طه · الآية 81
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ»: إذنٌ يَدخُلُ عَلَيه حَرفُ تَبعيض
أمرٌ بِالأكلِ لا نَهيٌ عنه. والحَرفُ «مِن» لا «كُلوا طَيِّباتِ»، فالإذنُ في بَعضٍ لا في جُملة.
و«الطَّيِّب» من ط-ي-ب انبِساطٌ يَسري بِلِينٍ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِصاحِبِه. فهو ما يَنتَشِرُ هادِئاً ويَعلَقُ بِمَن أخَذَه بِلا أذى.
و«رَزَقْنَاكُمْ» تُبقي نونَ الجَماعةِ التي كانَت في الآيةِ قَبلَها. الصَّوتُ نَفسُه لَم يَنقَطِع: أنجى وواعَدَ ونَزَّلَ ورَزَق.
والرِّزقُ من ر-ز-ق جَريانٌ نافِذٌ يُقطَعُ عِندَ حَدٍّ مُحكَم. فهو مَجرىً لَه حَدٌّ لا كَومةٌ بِلا نِهاية.
«وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ»: النَّهيُ يَقَعُ داخِلَ المَأذونِ فيه
لَم يُقَل «ولا تَطغَوا» مُطلَقاً، ولا «ولا تَطغَوا عَلَيه». قيلَ «فِيهِ»، والهاءُ تَعودُ إلى ما رُزِقوه.
فالمَنهِيُّ عنه واقِعٌ في جَوفِ المَأذون. أُذِنَ في الشَّيءِ ونُهِيَ عن مُجاوَزةِ الحَدِّ وأنتَ فيه. حَرفٌ واحِدٌ يَضَعُ المُخالَفةَ في داخِلِ الرُّخصةِ لا خارِجَها.
والطُّغيانُ من ط-غ-ي انبِساطٌ ثَقيلٌ يَنفُذُ من غَورٍ ثُمَّ يَسري. فهو عُلُوُّ الشَّيءِ فَوقَ حَدِّه حَتّى يُغَطِّيَ ما كانَ ظاهِراً.
«فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي»: حَرفٌ يَتَكَرَّرُ من آيةٍ إلى آية
الفاءُ سَبَبِيَّةٌ نَصَبَتِ الفِعل. فما بَعدَها مُعَلَّقٌ بِما قَبلَها تَعَلُّقَ المُسَبَّبِ بِسَبَبِه.
والحُلولُ من ح-ل-ل نُفوذٌ يَخلُصُ إلى مَوضِعٍ فيَتَعَلَّقُ بِه ويَحوزُه. فالغَضَبُ يَنزِلُ فيُقيمُ حَيثُ نَزَل.
وقيلَ في الآيةِ قَبلَها نَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ ويُقالُ هُنا «يَحِلَّ عَلَيْكُمْ». حَرفٌ واحِدٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين: نازِلٌ عَلَيهِم ونازِلٌ عَلَيهِم. تَغَيَّرَ ما يَنزِلُ ولَم تَتَغَيَّرِ الجِهة.
والغَضَبُ من غ-ض-ب كَثافةٌ تَحتَبِسُ في الغَورِ مَضغوطةً ثُمَّ تَنفَتِحُ خارِجة. وأُضيفَ إلى ياءِ المُتَكَلِّم: «غَضَبِي»، لا غَضَبٌ يُخبَرُ عنه من بَعيد.
«وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي»: الكَلِمةُ نَفسُها تُكتَبُ مَبسوطةً بَعدَ أن كُتِبَت مُدغَمة
الفِعلُ الأوَّلُ مَنصوبٌ فأُدغِمَ: «يَحِلَّ». والثّاني مَجزومٌ فانفَكَّ الإدغام: «يَحْلِلْ». لامانِ ظاهِرَتانِ بَعدَ لامٍ واحِدةٍ مُشَدَّدة.
وهذا فَرقٌ في الخَطِّ يَتبَعُ فَرقاً في المَوقِع. الأوَّلُ جَوابٌ لِنَهيٍ بِعَينِه، والثّاني شَرطٌ عامٌّ يُستَأنَف.
