البقرة · الآية 253

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

اسمُ الإشارةِ «تِلكَ» يَستَأنِفُ بَعدَ خاتِمة القَصَص

في الآيةِ السّابِقة قُلتُ إنَّ «تِلكَ» تَعودُ إلى الآياتِ المَسطورةِ في قَصَصِ طالوتَ وداود. وأُلاحِظُ هُنا أنَّ الاستِعمالَ يَتَكَرَّر، لَكِن مَحَلُّ الإشارةِ يَتَبَدَّل: «تِلكَ الرُّسُلُ» لَيسَت إشارةً إلى الآياتِ بَل إلى الذَّوات الحامِلةِ لَها. فَنَحنُ أمامَ خَطوةٍ مَنهَجيَّة: بَعدَ أن ثَبَّتَ القُرآنُ أنَّ النَّصَّ مَسطورٌ قَبلَ أن يُتلى، يَنتَقِلُ إلى إثباتِ أنَّ الرُّسُلَ المُبَلِّغينَ لَهُ ليسوا طَبَقةً واحِدة.

(ف ض ل): التَّفاضُلُ لا التَّفاوُت

الجَذرُ (ف ض ل) يَدُلُّ عَلى الزِّيادةِ عَلى الحاجة، والفَضلُ ما جاءَ زائِدًا عَلى المِقدار. واستِعمالُ «فَضَّلنا» لا «فاوَتنا» دَقيق: التَّفاضُلُ يَعني أنَّ الكُلَّ في أصلِ الرِّسالةِ كامِل، لَكِنَّ بَعضَهم أُعطيَ زِيادةً نَوعيَّةً لا تَنتَقِصُ مِن غَيرِه. وهَذا ضِدُّ التَّفاوُتِ الذي يَعني النُّقصانَ والهُبوط. أؤَكِّدُ أنَّ الفَضلَ هُنا إلاهيٌّ عَطائيٌّ، لا ناتِجٌ عَن جُهدٍ ذاتيٍّ لِلرَّسول.

«بَعضَهم عَلى بَعض»: ثُنائيَّةُ (ب ع ض) في الجُملةِ الواحِدة

تَكرارُ (ب ع ض) مَرَّتَين في الصِّياغةِ ذاتِها يُنتِجُ بِنيةً مُقارَنة. «بَعضَهم» فاعِلٌ مُنفَعِل، و«بَعض» ثانٍ هو المَرجِعُ المُقارَن. لا يوجَدُ هُنا طَرَفٌ مُتَمَيِّزٌ مُطلَقًا ولا طَرَفٌ ناقِصٌ مُطلَقًا: كُلُّ رَسولٍ هو «بَعض» مِن كُلٍّ أكبَر. وهَذا يَمنَعُ تَحويلَ التَّفاضُلِ إلى مُفاضَلةٍ عَصَبيَّةٍ بَينَ أتباعِ الرُّسُل.

(ك ل م): «مَن كَلَّمَ اللهُ» نَمَطُ اتِّصالٍ مُباشِر

صيغةُ التَّفعيل (كَلَّمَ) تَدُلُّ عَلى قَصدِ تَوجيهِ الخِطابِ، لا عَلى مُجَرَّدِ صُدورِ الصَّوت. و«مَن» المَوصولةُ مُبهَمة، والآيةُ تُبقيها كَذَلِكَ بِلا تَسمية. المُلاحَظةُ الدَّقيقةُ أنَّ النَّصَّ يَترُكُ الذَّاتَ وَراءَ الوَصف. فَالمَقصودُ ليسَ تَشخيصَ الشَّخصِ بَل نَمَطَ الاتِّصال: «تَكليم» نَوعٌ مِن الرِّسالةِ يَجعَلُ الرَّسولَ مُخاطَبًا لا مُوحًى إليه فَحَسب.

(ر ف ع) و(د ر ج): الرَّفعُ كَزِيادةِ عُلوّ والدَّرَجةُ كَمَوقِعٍ مُتَعَدِّد

الجَذرُ (ر ف ع) يَعني العُلوَّ النِّسبيَّ بَعدَ اتِّضاعٍ أو انخِفاض. والدَّرَجةُ (د ر ج) أصلُها السُّلَّم، وتُعَمَّمُ لِلمَواقِعِ المُتَعَدِّدةِ المُتَراتِبة. قَولُه «وَرَفَعَ بَعضَهم دَرَجات» جَمعٌ لا مُفرَد: أي أنَّ الرَّفعَ لَم يَكُن بِدَرَجةٍ واحِدةٍ بَل بِدَرَجاتٍ كَثيرة. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَينَ الرُّسُلِ مَن جُمِعَت لَه عِدَّةُ فَضائِلَ، لا فَضيلةٌ واحِدة.

