القارعة · الآية 9

﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ

«أُمُّه»: المَأوى الذي يَستَقبِل

ومَدارُ أ-م-م في العَرَبيَّةِ على التَّجَمُّعِ والمَركَزيَّة، والأُمُّ مَصدَرُ التَّجَمُّعِ الأَوَّل، تَتَفَرَّعُ منها الأَطفالُ ثمّ تَعودُ إليها. ومن الجَذرِ نَفسِه «الأُمَّة»، وهي جَماعَةٌ تَتَجَمَّعُ حَولَ مَركَزٍ مُشتَرَك، و«أُمُّ القُرى»، وهي المَدينَةُ التي تَتَفَرَّعُ منها الحَواضِر، و«أُمُّ الكِتاب»، وهو الأَصلُ الذي تَنتَسِبُ إليه الفُروع.

والأُمُّ في كَلامِ العَرَب مَوضِعُ الرُّجوع، ولا تَقِفُ عِندَ مَعنى الوِلادَة، فالذي يُريدُ راحَةً يَعودُ إليها، والذي يَفِرُّ مِن خَطَرٍ يَستَنجِدُ بها، والذي يُضنِيهِ السَّفَرُ يَأوي إليها في النِّهايَة، فهي مَوضِعُ التَّلَقّي والرُّجوعِ مَعاً.

«هاويَة»: المَأوى الذي يَفلِت

ومَدارُ ه-و-ي على مَعنى السُّقوطِ من عُلوٍّ إلى سُفل. تَقولُ العَرَبُ: «هَوى» إذا سَقَطَ، و«هَوى الجَبَلَ» إذا انحَدَرَ منه، و«الهاويَة» المَكانُ الذي يَهوي إليه الساقِط. ولِلهاويَةِ في العَرَبيَّةِ صورَةٌ مَخصوصَة، فهي لا تَنتَهي، والسُّقوطُ فيها لا يَلقى قَراراً.

ويَستَخدِمُ الكتابُ الجَذرَ نَفسَه في وَصفِ القَلبِ المُعَلَّقِ بالباطِل: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، فالأَفئِدَةُ هَواءٌ، أي خاويَةٌ تَهوي. واللُّغةُ تَلتَقِطُ الصِّلَةَ بَين الهَواءِ والهَوى والهاويَة، فما لَيسَ فيه ما يُمسِكُه يَهوي.

فالذي خَفَّت مَوازينُه في الآيَةِ السابِقَة يَستَقبِلُه ما يُلائِمُ خِفَّتَه، وهو مَوضِعٌ لا قَرارَ له، والخِفَّةُ في الميزانِ تَستَدعي السُّقوطَ في الهاويَة. والمَنطِقُ في ذلك بَيِّن، فما لَم يَستَقِرَّ في كَفَّةِ الميزانِ بثِقَلٍ لا يَستَقِرُّ في النِّهايَةِ في قَرار.

«أُمُّه هاويَة»: الجَمعُ بَينَ كَلِمَتَين لا تَجتَمِعان

والكَلِمَتانِ تَتَنافَيان في كلِّ شَيء: الأُمُّ تَستَقبِلُ والهاويَةُ تُسقِط، والأُمُّ تَحضُنُ والهاويَةُ تَفتَحُ فَمَها فيَنزَلِقُ السّاقِط، والأُمُّ تُدفِئُ والهاويَةُ تُحرِق، والأُمُّ تُنيمُ والهاويَةُ تُلقي. ومَع هذا جَمَعَهما الكتابُ في قَولِه: «فأُمُّه هاويَة».

والجَمعُ مَقصودٌ بِكُلِّ حِدَّتِه. والإنسانُ الذي خَفَّ ميزانُه قَضى عُمرَه يَبحَثُ عَن مَأوىً يَختارُه بنَفسِه، فيَشتَري ما يُسَكِّنُه، ويَحوكُ صُحبَةً تُؤنِسُه، ويَبني بَيتاً يَحميه، ثمّ يَتَحَوَّلُ كلُّ ما اختارَه في يَومِ القارِعَةِ إلى صورَةٍ واحِدَة: أُمٌّ هي هاويَة، فقد اختارَ مَأوىً يَفلِت، فاستَقبَلَه مَأوىً يَفلِت.

والجَمعُ بَين «أُمّ» و«هاويَة» لَحظَةٌ تَلتَقي فيها كلُّ التَّناقُضاتِ التي حاوَلَ الإنسانُ في الدُّنيا أن يَفصِلَ بَينَها، مِنَ الحُضنِ والسُّقوطِ والمَأوى والفَلَتان، مَجموعَةً في كَلِمَتَين.


حَصيلة

«فأُمُّه هاويَة» كَلِمَتانِ تَقَعانِ على الأُذُنِ كَنَعيٍ يَرتَجِف، يَأتي بِهِما الجَوابُ عَن مَصيرِ مَن خَفَّت مَوازينُه في صورَةٍ لا تَخطُرُ بِالبال. والفاءُ فيهما لِلتَّفريعِ المُباشِر، فخِفَّةُ المَوازينِ تَستَوجِبُ هذا المَصير.

وَمَدارُ (أ-م-م) على التَّجَمُّعِ وَالمَركَزيَّة، وَالأُمُّ مَوضِعُ الرُّجوعِ الأَوَّل، تَستَقبِلُ بَعدَ التَّعَب، وتَحضُنُ بَعدَ الخُروج، وتُنيمُ بَعدَ الحَرَكَة. وَجِذرُ (ه-و-ي) يَدورُ على السُّقوطِ مِن عُلوٍّ إلى سُفلٍ لا قَرارَ لَه، و«الهاويَة» مَوضِعٌ يَهوي إلَيه السّاقِطُ وَلا يَستَقِرّ. وَقد جَمَعَ الكتابُ الكَلِمَتَين بِكُلِّ حِدَّةِ التَّناقُض، ولو قِيلَ «مَأواه هاويَة» أو «مُستَقَرُّه هاويَة» لَكانَ مَفهوماً، غَيرَ أنَّ «أُمُّه» تَستَوقِفُ القارِئ.

وَيَستَخدِمُ الكتابُ هذا الجَذرَ (ه-و-ي) في وَصفِ القَلبِ الخاوي: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، أَي خاويَةٌ تَهوي، والهَواءُ وَالهَوى وَالهاويَةُ مِن جِذرٍ واحِد، فما لَيسَ فيه ما يُمسِكُه يَهوي. والذي خَفَّت مَوازينُه لِأَنَّ قَلبَه كانَ هَواءً يَستَقبِلُه ما يُلائِمُ هذه الخِفَّة، أي مَأوىً لا قَرارَ لَه، فقد اختارَ مَأوىً يَفلِتُ في الدُّنيا، فاستَقبَلَه مَأوىً يَفلِتُ في الآخِرَة.