الهاوية
الهاوِيةُ من ه-و-ي، والجَذرُ خَلاءٌ مَفتوحٌ يُفضي بِالشَّيءِ إلى ما يَليه، ويَمتَدُّ. والهاوِيةُ (فاعِلة) اسمٌ لِهذا الخَلاءِ نَفسِه، يُفضي بِمَن تُسَمّيه ١٠١:٨: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، وتُسَمّيه ١٠١:١١ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. و«هَوى» فِعلُه: يُفضي الخَلاءُ بِصاحِبِه (٢٠:٨١، ٥٣:١)، و«الهَواء» الخَلاءُ وَحدَه (١٤:٤٣).
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والعَينُ واللّامُ حَرفا عِلّة:
- ه: فَراغٌ أو إفراغُ ما في الجَوف. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: المَجرى يَنفَتِحُ خالِياً لا يَنطَبِقُ فيه شَيء، وهو خَلاءٌ مَفتوح. وهذا وَجهُ «الفَراغِ والخَلاءِ (انفِتاحِ المَجرى خالِياً بِلا انطِباق)».
- و: اشتِمالٌ يَصِل. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: الحَلقةُ تَنفَرِجُ فتُفضي بِما فيها إلى ما يَليه، وهو إفضاء. وهذا وَجهُ «الانفِراجِ والإفضاء».
- ي: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يَسري. ويَظهَرُ مِنه هُنا امتِدادُه: يَمُدُّ ما قَبلَه، وهو امتِداد. وهذا وَجهُ «الامتِدادِ والسَّرَيان».
عَينُ الجَذرِ ولامُه حَرفا عِلّة، فتَبقى النَّواةُ بِالواو، والواوُ فيها حَرفٌ من النَّواةِ يُرَكَّبُ وَجهُه. النَّواةُ هو (ه + و) = خَلاءٌ مَفتوحٌ يُفضي بِالشَّيءِ إلى ما يَليه. والياءُ لامُ الجَذر، حَرفُ عِلّةٍ في آخِرِه يَمُدُّ هذا الإفضاء، ولا تَقومُ عَلَيه النَّواة. فالجَذرُ ه-و-ي حرفيّاً: خَلاءٌ مَفتوحٌ يُفضي بِالشَّيءِ إلى ما يَليه، ويَمتَدُّ.
فالشَّيءُ يَهوي حينَ يَكونُ في خَلاءٍ مَفتوحٍ لا يَنطَبِقُ فيه عَلَيه شَيء، فيُفضي بِه الخَلاءُ إلى ما يَليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (٥٣:١). والحَرفُ بَعدَ الفِعلِ يُسَمّي ما يُفضي إلَيه: «إلى» في ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (١٤:٣٧)، و«في» في ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢٢:٣١). والجِهةُ تُسَمّيها الآياتُ بِألفاظِها، ولا يُعطيها الجَذر: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٢٢:٣١). والهَوى هذا الخَلاءُ في النَّفس، تُفضي فيه إلى ما يَليها، والآياتُ تُقابِلُه بِالعِلمِ والهُدى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢:١٢٠)، و﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (٢٨:٥٠).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ ثَمانيةً وثَلاثينَ مَرّةً (٣٨) في سَبعٍ وثَلاثينَ آيةً، بِتِسعِ صِيَغ. ومِنها ثَماني مَرّاتٍ في ثَماني آياتٍ من السُّوَرِ المَنشورة، تُقرَأُ في القِسمِ الرّابِعِ من الصَّفحَتَين. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- الهَوى (١٠، ومِنه هَواه): خَلاءٌ في النَّفسِ تُفضي فيه إلى ما يَليها، والآيةُ تُسَمّي ما أفضى إلَيه صاحِبُه: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٧:١٧٦). ويُتَّخَذُ إلٰهاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ (٤٥:٢٣، ومِثلُها ٢٥:٤٣)، وتُسَمّي ٤٥:٢٣ ما يَتلوه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾. ويُنفى أن يَصدُرَ عَنه النُّطق: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (٥٣:٣)، والآيةُ بَعدَها تُسَمّي ما يَصدُرُ عَنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. وتُصرَفُ النَّفسُ عَنه فيُسَمّى ما تُفضي إلَيه غَيرَه: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (٧٩:٤٠)، ثُمَّ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (٧٩:٤١). ويُنهى عن اتِّباعِه في ٤:١٣٥ و٣٨:٢٦، ويُذكَرُ مُتَّبِعوه في ١٨:٢٨ و٢٠:١٦ و٢٨:٥٠.