عيسى ابنُ مَريم: تَخصيصٌ بَعدَ إبهام

بَعدَ إبهامِ «مَن كَلَّمَ اللهُ»، تَأتي تَسميةُ «عيسى ابنَ مَريم» صَريحة. وأُلاحِظُ أنَّ هَذا الانتِقالَ مِن الإبهامِ إلى التَّصريحِ ليسَ اعتِباطًا، بَل يُفيدُ أنَّ عيسى يَحتاجُ إلى تَأكيدِ انتِمائِه البَشَريِّ صَراحةً في مَقامٍ يَذكُرُ فيه تَأييدَه بِروحِ القُدُس. فَالتَّصريحُ «ابن مَريم» يَسبِقُ ذِكرَ «رُوحِ القُدُس» لِيَمنَعَ الالتِباس: المُؤَيَّدُ هو إنسانٌ مِن أمٍّ إنسانيَّة، لا إلَه.

(ب ي ن) و(أ ي د): ازدِواجُ الحُجَّةِ والتَّأييد

أُعطيَ عيسى «البَيِّنات»، وهو جَمعٌ لِما يَكشِفُ الحَقَّ ويُظهِرُه. والجَذرُ (ب ي ن) يَحمِلُ مَعنى الانفِصالِ بَينَ الحَقِّ والباطِل. ثُمَّ أُيِّدَ بِ«روحِ القُدُس»، والجَذرُ (أ ي د) يَدُلُّ عَلى التَّقويةِ والإسنادِ بِما يَفوقُ القُوَّةَ الذّاتيَّة. فَالازدِواجُ بَين «البَيِّنات» و«التَّأييد» يَعني أنَّ عيسى جُمِعَت لَه حُجَّةٌ عَقليَّةٌ خارِجيَّةٌ ونَصرٌ داخِليٌّ عَنِ الله. والمُعجِزاتُ كَإبراءِ الأكمَهِ والأبرَصِ وإحياءِ المَوتى تَقَعُ تَحتَ «البَيِّنات» لا تَحتَ «روحِ القُدُس» مُباشَرة.

(ر و ح) و(ق د س): الرّوحُ المُطَهِّرةُ لا الإلَهيَّةُ

لَفظُ «القُدُس» مِن (ق د س) وأصلُه الطَّهارةُ والتَّنزيه. و«روحُ القُدُس» تَعني الرّوحَ المَنسوبةَ إلى التَّنزيه، أي رُوحًا مُطَهَّرةً أو مُطَهِّرة. وأُبَيِّنُ أنَّ التَّعبيرَ لا يَجعَلُ الرّوحَ «مُقَدَّسةً» بِذاتِها بِمَعنى الإلاهيَّة، بَل مَنسوبةً إلى مَقامِ التَّنزيهِ الإلَهيّ. الإضافةُ هُنا إضافةُ اختِصاص، لا إضافةُ مُماثَلة. وهَذا يَنفي تَأويلَ بَعضِ أهلِ الكِتابِ الذينَ جَعَلوا «روحَ القُدُس» أقنومًا مُستَقِلًّا.

«وَلَو شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ»: الشَّرطيَّةُ الامتِناعيَّة

«لَو» هُنا حَرفُ شَرطٍ يَدُلُّ عَلى امتِناعِ الشَّيءِ لامتِناعِ غَيرِه. واللَّفظُ «ما اقتَتَلَ» صيغةُ مُفاعَلةٍ مِن (ق ت ل)، تَدُلُّ عَلى تَبادُلِ القَتلِ لا عَلى قَتلٍ مِن جِهةٍ واحِدة. والفَرقُ بَينَ «قَتَلَ» و«اقتَتَلَ» دَقيق: الأوَّلُ فِعلٌ أُحاديُّ الاتِّجاه، والثّاني تَبادُلٌ بَينَ فِئَتَين. فَالآيةُ تَصِفُ صِراعًا مُتَبادَلًا بَينَ أتباعِ الرُّسُلِ أنفُسِهم، لا عُدوانَ جِهةٍ عَلى أُخرى.

(خ ل ف) و(أ م ن)/(ك ف ر): الاختِلافُ أصلُ الاقتِتال

«ولَكِنِ اختَلَفوا» استِدراكٌ يُرَدُّ السَّبَبَ إلى الاختِلاف. والجَذرُ (خ ل ف) يَدُلُّ عَلى تَبايُنِ المَواقِفِ بَعدَ وَحدةِ الأصل. ثُمَّ فُصِّلَ الاختِلافُ: «فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَر». أُشيرُ إلى أنَّ الاقتِتالَ لَم يَقَع بَينَ المُؤمِنينَ والكافِرينَ فَحَسب، بَل بَينَ أتباعٍ كُلُّهم يَنسُبونَ أنفُسَهم إلى الرِّسالة. فَالاختِلافُ المُؤَدّي إلى الاقتِتالِ داخِليٌّ بَعدَ البَيِّنات، لا خارِجيّ قَبلَها.

