التَّواصي
التَّواصي من و-ص-ي، والجَذرُ وَصلٌ يَربِطُ الشَّيءَ بِغَيرِه فيُمسِكُه بِه إمساكاً صُلباً، ويَمتَدّ. فالتَّواصي أن يَربِطَ كُلٌّ صاحِبَه بِشَيءٍ ويُمسِكَه بِه، ويَربِطَه صاحِبُه بِه كَذلك: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١٠٣:٣).
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ أوَّلُه واوٌ وآخِرُه ياء:
- و: اشتِمالٌ يَصِل. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: يَصِلُ الشَّيءَ بِغَيرِه ويَربِطُه بِه، وهو وَصلٌ يَربِط. وهذا وَجهُ «الوَصلِ المَمدودِ والرَّبط».
- ص: نَفاذٌ بِقُوّةٍ وغِلَظ. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: يُطبِقُ على الشَّيءِ إطباقاً صُلباً فيُمسِكُه، وهو إمساكٌ صُلب. وهذا وَجهُ «الإطباقِ الصُّلبِ والإمساك».
- ي: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَسري. ويَظهَرُ مِنه هُنا امتِدادُه: يَمُدُّ ما قَبلَه، وهو امتِداد. وهذا وَجهُ «الامتِدادِ والسَّرَيان».
النَّواةُ وص (و + ص) = وَصلٌ يَربِطُ الشَّيءَ بِغَيرِه فيُمسِكُه بِه إمساكاً صُلباً. والإتمامُ بـي يَمُدُّ هذا الإمساكَ إلى مُنتَهاه، ولا تَقومُ النَّواةُ عَلَيها. ومُنتَهاه ما تُسَمّيه الآية: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (١٩:٣١)، و﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٢:٢٤٠). فالجَذرُ و-ص-ي حرفيّاً: وَصلٌ يَربِطُ الشَّيءَ بِغَيرِه فيُمسِكُه بِه إمساكاً صُلباً، ويَمتَدّ.
والواوُ هُنا حَرفٌ أصليٌّ تَقومُ عَلَيه النَّواة، لِأنَّها تَفتَتِحُ الجَذر، كَما في و-ع-د و-ث-ق و-ل-ي، وتَظهَرُ مِنها لَحظةُ الوَصلِ كَما تَظهَرُ في تِلكَ الجُذور. والياءُ في آخِرِه تَمُدُّ ما قَبلَها، كَما في ج-ز-ي ون-ه-ي وو-ح-ي.
فالوَصيّةُ أن يُربَطَ المُوصى بِشَيءٍ رَبطاً يُمسِكُه بِه، ويَمتَدَّ هذا الإمساكُ عَلَيه. والمَفعولُ يُسَمّي المَربوط: «بَنِيهِ» (٢:١٣٢)، و«الْإِنسَانَ» (٢٩:٨)، و«نُوحًا» (٤٢:١٣). والباءُ تُسَمّي ما يُربَطُ بِه: «بِهَا» (٢:١٣٢)، و«بِوَالِدَيْهِ» (٢٩:٨)، و«بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ» (١٩:٣١)، و«بِالْحَقِّ» (١٠٣:٣). و«أن» تُسَمّيه أمراً: ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٤:١٣١). و«في» تُسَمّي ما يَقَعُ فيه الرَّبط: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٤:١١). واللّامُ تُسَمّي مَن يَعودُ إلَيه ما يُمسَك: «لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» (٢:١٨٠)، و«لِّأَزْوَاجِهِم» (٢:٢٤٠).