وتَغَيَّرَ الضَّميرُ مَعَه: «عَلَيْكُمْ» أوَّلاً ثُمَّ «عَلَيْهِ». خَرَجَتِ القاعِدةُ من الخِطابِ إلى الغَيبة، فصارَت تُقالُ عن كُلِّ أحَدٍ بَعدَ أن قيلَت لِهَؤُلاء.
و«غَضَبِي» تُعادُ بِلَفظِها ولا تُختَصَرُ بِضَمير. كانَ يَستَقيمُ أن يُقالَ «وَمَن يَحلِلْ عَلَيه» فَحَسب. أُعيدَتِ الكَلِمةُ لِتَقومَ الجُملةُ الثّانِيَةُ بِنَفسِها.
«فَقَدْ هَوَىٰ»: ماضٍ يُجابُ بِه شَرطٌ لَم يَقَع
الشَّرطُ مُضارِعٌ والجَوابُ ماضٍ داخِلٌ عَلَيه «قَدْ». فالوُقوعُ يُخبَرُ عنه كَأنَّه تَمَّ قَبلَ أن يَبتَدِئ.
والهُوِيُّ من ه-و-ي خَلاءٌ يَنفَرِجُ ويُفضي ثُمَّ يَمتَدُّ بِلا قَرار. ومنه «الهَواء» لِلفَراغِ الذي لا يُمسِكُ شَيئاً.
فلَم يُقَل «فقَد هَلَك» ولا «فقَد خَسِر»، بَل فِعلٌ يُصَوِّرُ سُقوطاً في ما لا يُمسِك. والجُملةُ كُلُّها بَدَأَت بِإذنٍ في طَيِّبٍ وانتَهَت بِسُقوطٍ في خَلاء، وبَينَهُما حَرفُ ظَرفٍ واحِدٌ هو «فِيهِ».
حَصيلة
الأمرُ أمرُ أكلٍ لا نَهيٌ عنه، ودَخَلَ عَلَيه حَرفُ التَّبعيضِ فصارَ الإذنُ في بَعضٍ لا في جُملة، و«الطَّيِّب» من ط-ي-ب ما يَسري بِلِينٍ ويَعلَقُ بِلا أذى، و«رَزَقْنَاكُمْ» تُبقي نونَ الجَماعةِ التي أنجَت وواعَدَت ونَزَّلَت، والرِّزقُ من ر-ز-ق جَريانٌ يُقطَعُ عِندَ حَدٍّ مُحكَم. ثُمَّ يُنهى عن الطُّغيانِ لا مُطلَقاً بَل «فِيهِ»: الهاءُ تَعودُ إلى المَرزوق، فتُوضَعُ المُخالَفةُ في جَوفِ الرُّخصةِ لا خارِجَها، والطُّغيانُ من ط-غ-ي عُلُوٌّ فَوقَ الحَدِّ يُغَطّي ما كانَ ظاهِراً. وفاءُ السَّبَبِيَّةِ تَنصِبُ ما بَعدَها، والحُلولُ من ح-ل-ل نُفوذٌ يَخلُصُ إلى مَوضِعٍ فيَحوزُه، وقَد نَزَلَ عَلَيهِم في الآيةِ قَبلَها ما نَزَل بِـ«على» نَفسِها، فالجِهةُ واحِدةٌ والنّازِلُ اثنان. و«غَضَبِي» مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم. ثُمَّ تُعادُ الكَلِمةُ ذاتُها مَبسوطةَ اللّامَينِ «يَحْلِلْ» بَعدَ أن كانَت مُدغَمة، لِأنَّ الأُولى جَوابُ نَهيٍ بِعَينِه والثّانِيَةَ شَرطٌ عامٌّ مُستَأنَف، ويَتَغَيَّرُ الضَّميرُ من «عَلَيْكُمْ» إلى «عَلَيْهِ» فتَخرُجُ القاعِدةُ من الخِطابِ إلى الغَيبة. ويُختَمُ بِماضٍ دَخَلَت عَلَيه «قَدْ» جَواباً لِشَرطٍ مُضارِع، والفِعلُ من ه-و-ي سُقوطٌ في خَلاءٍ لا يُمسِكُ صاحِبَه. فأوَّلُها إذنٌ في طَيِّبٍ وآخِرُها سُقوطٌ في فَراغ، وبَينَهُما حَرفُ ظَرفٍ واحِد.