- أَهواء (١٧، ومِنه أهواءَهُم وأهواءَكُم وبِأهوائِهِم): جَمعُه، مُضافاً في كُلِّ مَواضِعِه إلى أصحابِه، فلِكُلِّ قَومٍ خَلاؤُهُم. يُقابَلُ بِعِلمٍ جاءَ (٢:١٢٠، ٢:١٤٥، ١٣:٣٧)، وبِالحَقّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٥:٤٨)، ويُتَّبَعُ بِلا عِلم: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣٠:٢٩، ومِثلُها ٦:١١٩). ولو اتَّبَعَه الحَقّ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢٣:٧١). وسائِرُ مَواضِعِه نَهيٌ عن اتِّباعِه أو خَبَرٌ عَنه: ٥:٤٩، ٥:٧٧، ٦:٥٦، ٦:١٥٠، ٢٨:٥٠، ٤٢:١٥، ٤٥:١٨، ٤٧:١٤، ٤٧:١٦، ٥٤:٣.
- تَهوى (٣، من هَوِيَ يَهوى): الأنفُسُ تُفضي إلى الشَّيء، والآيةُ تُسَمّي ما لا تُفضي إلَيه: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ﴾ (٥:٧٠، ومِثلُها ٢:٨٧)، وما تُفضي إلَيه: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ (٥٣:٢٣)، ثُمَّ ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾.
- هَوى (٢، فَعَلَ): (٥٣:١ المَذكورةُ آنِفاً): النَّجمُ في الخَلاءِ يُفضي إلى ما يَليه. و﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾ (٢٠:٨١): مَن حَلَّ عَلَيه الغَضَبُ أفضى بِه الخَلاء، والآيةُ لا تُسَمّي مُنتَهاه.
- تَهوي (٢، يَفعِلُ): بِـ«إلى» تُسَمّي الآيةُ ما تُفضي إلَيه الأفئِدة (١٤:٣٧ المَذكورةُ آنِفاً)، وبِالباءِ تُفضي الرّيحُ بِالخارِّ «فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ» (٢٢:٣١ المَذكورةُ آنِفاً).
- أَهوى (١، أَفعَلَ): ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ﴾ (٥٣:٥٣): الفاعِلُ يُفضي بِها في الخَلاء، والآيةُ بَعدَها تُسَمّي ما تَلاه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ﴾.
- استَهوى (١، استَفعَلَ): ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ (٦:٧١): الشَّياطينُ تَجعَلُه في خَلاءٍ يُفضي بِه، و«فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ» تُسَمّي أينَ صار. والآيةُ تُقابِلُه بِمَن يَدعونَه: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾.
- هاوِية (١، فاعِلة): ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (١٠١:٩): اسمٌ لِلخَلاءِ نَفسِه، يُفضي بِمَن تُسَمّيه الآيةُ قَبلَها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. وتُسَمّي ١٠١:١١ ما هو: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.
- هَواء (١، فَعال): ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (١٤:٤٣): الأفئِدةُ خَلاءٌ مَفتوحٌ لا شَيءَ فيه، وقَبلَه في الآية: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾. هُنا يَظهَرُ الخَلاءُ وَحدَه، ولا تُسَمّي الآيةُ ما يُفضي إلَيه.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: هَوى يَهوي هُوِيّاً سَقَطَ من عُلوٍ إلى سُفل، وهَوِيَ يَهوى هَوىً أحَبَّ واشتَهى، والهَوى مَيلُ النَّفسِ إلى ما تَشتَهيه، والهَواءُ ما بَينَ السَّماءِ والأرض، وكُلُّ فارِغٍ هَواء، والهاوِيةُ الهُوّةُ لا يُدرَكُ قَعرُها.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ هه، وإلَيها يَرُدُّ السِّجِلُّ هوى وهوو بِقاعِدةِ الجَذرِ الأجوَف: «الفَراغُ وما يَتَوَلَّدُ عَنه من امتِدادٍ أو ضَعفٍ أو استِعداد».
الصِّيَغ
- هَوى (فَعَلَ، ماضٍ): يُفضي الخَلاءُ بِصاحِبِه: بِمَن حَلَّ عَلَيه الغَضَبُ (٢٠:٨١)، وبِالنَّجمِ (٥٣:١). ومُضارِعُه «تَهوي» (١٤:٣٧، ٢٢:٣١)، و«أَهوى» (٥٣:٥٣) يُفضي فيه الفاعِلُ بِغَيرِه.