ويَظهَرُ الإمساكُ الصُّلبُ حينَ تَضَعُ الآياتُ الوَصيّةَ في مُقابِلِ التَّفَرُّق: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ (٦:١٥٣)، و﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٤٢:١٣)، وحينَ تَجعَلُ تَبديلَها إثماً على مَن يُبَدِّلُه: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (٢:١٨١). ويَظهَرُ الامتِدادُ حينَ يَبقى الرَّبطُ إلى آخِرِ الحَياة: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢:١٣٢)، وحينَ يَمتَدُّ إلى ما يَترُكُه صاحِبُه، فتَأتي القِسمةُ ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤:١١).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في اثنَينِ وثَلاثينَ مَوضِعاً (٣٢) في إحدى وعِشرينَ آية. مِنها عِشرونَ مَوضِعاً في عَشرِ آياتٍ مَنشورة، تِسعٌ مِنها مُسَجَّلةٌ في القِسمِ الرّابِعِ من wasiyya وtawasi. وهذه صِيَغُه كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- وَصّى، وَصّاكُم، وَصَّينا (فَعَّلَ، الماضي، ١١): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٢٩:٨): يُربَطُ الإنسانُ بِوالِدَيه، ويَبقى الرَّبطُ إذا جاهَداه على الشِّرك. تَنفي الآيةُ الطّاعةَ وَحدَها، ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، وتُبقي ٣١:١٥ الصُّحبة: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. ومِثلُه ٣١:١٤ و٤٦:١٥. و﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ في ٦:١٥١-١٥٣، كُلَّ مَرّةٍ بَعدَ أوامِرَ ونَواهٍ تُسَمّي ما يُربَطُ بِه المُخاطَبون. وفي ٤٢:١٣ مَرَّتان: نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى مَربوطونَ بِشَيءٍ واحِد. ومِنه ٢:١٣٢ و٤:١٣١. و﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا﴾ (٦:١٤٤): رَبطٌ يُدَّعى، فيُسأَلُ مُدَّعوه هل شَهِدوه.
- أَوصى، يوصي، يُوصى (أَفعَلَ، ٦): ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (١٩:٣١): يُربَطُ بِالصَّلاةِ والزَّكاة، ويَمتَدُّ الرَّبطُ ما دامَ حَيّاً. و﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٤:١١): اللهُ يَربِطُ المُخاطَبينَ في أولادِهِم بِما تُسَمّيه الآيةُ من الأنصِبة. و«يُوصِي بِهَا» و«يُوصِينَ بِهَا» و«تُوصُونَ بِهَا» و«يُوصَىٰ بِهَا» (٤:١١-١٢): مَن يَترُكُ شَيئاً يَربِطُه بِمَن يُسَمّيه.
- تَواصَوا، أَتَواصَوا (تَفاعَلَ، ٥): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١٠٣:٣): كُلٌّ يَربِطُ صاحِبَه بِالحَقِّ وبِالصَّبرِ ويُربَطُ بِهِما. ومِثلُه ٩٠:١٧ بِالصَّبرِ والمَرحَمة. و﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ (٥١:٥٣) بَعدَ ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٥١:٥٢): قَولٌ واحِدٌ يَتَكَرَّرُ من كُلِّ قَومٍ لِكُلِّ رَسول، فتَسأَلُ الآيةُ هل رَبَطَ بَعضُهُم بَعضاً بِه، وتُجيب: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
- الوَصِيّة، وَصِيّة (الاسم، ٨): ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢:١٨٠): الرَّبطُ نَفسُه، يُكتَبُ عِندَ حُضورِ المَوت، واللّامُ تُسَمّي مَن يَعودُ إلَيه. و﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٥:١٠٦): يُشهَدُ على الرَّبطِ حينَ يُعقَد. و﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٢:٢٤٠): لِلامتِدادِ آخِرٌ مُسَمّى. ومِنه ٤:١١ و٤:١٢، وتُختَمُ ٤:١٢ بِـ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾.
- تَوصِية (مَصدَرُ فَعَّلَ، ١): ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣٦:٥٠): لا يَقدِرونَ أن يَربِطوا أحَداً بِشَيء، ولا أن يَرجِعوا إلى أهلِهِم.
- مُوصٍ (اسمُ فاعِلٍ من أَفعَلَ، ١): ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (٢:١٨٢): صاحِبُ الرَّبط، وقد يَأتي الجَنَفُ أو الإثمُ من جِهَتِه، فيُصلِحُ غَيرُه ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: وَصى الشَّيءَ بِالشَّيءِ: وَصَلَه، وأرضٌ واصيةٌ: مُتَّصِلةُ النَّبات. والوَصيّةُ ما يُعهَدُ بِه إلى غَيرِك.
- عِندَ جَبَل: لا قِراءةَ لَه لِلنَّواةِ وص ولا لِلجَذرِ وصي في المَلَفّات. وأقرَبُ ما عِندَه النَّواةُ صي (الحَرفانِ الثّاني والثّالِث)، يَقرَؤُها «الاتصال والحيازة». وحُروفُه: و «اشتمال واحتواء»، ص «نفاذ بغلظ وقوة وخلوص»، ي «اتصال الممتد شيئاً واحداً وعدم تفرقه». والصَّفحةُ تَتبَعُه في الاتِّصالِ لِلواوِ والحِيازةِ لِلصّاد، وتَقرَأُ النَّواةَ وص كَما في و-ع-د وو-ث-ق.
