القارعة · الآية 10

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ

«وما أَدراكَ»: الصيغَةُ تَعودُ، والمَوضوعُ يَتَغَيَّر

الكتابُ يَستَخدِمُ الصيغَةَ نَفسَها التي استَخدَمَها في الآيَةِ الثالِثَة: «وما أَدراكَ ما القارِعَة»، «وما أَدراكَ ما هيَه». والمُلاحَظُ أنَّ النَّصَّ يَستَخدِمُ هذه الصيغَةَ مَرَّتَين في سورَةٍ واحِدَة. مَرَّةً للقارِعَةِ في فاتِحَةِ السورَة، ومَرَّةً للهاويَةِ في خاتِمَتِها.

وفي هذا التَّكرارِ تَوازُنٌ بَنائيّ. السورَةُ بَدَأَت بسؤالٍ عن القارِعَةِ، اليَومِ نَفسِه، وانتَهَت بسؤالٍ عن الهاويَةِ، أَحَدِ مَصائِرِها. اليَومُ مَجهول، والمَصيرُ مَجهول. ما يَفصِلُ بَينَهما الميزانُ في الوَسَط.

ولاحِظِ التَّقابُل: في الآيَةِ السابِعَة، حينَ ذُكِرَ مَصيرُ ثَقيلِ المَوازين، لم يَأتِ سؤالٌ مُماثِل. لم يُقَل: «وما أَدراكَ ما العيشَةُ الراضيَة». الجَنَّةُ تُذكَرُ بَيِّنَة. الهاويَةُ وَحدَها تَستَدعي السؤالَ. كأنَّ النَّعيمَ يُذكَرُ بصورَتِه، أمّا العَذابُ فَلا يُذكَرُ إلّا بِسؤالٍ يَفتَحُ فَجوَةً.

«هِيَه»: ضَميرٌ يَعودُ على الهاويَة

«هي» في الآيَةِ ضَميرٌ يَعودُ على «هاويَة» في الآيَةِ السابِقَة. والضَّميرُ في العَرَبيَّةِ بَعدَ ذِكرِ المَرجِع يُغني عن إعادَتِه. لكنَّ النَّصَّ هنا اختارَ ضَميراً مَوضِعَ الاسم، فلَم يَقُل «وما أَدراكَ ما الهاويَة»، بل «ما هيَه». والاختيارُ مَقصود: الكَلِمَةُ التي قِيلَت في الآيَةِ السابِقَة لا تُعادُ. كأنَّ ذِكرَها مَرَّةً ثانيَةً يُحَدِّدُها، والتَّحديدُ يُصَغِّرُها. السؤالُ بضَميرٍ يَترُكُها أَكبَرَ مِمّا يُمكِنُ تَسمِيَتُه.

وهاءُ السَّكتِ في آخِرِها («هيَه» لا «هي») تَزيدُ الكَلِمةَ هَيبَة. هذه الهاءُ ليست أَصلِيَّةً في الكَلِمَة، بل تَلحَقُها لتَطويلِ النَّفَس. تَقولُ العَرَب: «ما لي» فإذا أَرادوا التَّطويلَ قالوا: «ما لِيَه». والمَوضِعُ في القرآنِ مَخصوصٌ بمَواقِفَ جَليلَة: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. هاءُ السَّكتِ في الكِتابيَّة، ومُماثِلُها في «هيَه». الكَلِمَةُ تَنفَتِحُ في النَّفَسِ ولا تُغلَقُ في حَدّ.

دَرَجَتانِ من الإِعلام: في القارِعَة، ثمّ في الهاويَة

السورَةُ تَستَعمِلُ صيغَةَ «وما أَدراكَ» بالضَّبطِ في المَوضِعَين الأَكثَرِ هَولاً: في تَسميَةِ اليَوم، وفي تَسميَةِ المَآل. وكأنَّ الكتابَ يَفصِلُ ما يُمكِنُ أن يُدرَكَ بالحاسَّةِ والقَرينَة، عَمّا يَدخُلُ من بابِ الإِعلامِ المَحض.

الناسُ كالفَراش: صورَةٌ يَتَلَقّاها الحِسّ. الجِبالُ كالعِهن: صورَةٌ يَتَلَقّاها الحِسّ. ميزانٌ يَثقُل ويَخِفّ: صورَةٌ يَتَلَقّاها الحِسّ. عيشَةٌ راضيَة: مَفهومٌ يَتَلَقّاهُ القَلب. ولكنَّ القارِعَةَ نَفسَها والهاويَةَ نَفسَها تَفوقانِ ما يُتَلَقّى. هاتانِ الكَلِمَتانِ لا يَدخُلانِ بابَ الدِّرايَةِ ابتِداءً، إنّما يَدخُلانِ بابَ الإعلامِ المَحض.


حَصيلة

الصيغَةُ تَعودُ: «وَما أَدراكَ ما هيَه». في الآيَةِ الثالِثَةِ كانَ المَسؤولُ عَنه القارِعَة. الآنَ المَسؤولُ عَنه الهاويَة. السورَةُ تَبني بِنيَةً مُتَوازِنَة: سُؤالٌ عَنِ اليَومِ في الفاتِحَة، وَسُؤالٌ عَن المَآلِ في الخاتِمَة. اليَومُ مَجهول، وَالمَصيرُ مَجهول. وَما يَفصِلُ بَينَهُما المِيزانُ في الوَسَط.

وَالاختِيارُ دَقيق. الجَنَّةُ ذُكِرَت في الآيَةِ السابِعَةِ بَيِّنَةً: «عيشَةٌ راضيَة»، وَلم تُتبَع بِ«ما أَدراكَ». أَمّا الهاويَةُ فَتُتبَعُ بِسُؤالٍ يَفتَحُ فَجوَة. كَأَنَّ النَّعيمَ يُعرَفُ بِصورَتِه، وَالعَذابَ لا يُحاطُ بِه حَتى بِالسُّؤال.

وَ«هِيَه» بِهاءِ السَّكتِ في النِّهايَةِ تَمُدُّ السُّؤالَ بِنَفَسٍ لا يَنقَطِع. هاءُ السَّكتِ لَيسَت أَصلِيَّةً، بَل تَلحَقُ الكَلِمَةَ لِتَطويلِ الصَّوت. وَحُروفُ «الهاويَة» نَفسِها: هاء، واو، ياء، أَصواتٌ تَنفُذُ في فَراغٍ وَلا تُمسَك. الكَلِمَةُ تَهوي بِنُطقِها. وَالسامِعُ الذي يَسأَلُ «ما هيَه» يَبقى مَعَ السُّؤالِ لَحظَةً قَبلَ أَن يَأتيَه الجَوابُ في الآيَةِ الأَخيرَة.