الطُّغيان

tughyan جذر · ط-غ-و / ط-غ-ي 9 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
تَجاوُزُ الحَدِّ الطَّبيعيِّ الذي يَضبِطُ الذَّاتَ ويُوازِنُها. كَما يَطغى الماءُ حينَ يَعلو فَوقَ حَدِّ قاعِدَتِه ويَتَجاوَزُ السَّدَّ الذي كانَ يَحبِسُه. لَيسَ ذَنباً نُقطِيّاً بل امتِداداً لِتَجاوُزٍ بِنيَويٍّ.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف (الجَذرُ ط-غ-و وأَحياناً ط-غ-ي، الشِّحنةُ واحِدة):

  • ط: حرفٌ مُطبَقٌ ثَقيلٌ يَنشأُ بانبِساطِ اللِّسانِ الكامِلِ مَعَ

إطباقِ الحَنَك. شِحنَتُه: انبِساطٌ ثَقيلٌ ضاغِط، وَطءٌ كَثيفٌ يَرتَفِعُ ويَنبَسِطُ.

  • غ: احتِكاكٌ خَلفيٌّ مُعتِم. شِحنَتُه: غَورٌ يَستُرُ، غِطاءٌ يُعلو

حتّى يَحجُبَ ما تَحتَه.

  • و / ي: وَصلٌ مُمتَدٌّ (و) أو امتِدادٌ لَيِّن (ي). في كِلا الحالَين

إطالةٌ للشِّحنةِ قَبلَها.

النَّواةُ طغ (ط + غ) = انبِساطٌ ثَقيلٌ يَستُر، وَطءٌ يَعلو حتّى يُغطِّيَ ما دونَه. الإكمالُ بـو/ي يُطيلُ هذا العُلوَّ والتَّغطِيةَ في المَكانِ والزَّمان، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: انبِساطٌ ثَقيلٌ يَعلو ويُغطِّي ثُمَّ يَمتَدُّ مُتَجاوِزاً حَدَّه، تَجاوُزٌ بِنيَويٌّ للسَّدِّ الداخِليِّ يَنسابُ في الزَّمَن.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • طَغى الماءُ: عَلا حَدَّ قاعِدَتِه وتَجاوَزَ السَّدَّ الذي يَضبِطُه.

أَصرَحُ صُوَرِ الجَذرِ في الحِسّ.

  • طَغى الرَّجُلُ: تَجاوَزَ حَدَّه الطَّبيعيَّ في القَولِ والفِعل.
  • الطَّاغوت: ما بَلَغَ الغايةَ في التَّجاوُز.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ط-غ-و / ط-غ-ي: تَجاوُزُ الحَدِّ الطَّبيعيِّ بانتِشارٍ ثَقيلٍ مُمتَدٍّ، تَعَدٍّ عن الحَدِّ الذي يَحفَظُ التَّوازُنَ. الطُّغيانُ في الجَذرِ لَيسَ فِعلاً واحِداً بَل امتِداداً مُستَمِرّاً.

الصِّيَغ: كيف يَردُ «الطُّغيان» في القرآن

  • طُغيان (مَصدَر): الحالُ في صورَتِها المُستَمِرَّة. يَردُ في ٢:١٥

مُضافاً «طُغيانِهِم»: الطُّغيانُ مُنتَسِبٌ إليهم، هُم من اختاروه.

  • طَغى (ماضٍ): التَّجاوُزُ قَد وَقَع.
  • يَطغى (مُضارِع): التَّجاوُزُ مُستَمِرّ.
  • طاغٍ (اسمُ فاعِل): مَن قامَ به التَّجاوُزُ ثُباتاً.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ شِحنةُ «التَّجاوُزِ الثَّقيلِ

المُمتَدِّ» قائِمة. الوَزنُ يُحَدِّدُ الزَّمَنَ والاتِّصافَ.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

(كلُّ صِيَغِ ط-غ-و / ط-غ-ي تَتَمَحوَرُ على التَّجاوُزِ المُمتَدّ. لا فَرعَ يَستَحِقُّ مَفهوماً مُستَقِلاً حتّى الآن.)

