الجَنب
النّاحِيةُ التي يَنفَتِحُ بِها المَحويُّ على ما حَولَه: يُوضَعُ عَلَيها البَدَن، ويُنأى بِها، ويُؤخَذُ إلَيها فيُتَرَكُ الوَسَط.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ج: تَكَتُّلٌ يَحتَبِسُ في جَوف. شِحنَتُه: الاجتِماعُ والتَّكَتُّلُ في
جَوفٍ يَستُر.
- ن: احتِواءٌ يَحبِسُ في الباطِن. شِحنَتُه: الاحتِواءُ والاحتِباسُ
الجَوفِيّ.
- ب: وَصلٌ يَنفَتِحُ على ما بَعدَه. شِحنَتُه: الانفِتاحُ والخُروجُ
إلى الطَّرَف.
النَّواةُ جن (ج + ن) = كُتلةٌ مَحويّةٌ في جَوفٍ مَستور: ما اجتَمَعَ ثُمَّ احتُبِسَ فلَم يَظهَر. والإغلاقُ بـب يَفتَحُ لِهذا المَحويِّ طَرَفاً يَتَّصِلُ بِه بِما حَولَه، فيَصيرُ الجَذرُ: حَدُّ المَحويِّ من ناحِيَتِه، وهو الوَجهُ الذي يُلاقي بِه غَيرَه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: جَنبُ الرَّجُلِ صَفحَتُه التي يَضطَجِعُ عَلَيها، وجانِبُ الوادي حَرفُه، وجانَبَ الشَّيءَ صارَ إلى ناحِيَتِه فتَرَكَ وَسَطَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: ناحِيةٌ يَنفَتِحُ بِها المَحويُّ على غَيرِه، فمَن أخَذَها فارَقَ الوَسَط.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- جُنُوبِهِمْ (جَمعُ «جَنب» مُضافاً إلى الغائِبين)، ٣:١٩١: الصَّفَحاتُ
التي يُوضَعُ عَلَيها البَدَن، والجَمعُ يُوَزِّعُ الهَيئةَ على أصحابِها.
- جَانِبَ (اسمُ فاعِلٍ مُضافاً إلى مَكان)، ١٧:٦٨ و٢٠:٨٠: ناحِيةُ
المَوضِعِ لا المَوضِعُ كُلُّه، واسمُ الفاعِلِ يُثبِتُ لِلنّاحِيةِ قِياماً كأنَّها ذاتٌ تُقصَدُ وحدَها.
- جَانِبِهِ (الصّيغةُ نَفسُها مُضافةً إلى الشَّخصِ)، ١٧:٨٣: ناحِيةُ
الإنسانِ نَفسِه، فالإضافةُ تَنقُلُ الحَدَّ من الأرضِ إلى البَدَن.
- يَتَجَنَّبُهَا (على تَفَعَّلَ)، ٨٧:١١: أخذُ النّاحِيةِ يَرجِعُ إلى
صاحِبِه، فالفاعِلُ والمُنَحّي واحِد.
- سَيُجَنَّبُهَا (على فُعِّلَ مَبنِيّاً لِلمَفعولِ بِسينِ
الاستِقبال)، ٩٢:١٧: أخذُ النّاحِيةِ بِفاعِلٍ من خارِج، والسّينُ تُؤَخِّرُهُ إلى وَقتِه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: النّاحِيةُ من الحُروف، والأوزانُ إنَّما تَقسِمُ
مَن يَأخُذُها.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ آخَرَ لِلجَذرِ في المَنشور: «الجُنُب» و«الجَنابة» و«الأجنَبيّ» لا تَرِدُ فيه. والقَريبُ من هذا المَفهومِ جارُ الحُروفِ لا شَريكُ الجَذر: jannah من ج-ن-ن تَقِفُ عِندَ النَّواةِ جن فيَبقى الجَوفُ مَستوراً مُضاعَفَ السَّتر، وjunah من ج-ن-ح تُغلِقُ النَّواةَ بِحاءٍ فيَصيرُ المَيلُ خُروجاً من المَضيق. والجَنبُ وَحدَه يَفتَحُ المَحويَّ على ناحِيةٍ تُلاقى.
المَواضع: مَواقعُ الجَنبِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٩١ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ
جُنُوبِهِمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَنبُ يَدخُلُ هَيئةَ بَدَنٍ لا مَوضِعَ مَكان، ثالِثةً بَعدَ القِيامِ والقُعود، وهي أخفَضُ الهَيئاتِ وأبعَدُها عن الحَرَكة. والذِّكرُ مَوصولٌ بِالهَيئاتِ الثَّلاثِ بِلا استِثناء، فالنّاحِيةُ التي يَسقُطُ إلَيها البَدَنُ لا تُسقِطُ العَمَل.
- ١٧:٦٨ ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾:
الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من البَدَنِ إلى الأرض، واسمُ الفاعِلِ يُسَمّي ناحِيةَ البَرِّ لا البَرَّ كُلَّه. والخَسفُ يَقَعُ على الحَدِّ الذي يُلاقي بِه اليابِسُ ما جاوَرَه، فالمَوضِعُ الذي يُطلَبُ فيه الأمنُ هو نَفسُه الحَدُّ الذي يَنهار.
