البلد · الآية 17
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذينَ آمَنوا»: دُخولٌ في جَماعةٍ لا فِعلٌ مُفرَد
«ثُمَّ» هُنا لِلتَّراخي في الرُّتبةِ لا في الزَّمَنِ وَحدَه: بَعدَ اقتِحامِ العَقَبةِ وما فُصِّلَ فيها مِن فَكِّ الرِّقابِ والإطعامِ، يَأتي ما هو أَرفَعُ مَنزِلةً، وهو أن «يَكونَ مِنَ الَّذينَ آمَنوا». والصِّيغةُ لا تَقولُ «ثُمَّ آمَنَ» بل «كانَ مِنَ الَّذينَ آمَنوا»: نِسبةٌ إلى جَماعةٍ قائِمة، فالمَطلوبُ ليس فِعلاً يَنقَضي بل انتِماءٌ يَدومُ ويُحسَبُ به في عِدادِ قَومٍ مَوصوفين.
والجِذرُ ء-م-ن يَدورُ على الطُّمَأنينةِ التي يَأمَنُ بها القَلبُ فيَسكُن، والأمانةِ التي يوضَعُ فيها الشَّيءُ فلا يَضيع. فمَن آمَنَ فقد وَضَعَ ثِقَتَه حَيثُ تَستَقِرّ، وأَمِنَ مَوضِعَ التَّصديقِ فلا يَضطَرِب. ولذلك جاءَ هذا الوَصفُ تالِياً لِلاقتِحام: العَقَبةُ تُقتَحَمُ بِالعَمَلِ، والعَمَلُ يَثبُتُ على قَلبٍ آمِنٍ مُطمَئِنٍ مَنسوبٍ إلى مَن هُم على مِثلِ حالِه.
«وَتَواصَوا بِالصَّبر»: وَصِيّةٌ تَدورُ بَين القَومِ لا تَنزِلُ مِن فَوق
«تَواصَوا» مِن و-ص-ي على بِناءِ التَّفاعُل: كُلٌّ يوصي الآخَرَ ويُوصيه الآخَر، فالوَصِيّةُ تَدورُ بَينَهم دَوَراناً لا تَصدُرُ مِن واحِدٍ إلى مُتَلَقٍّ ساكِت. والوَصِيّةُ في الأصلِ وَصلُ القَولِ بِالعَمَلِ وعَقدُه عليه عَقداً يَلزَم، كأنَّ المُوصيَ يَصِلُ ما في صَدرِه بِصَدرِ أخيهِ فلا يَنفَصِم. فالجَماعةُ المُؤمِنةُ مَوصوفةٌ بِأنَّها تَتَعاهَدُ على الصَّبرِ تَعاهُداً مُتبادَلاً، يَشُدُّ بَعضُها بَعضاً.
والصَّبرُ مِن ص-ب-ر: حَبسُ النَّفسِ على ما يَثقُلُ وإمساكُها أن تَنفَلِت. ومُناسَبَتُه لِما قَبلَه ظاهِرة: العَقَبةُ المُقتَحَمةُ شاقّةٌ، وفَكُّ الرِّقابِ والإطعامُ في يَومِ مَسغَبةٍ يَستَدعي ثَباتاً لا يَنكَسِر. فالتَّواصي بِالصَّبرِ يَجعَلُ المَشَقّةَ مَحمولةً على أكتافٍ كَثيرة، إذ يُمسِكُ كُلُّ واحِدٍ أخاهُ أن يَهِنَ كما يُمسِكُ نَفسَه.
«وَتَواصَوا بِالمَرحَمة»: رِقّةٌ تُحاطُ بها الجَماعةُ كما يُحاطُ المَولود
تُكَرَّرُ «تَواصَوا» مَرّةً ثانِيةً، فيَدورُ العَهدُ بَينَهم على وَصفٍ آخَرَ هو «المَرحَمة». والتَّكرارُ ليس حَشواً: الصَّبرُ يَحبِسُ النَّفسَ على الثِّقَل، والمَرحَمةُ تُفيضُ على الغَيرِ رِقّةً ولِيناً، فالأوَّلُ إمساكٌ في الدّاخِلِ والثاني بَذلٌ نَحوَ الخارِج، ولا تَستَقيمُ الجَماعةُ بِأحَدِهما دونَ الآخَر.
والمَرحَمةُ مِن ر-ح-م: الجِذرُ نَفسُه يُسَمّي الرَّحِمَ، المَوضِعَ الذي يُحاطُ فيه الجَنينُ ويُحتَوى ويُغَذّى. فالمَرحَمةُ احتِواءٌ حَيٌّ يُحيطُ بِالضَّعيفِ ويَدفَعُ عنه، لا مُجَرَّدَ شُعورٍ يَمُرّ. وحينَ تَتَواصى الجَماعةُ بِالمَرحَمةِ فإنَّها تَجعَلُ مِن نَفسِها كالرَّحِمِ لِأهلِها: تَحوطُ الجائِعَ والأسيرَ واليَتيمَ الذينَ مَرَّ ذِكرُهم، فيَتَّصِلُ آخِرُ السورةِ بِأوَّلِ العَقَبةِ اتِّصالَ الثَّمَرةِ بِالجَهد.
حَصيلة
تَرفَعُ الآيةُ بَعدَ اقتِحامِ العَقَبةِ مَنزِلةً أعلى: أن «يَكونَ مِنَ الَّذينَ آمَنوا»، نِسبةً إلى جَماعةٍ لا فِعلاً مُنفَرِداً، والإيمانُ مِن ء-م-ن طُمَأنينةٌ يَسكُنُ بها القَلبُ ويَأمَن. ثُمَّ تُكَرِّرُ «تَواصَوا» مِن و-ص-ي على بِناءِ التَّفاعُل: عَهدٌ يَدورُ بَين القَومِ يَصِلُ القَولَ بِالعَمَل. أوَّلُه «بِالصَّبر» مِن ص-ب-ر، حَبسُ النَّفسِ على الثِّقَلِ فتُحمَلُ المَشَقّةُ على أكتافٍ كَثيرة. وثانيه «بِالمَرحَمة» مِن ر-ح-م، احتِواءٌ حَيٌّ يُحيطُ بِالضَّعيفِ كما تُحيطُ الرَّحِمُ بِما فيها. فالجَماعةُ تَستَقيمُ بِإمساكٍ في الدّاخِلِ وبَذلٍ نَحوَ الخارِج، ويَتَّصِلُ خِتامُ السورةِ بِفَكِّ الرِّقابِ والإطعامِ اتِّصالَ الثَّمَرةِ بِالجَهد.