الصِّيَغ
- تَواصَوا (تَفاعَلَ، الماضي): كُلٌّ مِنهُم يَربِطُ صاحِبَه بِما يَتَواصَونَ بِه ويُمسِكُه بِه، ويُربَطُ بِه من صاحِبِه. والباءُ تُسَمّي ما يُربَطونَ بِه: «بِالْحَقِّ» و«بِالصَّبْرِ» (١٠٣:٣)، و«بِالْمَرْحَمَةِ» (٩٠:١٧). وتَسأَلُ ٥١:٥٣ بِالفِعلِ نَفسِه عن قَولٍ يَتَكَرَّرُ في الأقوام.
- التَّواصي (مَصدَرُ تَفاعَل): اسمٌ لِهذا الرَّبطِ من الطَّرَفَين، ويُذكَرُ في القُرآنِ بِفِعلِه وَحدَه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: وَصلٌ يَربِطُ الشَّيءَ بِغَيرِه فيُمسِكُه بِه إمساكاً صُلباً، ويَمتَدّ. وَزنُ التَّفاعُلِ يَجعَلُ الرَّبطَ من الطَّرَفَين: كُلٌّ يَربِطُ صاحِبَه ويُربَطُ بِه.
الفُروق المَعنويّة
wasiyya(الوَصيّة): من الجَذرِ نَفسِه. في الوَصيّةِ يُسَمّى مَن يَربِطُ ومَن يُربَط: إبراهيمُ وبَنوه (٢:١٣٢)، واللهُ والإنسان (٢٩:٨). وفي التَّواصي يَربِطُ كُلُّ واحِدٍ من الجَماعةِ صاحِبَه، والفاعِلُ الجَماعةُ كُلُّها: «الَّذِينَ آمَنُوا» (٩٠:١٧، ١٠٣:٣). انظُر الوَصِيَّة.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٩٠:١٧ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: أوَّلُ مَواضِعِ هذا القِسمِ في تَرتيبِ المُصحَف. يَرِدُ الفِعلُ مَرَّتَينِ في الآيةِ الواحِدة، ولِكُلِّ مَرّةٍ ما يُربَطونَ بِه: «بِالصَّبْرِ» ثُمَّ «بِالْمَرْحَمَةِ». ويَأتي بَعدَ «ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا»، فيُذكَرُ بَعدَ الإيمانِ وبَعدَ العَقَبةِ التي تُسَمّيها الآياتُ قَبلَه. انظُر الصَّبر والرَّحمة.
- ١٠٣:٣ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: الجَديدُ: التَّواصي هُنا مِمّا يُستَثنى بِه أصحابُه من خُسرٍ عامٍّ في الآيةِ قَبلَها، «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ» (١٠٣:٢). ويَتَقَدَّمُه الإيمانُ و«وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»، وكانَ في ٩٠:١٧ بَعدَ الإيمانِ وَحدَه. وما يُربَطونَ بِه أوَّلاً «بِالْحَقِّ» ثُمَّ «بِالصَّبْرِ»، وكانَ الصَّبرُ في ٩٠:١٧ أوَّلاً. انظُر الحَقّ.
التَّقاطُعات
haqq: «وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ»: الحَقُّ مِمّا يُربَطونَ بِه.sabr: الصَّبرُ مِمّا يُربَطونَ بِه في المَوضِعَينِ مَعاً.rahma: المَرحَمةُ مِمّا يُربَطونَ بِه في ٩٠:١٧.iman+salihat: ١٠٣:٣: التَّواصي يَأتي بَعدَهُما.wasiyya: الشَّقيقُ الذي يُسَمّي مَن يَربِطُ ومَن يُربَط.
الإشكالات المَفتوحة
- التَّواصي مَرَّتانِ في كُلِّ مَوضِعٍ مَنشور. في المَنشورِ زَوجان: الحَقُّ والصَّبرُ (١٠٣:٣)، والصَّبرُ والمَرحَمةُ (٩٠:١٧)، والصَّبرُ فيهِما مَعاً. وسَبَبُ تَكرارِ الفِعلِ يَبقى مَفتوحاً، والصَّفحةُ تَقِفُ عِندَ ما تَقولُه الآيَتان.
- مَوضِعٌ غَيرُ مَنشور. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ (٥١:٥٣) تُقرَأُ في القِسمِ الأوَّل.