آل عمران · الآية 191

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ»: أُولو الألبابِ يُعرَفونَ بالذِّكر

يَتَّصلُ الموصولُ بجمعِ «أولي الألباب» في الآيةِ السابقة، فتأتي صلتُه مضارعاً جمعيّاً: يذكرون الله. الذكرُ من ذ-ك-ر نفاذٌ حادٌّ يَلتقي غائراً ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحملُ استحضاراً يَمنعُ المذكورَ من الغيابِ عن الوعي. واسمُ اللهِ واقعٌ مفعولاً، فجهةُ الذكرِ مُعيَّنةٌ في اللفظِ مباشرة. المضارعُ يَحفظُ الفعلَ متجدّداً، والموصولُ يَجعلُه وصفاً عمليّاً لأصحابِ الألباب: لُبٌّ يَجمعُ العلاماتِ وذكرٌ يَحفظُ صاحبَها حاضراً.

«قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ»: ثلاثةُ أحوالٍ تُوسِّعُ مجالَ الذكر

يأتي «قياماً» حالاً، وتَعطفُ عليه الواوُ «قعوداً»، ثمّ تَعطفُ جارّاً ومجروراً «على جنوبهم». القيامُ من ق-و-م عقدٌ وإحاطةٌ يَثبتُ أثرُها في احتواءٍ باطن، فتَحملُ انتصاباً قائماً. وتَضعُ الألفاظُ بجانبِه القعودَ وحالَ الجُنُبِ المضافِ إلى ضميرِهم. اختلافُ البنيةِ بينَ المصدرَينِ والجارِّ والمجرورِ يُنوّعُ هيئةَ الأحوالِ ويَجمعُها تحتَ ذكرٍ واحد؛ فيَمتدُّ الاستحضارُ مع الجسدِ قائماً وقاعداً ومستلقياً.

«وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: الذِّكرُ يَتَّسِعُ إلى النَّظَر

تَعطفُ الواوُ فعلاً مضارعاً ثانياً: ويتفكّرون. الفكرُ من ف-ك-ر نفاذٌ يَدخلُ التقاءً غائراً ثمّ يَجري مسترسلاً، وبناءُ الفعلِ على التفعّلِ يَجعلُ الفاعلَ هو الذي يُعيدُ النظرَ على نفسِه، فالتفكّرُ عملٌ يُواصِلُه صاحبُه لا خَطرةٌ تَمُرُّ به. وحرفُ «في» يُحدِّدُ مجالَه بخلقِ السماواتِ والأرض. الخلقُ من خ-ل-ق اختراقٌ يَتعلّقُ ثمّ يَنعقدُ في العمقِ إيجاداً مقدَّراً. وثمرةُ هذا النظرِ تَنطِقُ بها الآيةُ بعدَه في ثلاثِ حركات: نفيُ الباطلِ عن الخلق، والتسبيح، وطلبُ الوقاية؛ فمَجالُ التفكّرِ سماواتٌ وأرض، ومُنتَهاهُ قولٌ يُوَجَّهُ إلى الربّ.

«رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ... فَقِنَا»: القولُ يَنقلُ النظرَ إلى تنزيهٍ وطلب

يَنتقلُ النظمُ إلى نداءٍ محذوفِ الأداة: ربَّنا. ثمّ تَنفي «ما» أن يكونَ المخاطَبُ خلقَ «هذا» باطلاً؛ واسمُ الإشارةِ يَجمعُ المذكورَ كلَّه في مجالِ النظرِ إشارةً واحدة. «سبحانك» مصدرٌ منصوبٌ مضافٌ إلى ضميرِ الخطاب، فيَفصلُ اللهَ عن الباطلِ المنفي. وتأتي الفاءُ بنتيجةٍ طلبيّة: فقنا عذاب النار. الوقايةُ من و-ق-ي إحاطةٌ تَعقدُ حِفظاً في العمق، والياءُ تَمدُّ الحدثَ بلا وجهٍ مستقلّ. والمفعولُ هو عذابُ النار، فيَنتهي الدعاءُ إلى طلبِ وقايةٍ من المذكورِ نفسِه.


حَصيلة

تَشرحُ الآيةُ أصحابَ الألبابِ بحركتَين متلازمتَين: ذكرِ اللهِ في أحوالِ القيامِ والقعودِ وعلى الجُنُب، والتفكّرِ المستدامِ في خلقِ السماواتِ والأرض. فالذكرُ مُطلَقٌ في الأحوالِ الثلاثةِ كما جاءَ في اللفظ، والتفكّرُ مَحدودٌ بمجالِه: خَلقُ السماواتِ والأرض. ثمّ تُظهرُ كلماتُهم ثمرةَ الجمعِ بينهما: نداءُ الرب، ونفيُ الخلقِ الباطل، والتسبيح، وطلبُ الوقايةِ من عذابِ النار. يَسيرُ اللبُّ من علامةِ الخلقِ إلى قولٍ مسؤول، ويَبقى كلُّ عنصرٍ داخلَ ما سمّتْه الآية: ذِكرٌ، فتَفكُّرٌ، فقولٌ، فطلبُ وقاية.