العصر · الآية 3

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«إلّا»: أَداةُ الاستِثناءِ بَعدَ ثَلاثَةِ أَقفال

أَغلَقَتِ الآيةُ السابقةُ الحُكمَ بِأَدَواتِ التَّوكيدِ كُلِّها: «إنَّ»، وَ«اللام»، وَالاستِغراقِ في «الإنسان»، ثُمَّ تَأتي «إلّا» في أَوَّلِ هذه الآية، فَتَفتَحُ ثُغرَةً واحِدَةً في جِدارٍ مَحكَم، لا ثُغرَتَينِ وَلا ثَلاثاً، وهي ثُغرَةٌ واحِدةٌ يَخرُجُ مِنها مَن يَستَوفي شُروطاً مُحَدَّدَة.

وَ«الذينَ» في العربيّةِ اسمُ مَوصول، وعُدِلَ إلَيه عن «إلّا قَوماً آمَنوا» وعن «إلّا أُمَّةً»، وهو صِيغَةٌ يَدخُلُ فيها كُلُّ مَنِ استَوفى الصِّفات، مِن أَيِّ جِنسٍ أَو زَمَن. فالانتِماءُ بِالاسمِ لا يُنجي، والانتِماءُ بِالفِعلِ هُوَ الذي يُنجي، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، وَالدَّورُ يَسبِقُ الهُويّة.

الزَّوجُ الباطِن: الإيمانُ الذي يَخرُجُ في عَمَل

و«آمَنوا» مِن جذرِ (أ م ن)، وهو الجَذرُ الذي مِنه «الأَمن» وَ«الأَمانة» وَ«الإيمان»، والأَمنُ ضَمُّ الكائِنِ إلى مَركَزِه، حَيثُ يَستَقِرّ. و«آمَنَ» في الاستِعمالِ القُرآنيِّ إعطاءُ الأَمانَةِ لِما لا يُرى، لا لِما يُرى، ولا يَقِفُ عِندَ التَّصديقِ الذِّهنيِّ بِخَبَر، فالكائِنُ المُؤمِنُ يَنقُلُ مَركَزَ ثِقَلِه مِنَ المَحسوسِ إلى ما خَلفَه، وهذا فِعلٌ باطِنٌ بِامتيازٍ لا يَراه أَحَدٌ سِواه.

ثُمَّ يَأتي «عَمِلوا الصَّالِحات» بِصيغَةِ الجَمع: «الصَّالِحات»، دونَ «الصَّالِح» مُفرَداً، فالإيمانُ الواحِدُ في القَلبِ يَتَفَرَّعُ في الخارِجِ إلى أَعمالٍ كَثيرَة، لا إلى فِعلٍ واحِد. و«الصَّالِحات» مِن جذرِ (ص ل ح)، ومَعناه إعادَةُ الوَصلِ إلى الأَصلِ مَعَ التَّنقيَة، فَالعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الذي يُعيدُ الشَّيءَ إلى مَكانِه، ويَرأَبُ الصَّدع، ويُنَقّي الشّائِبة. وَإذا كانَ الإنسانُ في خُسر، وهو نُقصانٌ يَسري، فَالعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ عَكسُ الجريانِ نَفسِه: ما يَنزِفُه الزَّمَنُ يَرأَبُهُ العَمَل.

وَهَذانِ الفِعلانِ مَعاً يَتَكَرَّرانِ في القُرآنِ في صورةٍ واحِدَةٍ ثابِتَة: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وتَأتي في البَقَرَةِ مَرَّةً بَعدَ مَرّة: مَرَّةً في وَصفِ مَن يَدخُلُ الجَنّة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾، وَمَرَّةً في وَصفِ مَن يَنالُ الأَجرَ مِن أَهلِ الكتابِ السَّابقين مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وَمَرَّةً في وَصفِ مَن لا يَخافُ وَلا يَحزَن فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وكَأنَّ السورةَ الطَّويلَةَ كُلَّها تُكَرِّرُ ما تَنطِقُ بِه السورةُ القَصيرةُ مَرَّةً واحِدَة: الإنسانُ في خُسر، إلّا في حَلَقَةٍ يُعطي فيها الأَمانَةَ لِما لا يُرى، فَيَخرُجُ ذَلكَ في أَعمالٍ تَرأَب.

الزَّوجُ الاجتِماعيّ: الباطِنُ الذي لا يُجالِسُ غَيرَه يَنطَفِئ

وهُنا تَفصِلُ السورةُ ما يَخلِطُه كَثيرٌ مِنَ القارِئين، فلَو وَقَفَتِ الآيةُ عِندَ «وَعَمِلوا الصَّالِحات» لَكانَ المَطلوبُ مُكتَفياً بِالفَرد، لَكِنَّها تُضيفُ شَرطَينِ آخَرَين، كِلاهُما بِصيغَةِ «تَواصَوا»، وهي المُشارَكةُ المُتَبادَلة. والفِعلُ نَفسُه يَنفي الفَردَ المُنعَزِل، فالمَرءُ لا يَتَواصَى مَعَ نَفسِه، ولا يَتَواصَى وَهو وَحدَه في غُرفَة، والفِعلُ يَستَدعي طَرَفاً آخَرَ يُبادِلُه ذاتَ الفِعل.

