلَ تَقريرٍ عامٍّ في تَفاضُلِ الرُّسُل: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ ثُمَّ تُذكَرُ ثَلاثةُ وُجوهٍ لِلتَّفضيل: كَلامٌ، ورَفعُ دَرَجات، وتَأييدٌ بِرُوح. فيَصيرُ التَّأييدُ صِنفاً من أصنافِ التَّفضيل لا كَرامةً مُفرَدة، وهذا ما لا تُعطيه ٢:٨٧. انظُر
isaوrasul.
- ٣:١٣ ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾: المُؤَيَّدُ مُبهَمٌ والأداةُ نَصر. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من الخُصوصِ إلى العُموم، فلا يُسَمّى المُؤَيَّدُ («مَن يَشاءُ») وتُبَدَّلُ الأداةُ من رُوحٍ إلى نَصر، فيَثبُتُ أنَّ الأداةَ لَيسَت لازِمةً بِعَينِها بَل بِوَصفِها. ويَقَعُ ذلك بَعدَ ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، فيَكونُ التَّأييدُ في هذا المَوضِعِ واقِعاً في ما يُرى لا في الأبدان، والآيةُ تُسَمّي ذلك كُلَّه «آية». انظُر
nasrوmashiaوbasarوaya.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
quwwaفي بِناءِ المُدَوَّن: المَفهومانِ لا يَلتَقِيانِ في
آيةٍ واحِدة، والتِقاؤُهُما في النَّتيجة. قُرِئَ ق-و-ي فوُجِدَ أنَّ القُوّةَ لا تُنسَبُ إلى بَشَرٍ في المُسَجَّل، وقُرِئَ أ-ي-د فوُجِدَ أنَّ التَّأييدَ لا يَصدُرُ عن بَشَرٍ فيه. والقارِئُ الذي يَقرَأُهُما مَعاً يَرى قِسمةً واحِدةً في جِهَتَين.
- مَعَ
nasrفي ٣:١٣:nasrيَقرَأُ النَّصرَ في ذاتِه، وهذا
المَفهومُ يَقرَأُه آلةً. والآيةُ هي المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ الذي يُجعَلُ فيه النَّصرُ مَجروراً بِباءِ الاستِعانةِ بَعدَ فِعلٍ آخَر.
- مَعَ
isaفي ٢:٨٧ و٢:٢٥٣: المَوضِعانِ لا يَذكُرانِ التَّأييدَ
إلّا لَه، فالمَفهومانِ يَشتَرِكانِ في كُلِّ ما لِهذا الجَذرِ من ماضٍ. وisa يَقرَأُ الشَّخص، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الفِعلَ الواقِعَ عَلَيه.
الإشكالات المَفتوحة
- **ثَلاثةُ مَواضِعَ كُلُّها بِباءٍ مُسَمّاة. أفَيَلزَمُ الجَذرَ ذِكرُ
الأداةِ لُزوماً، أم هي مُصادَفةُ العَدَدِ القَليل؟** الاطِّرادُ تامٌّ في ثَلاثةٍ من ثَلاثة، والعَدَدُ أصغَرُ من أن يُبنى عَلَيه حُكمٌ في اللُّغة. لكنَّه كافٍ لِيُقالَ إنَّ المُصحَفَ المَنشورَ لا يُطلِقُ التَّأييدَ قَطُّ.
- ما وَجهُ ذِكرِ التَّأييدِ في ٣:١٣ بَعدَ ذِكرِ الرُّؤيةِ؟ إن كانَ
التَّأييدُ هو التَّكثيرَ في العَينِ فهو واقِعٌ في الإدراك، وإن كانَ غَيرَه فقد ذُكِرا مُتَجاوِرَينِ بِلا رَبط. والآيةُ تَحتَمِلُ الوَجهَين، ورَجَّحتُ الأوَّلَ في القِسمِ الرّابِع لِأنَّ الجُملةَ مَعطوفةٌ في سِياقِ بَيانِ «الآية»، وهو تَرجيحٌ بِالنَّظمِ لا نَصّ.
- هَل «الأَيْد» و«اليَد» جَذرٌ واحِد؟ الرَّسمُ يَتَقارَبُ في
الجَمعِ حَتّى إنَّ المُطابِقَ لا يُفَرِّقُ بَينَ «أَيَّدْناهُ» و«أَيْديهِم»، والمَعنى يَتَقارَبُ أيضاً (اليَدُ ما يُمتَدُّ بِه ويُبطَشُ). لكنَّ المُسَجَّلَ يَفصِلُ بَينَهُما فَصلاً تامّاً: لا يَرِدُ من هذا الجَذرِ اسمٌ ولا من ذاكَ فِعل. فالفَصلُ عَمَليٌّ ثابِتٌ وإن بَقِيَ الأصلُ مَوقوفاً.