- الهاوِية (فاعِلة): اسمٌ لِلخَلاءِ الذي يُفضي بِمَن فيه (١٠١:٩).
- الهَواء (فَعال): الخَلاءُ المَفتوحُ وَحدَه، لا شَيءَ فيه (١٤:٤٣).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: خَلاءٌ مَفتوحٌ يُفضي بِالشَّيءِ إلى ما يَليه، ويَمتَدُّ. الوَزنُ يُحَدِّدُ: فِعلاً يُفضي فيه الخَلاءُ بِصاحِبِه (هَوى)، أو اسماً لِلخَلاءِ الذي يُفضي (هاوِية)، أو الخَلاءَ وَحدَه (هَواء).
الفُروق المَعنويّة
hawa(الهَوى): الجَذرُ واحِدٌ وجُملتُه واحِدة. هذه الصَّفحةُ تَقرَأُ الخَلاءَ يُفضي بِمَن فيه، نَجماً أو خارّاً من السَّماءِ أو مَن حَلَّ عَلَيه الغَضَب (هَوى، تَهوي، أهوى، الهاوِية، الهَواء)، وhawaتَقرَأُ الخَلاءَ في النَّفس (الهَوى، الأهواء، تَهوى). ويَلتَقي البابانِ في ٧:١٧٦: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. انظُر الهَوى.ghadab(الغَضَب): في ٢٠:٨١ يَتلو الهُوِيُّ حُلولَ الغَضَب، والآيةُ نَفسُها تَجعَلُ حُلولَه جَوابَ الطُّغيانِ في الرِّزق: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. انظُر الغَضَب والطُّغيان.khaffatوmawazin: في ١٠١:٨-٩ تُسَمّي الآيةُ مَن تُفضي بِه الهاوِيةُ بِخِفّةِ مَوازينِه. انظُر الخِفَّة والمَوازين.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢٠:٨١ ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ فِعلاً ماضِياً بَعدَ «قَد»: مَن حَلَّ عَلَيه الغَضَبُ أفضى بِه الخَلاء، والآيةُ لا تُسَمّي ما أفضى إلَيه. وصَدرُها إذنٌ ونَهي: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، وحُلولُ الغَضَبِ جَوابُ الطُّغيانِ فيه. انظُر الغَضَب والطُّغيان.
- ١٠١:٩ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ الجَذرُ اسماً لِلخَلاءِ نَفسِه، وكانَ في ٢٠:٨١ فِعلاً لا يُسَمّى مُنتَهاه. ومَن يُفضي بِه هذا الخَلاءُ تُسَمّيه الآيةُ قَبلَها (١٠١:٨) بِخِفّةِ مَوازينِه، والآيةُ تُضيفُ الهاوِيةَ إلَيه بِلَفظِ «أُمّ». انظُر الخِفَّة.
- ١٠١:١٠ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾: الجَديدُ: لا لَفظَ لِلجَذرِ في الآية. يُسأَلُ فيها عن الهاوِيةِ نَفسِها، فيَبقى ما هيَ بِلا اسمٍ آيةً واحِدة، كَما سُئِلَ عن القارِعةِ في ١٠١:٣. انظُر القارِعة.
- ١٠١:١١ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: الجَديدُ: يُجابُ السُّؤال، فيُسَمّى الخَلاءُ الذي يُفضي بِصاحِبِه: نار، وتوصَفُ بِأنَّها حامِية. انظُر النّار.
التَّقاطُعات
nar: في ١٠١:١١ تُسَمّى الهاوِيةُ نارًا حامِيَة.hutama: الحُطَمةُ تُسَمّى ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (١٠٤:٦)، كَما تُسَمّى الهاوِيةُ نارًا في ١٠١:١١.khaffat: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ثُمَّ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.jahim: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (١٠٢:٦)، في السّورةِ التي تَلي.
الإشكالات المَفتوحة
- الهَواءُ في ١٤:٤٣ يُظهِرُ الخَلاءَ وَحدَه، ولا تُسَمّي الآيةُ ما يُفضي إلَيه.
- الجِهة. السُّقوطُ من عُلوٍ إلى سُفلٍ لا يُعطيه وَجه؛ تُسَمّيه الآياتُ بِألفاظِها (﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٢٢:٣١) ويَذكُرُه المُعجَم.