تَكرارُ «لَو شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلوا»: الإغلاقُ بِالسِّيادةِ الإلَهيَّة

الآيةُ تُكَرِّرُ الجُملةَ الشَّرطيَّةَ مَرَّتَين: «ما اقتَتَلَ الذينَ مِن بَعدِهم» ثُمَّ «ما اقتَتَلوا». التَّكرارُ ليسَ زائِدًا: الأوَّلُ يَربُطُ القِتالَ بِالأجيالِ التّاليةِ لِلرُّسُل، والثّاني يَعودُ إلى الضَّميرِ العامّ. وأُلاحِظُ أنَّ القُرآنَ لا يَذُمُّ القِتالَ عَلى إطلاقِه، بَل يَذُمُّ الاقتِتالَ البَشَريَّ الدّاخِليَّ بَعدَ وُضوحِ الحُجَّة. فَالمَعنى الضِّمنيُّ: لَو كانَ للهِ في الجَبرِ مَشيئةٌ لَمَنَعَ الاقتِتال، لَكِنَّه أرادَ أن تَبقى حُرِّيةُ الاختِلافِ مَع تَبِعاتِها.

(ف ع ل) و(ر و د): «يَفعَلُ ما يُريد» خَتمًا سِياديًّا

الجَذرُ (ف ع ل) يَدُلُّ عَلى إحداثِ الأثَرِ في الخارِج. و(ر و د) في «يُريد» أصلُها الطَّلَبُ بِرِفقٍ أو الذَّهابُ والمَجيء. والإرادةُ الإلَهيَّةُ ليسَت رَغبةً كَرَغبةِ البَشَر، بَل هي المَشيئةُ السّابِقةُ لِلفِعل. وأؤَكِّدُ أنَّ الخاتِمةَ «إنَّ اللهَ يَفعَلُ ما يُريد» ليسَت تَبريرًا جَبريًّا لِلاقتِتال، بَل تَقريرٌ لِسَيادةٍ إلَهيَّةٍ تَترُكُ لِلإنسانِ حُرِّيةَ الاختِيارِ وتَتَحَمَّلُ تَبِعاتِها أمامَ اللهِ يَومَ القِيامة. فَالمَشيئةُ الإلَهيَّةُ هُنا «إذنيَّة» لا «رَغبيَّة»: أذِنَت بِوُقوعِ ما وَقَع، لا أنَّها رَضيَت بِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الرِّسالةِ الواحِدةِ بِمَراتِبَ مُتَفاضِلة» يَسبِقُ دَعوى التَّساوي المُطلَقِ بَينَ الأنبياء، ودَورُ «الاختِلافِ البَشَريِّ بَعدَ البَيِّنات» يَسبِقُ دَعوى أنَّ القِتالَ قَدَرٌ مَحتومٌ لا يَدَ لِلإنسانِ فيه.


حَصيلة

«تِلكَ الرُّسُل». الإشارةُ إلى البَعيدِ تُثَبِّتُ أنَّ الرُّسُلَ مَوجودونَ في مَوضِعِهِمُ الأصليِّ قَبلَ التِّلاوة. «فَضَّلنا» مِن (ف-ض-ل) لا «فاوَتنا»: التَّفاضُلُ زِيادةٌ نَوعيَّةٌ لِبَعضِهِم لا نُقصانٌ في الآخَرين، كُلٌّ كامِلٌ في أصلِ الرِّسالةِ ولِبَعضِهِم زِيادةٌ فَوقَ ذَلِك. وتَكرارُ «بَعضَهُم عَلى بَعض» بُنيةُ مُقارَنةٍ داخِلَ الوَحدةِ لا قِسمةٌ خارِجَها. يَمنَعُ تَحويلَ التَّفاضُلِ إلى عَصَبيَّةٍ بَينَ الأتباع. «مَن كَلَّمَه الله» (ك-ل-م) صيغةُ تَفعيلٍ تَدُلُّ عَلى قَصدِ تَوجيهِ الخِطاب. الاسمُ مُبهَمٌ لِأنَّ المَقصودَ نَمَطُ الاتِّصالِ لا تَشخيصُ الذّات. «رَفَعَ بَعضَهُم دَرَجات» (د-ر-ج) جَمعٌ لا مُفرَد: فَضائِلُ مُتَعَدِّدةٌ في واحِد. ثُمَّ تَأتي تَسميةُ «عيسى ابنَ مَريم» صَريحةً. وتَقديمُ «ابن مَريم» عَلى «روحِ القُدُس» (ق-د-س: الطَّهارةُ والتَّنزيه) يَمنَعُ الالتِباسَ: المُؤَيَّدُ إنسانٌ مِن أمٍّ إنسانيَّة. «ولَو شاءَ اللهُ ما اقتَتَلَ». الاقتِتالُ (صيغةُ مُفاعَلةٍ) تَبادُلٌ بَينَ فِئَتَينِ يَتَكَلَّمانِ بِاسمِ الرِّسالةِ نَفسِها. سَبَبُه «اختَلَفوا» مِن (خ-ل-ف): تَبايُنٌ بَعدَ وَحدةِ الأصل. وتَختِمُ «يَفعَلُ ما يُريد». سَيادةٌ إلهيَّةٌ تَرَكَت لِلإنسانِ حُرِّيةَ الاختِيارِ مَعَ تَبِعاتِها: المَشيئةُ هُنا إذنيَّةٌ لا رَغبيَّةٌ. أذِنَت بِالوُقوعِ لا أنَّها رَضيَت بِه.