  • taghut (الطَّاغوت): الشَّقيقُ القائِمُ في المُعجَم، يَقرَأُ ٢:٢٥٦

و٢:٢٥٧ حَيثُ يَقَعُ اللَّفظُ في مَقامِ الوَلاء: يُكفَرُ بِه أو يُتَّخَذُ وَلِيّاً. والفَرقُ في الجِهة: الطُّغيانُ حالُ المُتَجاوِزِ نَفسِه، والطَّاغوتُ ما يُتَوَجَّهُ إليه فيُبلَغُ بِه أقصى التَّجاوُز. انظُر الطَّاغوت.

المَواضع: مَواقعُ الطُّغيانِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:١٥ ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الطُّغيانُ يَدخُلُ القرآنَ هنا وَصفاً لِحالِ المُنافِقين بَعدَ

مُمارَسةِ الاستِهزاءِ والخِداع. والآيةُ تَكشِفُ أنَّ الطُّغيانَ ليسَ عُقوبةً مُستوردةً من خارِجٍ بل مَسارٌ اختارَه أصحابُه وامتَدَّ. حَرفُ «في» يَضَعُهم داخِلَ الطُّغيانِ لا خارِجَه: هُم كالماءِ الذي تَجاوَزَ سَدَّه ثُمَّ امتَدَّ في الأَرضِ حتّى تاهَ فيها مَسارُه. واللهُ يَمُدُّهم «في طُغيانِهِم» لا «إلى طُغيانٍ»: الإطالةُ داخِلَ مَسارٍ قائِمٍ اختاروه. انظُر المَدّ والعَمَه.

  • ١٧:٦٠ ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الطُّغيانُ نَكِرةً مَوصوفةً بِالكِبَر، وكانَ في ٢:١٥ مُضافاً إلى أصحابِه. والأهَمُّ أنَّ الزّائدَ لَه هُنا هو التَّخويفُ لا الإمداد: ما وُضِعَ لِيَحبِسَ التَّجاوُزَ يَرفَعُه. وهذا هو الماءُ في صورَتِه: كُلَّما ارتَفَعَ السَّدُّ في وَجهِه عَلا عَلَيه، فالتَّجاوُزُ يَستَمِدُّ من المانِعِ نَفسِه ما يَتَجاوَزُ بِه.
  • ٢٠:٢٤ ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ الماضي مُسنَداً إلى شَخصٍ بِعَينِه، وهو أوَّلُ إسنادٍ لِلجَذرِ إلى مُسَمّىً في المُسَجَّل بَعدَ أن كانَ وَصفاً لِجَماعاتٍ (٨٩:١١، ٩١:١١) أو لِلجِنسِ (٩٦:٦). ويُجعَلُ الطُّغيانُ عِلَّةَ الإرسالِ بِفاءِ التَّعليلِ المَطوِيَّة: «اذهَبْ... إنَّه طَغى»، فالتَّجاوُزُ حينَ يَستَحكِمُ يَستَدعي مَن يُقابِلُه ولا يُترَكُ لِنَفسِه. ويُعادُ اللَّفظُ بِعَينِه في ٢٠:٤٣ عِندَ إرسالِ الاثنَين.
  • ٢٠:٤٣ ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾: الجَديدُ: تُعادُ جُملةُ التَّعليلِ بِلَفظِها بَعدَ ٢٠:٢٤: ﴿إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. والمُتَبَدِّلُ صيغةُ الأمرِ وَحدَها، فقَد كانَ ﴿اذْهَبْ﴾ لِواحِدٍ وصارَ ﴿اذْهَبَا﴾ لِاثنَين. فالطُّغيانُ يُقرَأُ حالاً قائِمةً لا تَنقَضي بِما جَرى بَينَ الأمرَينِ من سُؤالٍ وإجابة، والتَّشخيصُ لا يُراجَعُ حينَ تُزادُ العُدَّة. وما زيدَ إنَّما زيدَ في جِهةِ المُرسَلِ لا في جِهةِ المَوصوفِ بِالطُّغيان، فيُقاسُ الطُّغيانُ بِما يَحتاجُه رَدُّه لا بِما يُقالُ فيه.
  • ٢٠:٤٥ ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ المُضارِعُ في مَقامِ الخَوفِ من وُقوعٍ مُتَوَقَّعٍ لا خَبَراً عن واقِع. ويُقرَنُ بِالفُرُط: «أن يَفرُطَ عَلَينا أو أن يَطغى»، فيَجتَمِعُ تَجاوُزٌ بِالعَجَلةِ وتَجاوُزٌ بِعُلُوِّ الحَدّ، ويُفَرَّقُ بَينَهُما بِـ«أو». والذي طَغى في ٢٠:٢٤ يُخافُ أن يَزيد: التَّجاوُزُ عِندَ صاحِبِه لا يَقِفُ عِندَ حَدٍّ بَلَغَه، وهو مَعنى الامتِدادِ في §١.
  • ٢٠:٨١ ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ في نَهيٍ مُوَجَّهٍ إلى مُنعَمٍ عَلَيه، فيَقَعُ الطُّغيانُ في الرِّزقِ الطَّيِّبِ لا في السُّلطانِ ولا في الشِّدَّة، ويَكونُ الحَدُّ المُتَجاوَزُ حَدَّ النِّعمةِ نَفسِها. وكانَ في المُسَجَّلِ وَصفاً يُخبَرُ بِه (٢:١٥، ٨٩:١١، ٩١:١١، ٩٦:٦)، وهو هُنا فِعلٌ يُنهى عَنه، فيَثبُتُ أنَّ تَركَه في وُسعِ المُخاطَب. والجَزاءُ حُلولُ الغَضَبِ ثُمَّ الهُوِيُّ في ذَيلِ الآية، وهو نَقيضُ العُلُوِّ الذي هو صورةُ الجَذر.
  • ٨٩:١١ ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾: الطُّغيانُ في سورةِ الفَجر يُؤطِّرُ مَصيرَ عادٍ وثَمودَ وفِرعَوْن. «طَغَوا في البِلاد» = الطُّغيانُ امتَدَّ حتى مَلَأ الأَرضَ. ثمّ ٨٩:١٢ «فَأَكثَروا فيها الفَساد»: الطُّغيانُ يُنتِجُ الفَسادَ لأنَّه جَريانٌ بِلا سَدّ.
  • ٩١:١١ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾: «بِطَغواها» = الطَّغوى مَصدَرٌ يُبَيِّنُ أنَّ التَّكذيبَ كانَ مَبنِيّاً على طُغيانٍ هَيكَليّ: ثَمودُ كَذَّبَت بِسَبَبِ طُغيانِها. الطُّغيانُ أَصلٌ والتَّكذيبُ فَرعُه.
  • ٩٦:٦ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾: إضافة. «كَلَّا إنَّ الإِنسانَ لَيَطغى»، الطُّغيانُ هنا مُرتَبِطٌ بالاستِغناء (٩٦:٧ «أَن رَآه استَغنى»). الإِنسانُ حينَ يَرى نَفسَه مُستَغنِياً يَطغى: التَّجاوُزُ الثَّقيلُ يَبدأُ برُؤيةٍ مُشوَّهة. «كَلَّا» رَدعٌ قبلَ الحُكم، والحُكمُ الذي يَليه تَوصيفٌ لا وَعيد.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • madd: المَدُّ يَقَعُ «في» الطُّغيان. الإطالةُ تَتِمُّ داخِلَ