- ١٧:٨٣ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ
بِجَانِبِهِ﴾: الجَديدُ: النّاحِيةُ تَعودُ إلى الإنسانِ نَفسِه وتَصيرُ آلةَ فِعلٍ بِالباء. «نَأى بِجانِبِه» لا «نَأى بِنَفسِه»، فالمُبعَدُ هو الصَّفحةُ التي كانَ يُلاقي بِها، والإعراضُ قبلَه إدارةُ وَجه: حَرَكَتانِ تَقطَعانِ الاتِّصالَ من طَرَفَيه. والجَنبُ الذي وُصِلَ في ٣:١٩١ بِالذِّكرِ يُحمَلُ هُنا بَعيداً.
- ٢٠:٨٠ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾: الجَديدُ:
النّاحِيةُ تَصيرُ مَوعِداً يُقصَد. لَم تَقَعِ المُواعَدةُ على الطُّورِ بل على ناحِيَتِه، ونُعِتَت بِـ﴿الْأَيْمَنَ﴾ فتَعَيَّنَت من بَينِ نَواحيه. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ يَكونُ فيه الجانِبُ مَطلوباً يُؤتى، بَعدَ أن كانَ مَخوفاً في ١٧:٦٨ ومَتروكاً في ١٧:٨٣.
- ٨٧:١١ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَخرُجُ من
الاسمِ إلى الفِعل، ووَزنُ تَفَعَّلَ يَرُدُّ أخذَ النّاحِيةِ إلى صاحِبِه: الأشقى هو الذي يُنَحّي نَفسَه. والضَّميرُ المُتَّصِلُ عائِدٌ إلى ما يُذَكَّرُ بِه، فالمُتَجَنَّبُ ذِكرى لا شَخص، وبِهذا يَقومُ المُقابِلُ لِـ﴿جُنُوبِهِمْ﴾: هُناكَ جَنبٌ يُوضَعُ ولا يَنقَطِعُ الذِّكرُ عِندَه، وهُنا تَنَحٍّ عن الذِّكرى نَفسِها.
- ٩٢:١٧ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾: الجَديدُ: الفِعلُ يُبنى
لِلمَفعولِ فيَنتَقِلُ الفاعِلُ إلى خارِجِ صاحِبِ النّاحِية. الأشقى نَحّى نَفسَه بِنَفسِه، والأتقى يُنَحّى بِغَيرِه، والسّينُ تُؤَخِّرُ التَّنحِيَةَ إلى وَقتِها. فالجَذرُ يَحمِلُ الطَّرَفَينِ في صيغَتَين: مَن أخَذَ النّاحِيةَ بِيَدِه أُخِذَ بِها، ومَن بَنى وِقايَتَه أُخِذَت لَه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
dhikr: ٣:١٩١ تَصِلُ هَيئةَ الجَنبِ بِالذِّكرِ الدّائِم:
الهَيئةُ لا تَقطَعُ العَمَل، والذِّكرُ لا يَشتَرِطُ قِياماً.
mawa3ada: ٢٠:٨٠ تَجعَلُ الجانِبَ الأيمَنَ مَحَلَّ المُواعَدة:
الوَعدُ يَنزِلُ على ناحِيةٍ مُعَيَّنةٍ لا على المَكانِ جُملةً.
taqwa: ٩٢:١٧ تُسَمّي المُجَنَّبَ ﴿الْأَتْقَى﴾: التَّنحِيَةُ عن
النّارِ ثَمَرةُ بِناءِ الوِقايةِ لا فِعلُ المُنَحّى.
jannah: مُشارَكةُ النَّواةِ جن مَع افتِراقِ الخاتِمة: هُناكَ
جَوفٌ يَستُر، وهُنا ناحِيةٌ تُلاقي.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا يَجمَعُ الجَذرُ الاضطِجاعَ والمُباعَدة؟ الحُروفُ تُعطي
النّاحِيةَ ولا تُعطي الاتِّجاه: مَن وَضَعَ جَنبَه أسنَدَ ناحِيَتَه إلى الأرض، ومَن تَجَنَّبَ صارَ إلى ناحِيةٍ وتَرَكَ الوَسَط. فالجامِعُ أخذُ الحَدِّ، والقُربُ والبُعدُ يَأتِيانِ من مُتَعَلَّقِ الفِعلِ لا من الجَذر.
- هل «جانِب» في ١٧:٦٨ و٢٠:٨٠ وَجهٌ واحِد؟ اللَّفظُ واحِدٌ
والمَوقِعُ مُفتَرِق: ناحِيةٌ يُخافُ خَسفُها، وناحِيةٌ تُقصَدُ لِمَوعِد. والمَنشورُ لا يُعطي صيغةً ثالِثةً تَفصِلُ بَينَ الوَجهَينِ، فالفَصلُ يَبقى بِالسِّياقِ لا بِالوَزن.