وَالشَّرطُ الثالِث: «تَواصَوا بِالحَقّ». والحَقُّ في جذرِه (ح ق ق) هُوَ الخالِصُ العَميقُ القَوِيُّ، ما لا شائِبَةَ فيه، وَالتَّواصي بِه أَن يَحمِلَه القَومُ بَينَهم، فيَتَناقَلونَ القَولَ الذي لا تَشوبُه شائِبَة، ويُنَبِّهُ بَعضُهم بَعضاً إلَيه، ويَدفَعونَه إلى مَن يَنساه، ويَستَقبِلونَه مِمَّن يَذكُرُهم بِه. والحَقُّ لا يَبقى في صَدرٍ واحِدٍ بِلا اسْتِنزافٍ بَطيء، ويَحتاجُ مَن يَرفَعُه فَوقَ السَّطحِ بَينَ الحينِ وَالحين، وتِلكَ وَظيفَةُ الجَماعَة.

وَالشَّرطُ الرَّابِع: «تَواصَوا بِالصَّبر». وَالصَّبرُ في جذرِه (ص ب ر) قُوَّةٌ بارِزَةٌ تَمتَدُّ ولا تَنقَطِعُ مَعَ طولِ الزَّمَن، ولِأَنَّ الزَّمَنَ هو الذي أُقسِمَ بِه شاهِداً (العَصر) كانَ الصَّبرُ المُقابِلَ المُباشِرَ لِفِعلِه: العَصرُ يَعصِر، وَالصَّبرُ يُمسِكُ تَحتَ ضَغطِ العَصرِ فَلا يَتَفَكَّك. فالصَّبرُ ضِدُّ الخُسرِ في وَجهِه الزَّمَنيّ، إذ الخُسرُ تَناقُصٌ مُتَواصِل، وَالصَّبرُ ثَباتٌ مُتَواصِل، والفَردُ لا يَحمِلُه وَحدَه طَويلاً، ولِذَلكَ صارَ التَّواصي بِه شَرطاً.

وَفي البَقَرَةِ صَدى هذا الشَّرطِ مُباشَرَةً: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. وكانَتِ الفاتحةُ قَد قالَت «إيّاكَ نَستَعين»، وَالبَقَرَةُ تَدُلُّ على البابَين اللَّذَين يَدخُلُ مِنهُما العَون: صَبرٌ يُمسِكُ القَلبَ تَحتَ الضَّغط، وَصَلاةٌ تُجَدِّدُ الصِّلة. وَالعَصرُ تَجمَعُ الاثنَين في صورةٍ واحِدَة، هي التَّواصي بِالصَّبر، حَيثُ يُمسِكُ القَلبُ بِمَعونَةِ الجَماعَة، ولا صَبرَ لِمَن لَم يَذكُره أَحَدٌ بِه، ثُمَّ نَسي.

السُّلَّمُ الأَربَعِيّ: لِمَ هذا التَّرتيب بِالضَّبط

وليسَ التَّرتيبُ مَجَّانِيّاً: فالإيمانُ أَوَّلاً، لِأَنَّه المَركَز، ثُمَّ العَمَلُ الصَّالِح، لِأَنَّ الإيمانَ الذي لا يَخرُجُ في فِعلٍ يَنكَمِشُ ثُمَّ يَختَفي، ثُمَّ التَّواصي بِالحَقّ، لِأَنَّ العَمَلَ الفَرديَّ يَفقِدُ بَوصَلَتَه إنْ لَم يُذَكِّره أَحَدٌ بِالخالِصِ القَويم، ثُمَّ التَّواصي بِالصَّبر، لِأَنَّ القَومَ الذين يَتَناصَحونَ بِالحَقِّ يَحتاجونَ إلى مَن يُعينُهم على البَقاءِ في النَّصيحَةِ ذاتِها تَحتَ ضَغطِ الزَّمَن. وكُلُّ شَرطٍ يَحفَظُ ما قَبلَه: العَمَلُ يَحفَظُ الإيمان، وَالحَقُّ يَحفَظُ العَمَل، وَالصَّبرُ يَحفَظُ الحَقّ.

وَلَو حُذِفَ شَرطٌ واحِدٌ لانفَتَحَ ثَقبٌ يَستَنزِفُ ما قَبلَه: فالإيمانُ بِلا عَمَلٍ يَنطَفِئ، والعَمَلُ بِلا تَواصٍ بِالحَقِّ يَنحَرِف، والتَّواصي بِالحَقِّ بِلا صَبرٍ يَنكَسِرُ تَحتَ الزَّمَن. والسورةُ تَسُدُّ الثُّقوبَ الأَربَعَة، وقد اكتَمَلَ مِنطَقُ النَّجاةِ في ثَلاثِ آياتٍ، لا تُغادِرُ ثُغرَة.

«تَفاعَل»: لِمَ المَلِكَةُ الجَماعِيّةُ هي التي تُنجي

وَوَزنُ «تَفاعَلَ» في العربيّةِ يُفيدُ التَّبادُل: «تَقاتَل القَومُ» أي قاتَلَ بَعضُهم بَعضاً، و«تَنازَل الخَصمان» أي تَنازَلَ كُلٌّ مِنهُما لِلآخَر، وَ«تَواصَوا» على الوَزنِ نَفسِه: أَوصى بَعضُهم بَعضاً. وهذا الوَزنُ بِالذّاتِ هُوَ الذي يَفصِلُ هذه الآيةَ عَمّا يُمكِنُ أَن يُتَوَهَّمَ مِنها، فقد أوثِرَ «تَواصَوا» على «وَأَوصَوا بِالحَقّ» (مِن طَرَفٍ واحِد، كَأنَّ المُؤمِنينَ مَسؤولونَ عَن إيصالِ الحَقِّ إلى مَن لا يَعرِفُه فَقَط)، فالمُؤمِنُ نَفسُه يَحتاجُ مَن يُوصيه، ولا يَكفي أَن يَكونَ صاحِبَ رِسالَةٍ يَنفُذُها إلى الناس، وهُوَ نَفسُه في الزَّمَن، وَهُوَ نَفسُه يُعصَر، وَهُوَ نَفسُه يَحتاجُ مَن يُذَكِّرُه قَبلَ أَن يَنسى.

وكَأنَّ السورةَ تَنفي أن يَكونَ الإيمانُ مَنصِباً يَحتَلُّه صاحِبُه فَيَأمَنُ فيه، فالإيمانُ حَلَقَةٌ يَدخُلُها المَرءُ لِيَستَلِمَ مِن غَيرِه ما يَنساه هو، وَلِيُسَلِّمَ إلى غَيرِه ما يَنساه ذاك. ولا أَحَدَ يَخرُجُ مِنَ العَصرِ سالِماً وَهُوَ وَحدَه، وَالذينَ يَخرُجونَ يَخرُجونَ مَعاً.

وثَلاثُ آياتٍ تَكفي لِأَنَّها لا تَترُكُ ثُغرَةً غَيرَ مُغلَقَة: تَستَدعي الزَّمَنَ شاهِداً، وتَنطِقُ بِالحُكم، ثُمَّ تَفتَحُ بابَ النَّجاةِ في أَربَعَةِ أَفعالٍ مُتَّصِلَة، فمَنِ استَوفاها خَرَج، وَمَن نَقَصَه واحِدٌ مِنها بَقي في المِعصَرة.


حَصيلة

«إلّا» تَفتَحُ ثُغرَةً واحِدَةً في جِدارٍ مُحكَم، وَما يَلِيها أَربَعَةُ أَفعالٍ مُتَتالِيَةٌ مُرَتَّبَةٌ زَوجَين: الأَوَّلانِ باطِنان، إيمانٌ ثُمَّ عَمَلٌ يَتَفَرَّعُ مِنه، وَالأَخيرانِ اجتِماعيّان، تَواصٍ بِالحَقِّ ثُمَّ تَواصٍ بِالصَّبر. والباطِنُ يَنبَغي أَن يَخرُجَ، وإلّا فهو ناقِص.

وجِذرُ (أ-م-ن) يَدورُ على ضَمِّ الكائِنِ إلى مَركَزِه حَيثُ يَستَقِرّ، و«آمَنوا» نَقلٌ لِمَركَزِ الثِّقَلِ مِنَ المَحسوسِ إلى ما خَلفَه، وليسَ تَصديقاً ذِهنيّاً. ثُمَّ «عَمِلوا الصَّالِحات»، وجِذرُ (ص-ل-ح) يَدورُ على إعادَةِ الوَصلِ إلى الأَصلِ مَعَ التَّنقيَة، فما يَنزِفُه الزَّمَنُ يَرأَبُه العَمَل. وَجاءَ «الصَّالِحات» جَمعاً: الإيمانُ الواحِدُ يَتَفَرَّعُ في الخارِجِ إلى أَعمالٍ كَثيرَة.

وَ«تَواصَوا» مِن جِذرِ (و-ص-ي) على وَزنِ تَفاعَل، وهو لِلمُشارَكَةِ المُتَبادَلَة، فكُلٌّ يُوصي وَكُلٌّ يُوصى في حَلَقَةٍ مُتَّصِلَة، ولا يَقِفُ المَعنى عِندَ «أَوصى» وَحدَه. وحَملُ الحَقِّ في الصَّدرِ لا يَكفي، والصَّلاحُ المُنعَزِلُ لا يَكفي، فالإنسانُ في خُسر، وَالخُسرُ لا يُكسَرُ بِفَردٍ وَحدَه. وَهذا الزَّوجُ الاجتِماعيُّ هو ما يَذكُرُه القُرآنُ في المائِدةِ بِصيغةٍ أُخرى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، فالتَّعاوُنُ هُناكَ هو التَّواصي هُنا، وَالبِرُّ وَالتَّقوى هُناكَ هُما الحَقُّ وَالصَّبرُ هُنا.