التَّجاوُزِ القائِم. انظُر المَدّ.

  • 3amah: الطُّغيانُ المُمتَدُّ يُنتِجُ العَمَهَ: الذاتُ التي

تَجاوَزَت سَدَّها لا تَعرِفُ بَعدَ ذلك أينَ تَسيرُ. انظُر العَمَه.

  • kufr: الطُّغيانُ والكُفرُ حالانِ مُتَقارِبانِ في شِحنةِ الحَجبِ

والتَّغطِية، لَكنَّ الطُّغيانَ أَوصَفُ للامتِدادِ والكُفرُ أَوصَفُ للإمساك. انظُر الكُفر.

  • shaytan: الشَّيطانُ في الجَذرِ قُوَّةُ التَّباعُد، والطُّغيانُ

حالةُ التَّجاوُزِ الناتِجة. انظُر الشَّيطان.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل الطُّغيانُ إرادِيٌّ دائِماً؟ الجَذرُ يُشيرُ إلى أنَّ التَّجاوُزَ

يَبدَأُ بِاختِيار، لَكنَّ الامتِدادَ يَصيرُ آلِيّاً بِعدَ حَدٍّ مَعَيَّن: الماءُ حينَ يَتَجاوَزُ السَّدَّ يَجري بِطَبيعتِه. مَوقِفُنا: الطُّغيانُ مَسؤوليّةٌ في البِداية، وتَضيقُ المَسؤوليّةُ كلَّما تَعَمَّقَ المَسار.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن