الإسراء · الآية 68

﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا

«أَفَأَمِنتُمْ»: سُؤالٌ يُطرَحُ ولا يُجاب

هَمزةٌ تَستَفهِم، ثُمَّ فاءٌ تَعطِفُ على ما قَبلَها، فالسُّؤالُ نَتيجةٌ مَشدودةٌ إلى الإعراضِ الذي جَرى في الآيةِ السّابِقة، غَيرُ مُبتَدَإٍ بِه.

و أ-م-ن انضِمامٌ إلى أصلٍ يَحتَويه فيَحفَظُه، فالأمنُ سُكونُ القَلبِ لِأنَّه بَلَغَ ما يَحوطُه. ثُمَّ عُلِّقَ الفِعلُ هُنا بِـ«أَن» ومَصدَرِها، فصارَ الأمنُ أمناً من وُقوعِ شَيءٍ لا أمناً في مَوضِع، وسُكونُ الآمِنِ إلى أنَّ اليابِسةَ لن تَفعَلَ بِه شَيئاً، لا إلى اليابِسةِ نَفسِها.

والآيةُ تَسألُ ولا تُجيب، فلم يَأتِ بَعدَ السُّؤالِ «لَستُم بِآمِنين» ولا «بَلى أنتُم آمِنون»، وتُرِكَ الجَوابُ عِندَ المَسؤول، والسُّؤالُ الذي لا يُجابُ يَبقى مَفتوحاً في صَدرِ سامِعِه أطوَلَ مِمّا يَبقى الخَبَر.

«أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ»: الأرضُ التي نَجَوتُم إلَيها

والبَرُّ في الآيةِ السّابِقةِ مَوضِعُ النَّجاة، وهو هُنا مَوضِعُ السُّؤال، فالخَطَرُ لم يُنقَلْ إلى مَكانٍ آخَر، ووُضِعَ في المَكانِ الذي اطمَأنَّ إلَيه القَدَم.

و خ-س-ف غَورُ الشَّيءِ في فَراغٍ تَحتَه بَعدَ أن يَتَفَرَّقَ ما كانَ يُمسِكُه، ومنه «خَسَفَتِ العَينُ» إذا غارَت في مَحجِرِها. فالخَسفُ انسِحابُ ما تَحتَ الشَّيءِ فيَهوي في مَوضِعِه، ولَيسَ ضَربةً تَأتي من فَوق.

والباءُ في «بِكُمْ» لِلمُصاحَبة، فالمُخاطَبونَ يَنزِلونَ مَعَ الأرضِ في نُزولِها، ولا يَسقُطونَ بَعدَ خَسفِها. ثُمَّ قُيِّدَ المَوضِعُ بِـ«جَانِبَ الْبَرِّ»، وهو ج-ن-ب: حَيِّزٌ يُلاصِقُ غَيرَه ولا يَكونُ كُلَّه، فجانِبٌ واحِدٌ يَكفي، ولا حاجةَ إلى أن تُساقَ اليابِسةُ كُلُّها.

«حَاصِبًا»: نَكِرةٌ لا تُعَيَّن

و«حَاصِبًا» اسمُ فاعِلٍ مُنَكَّر، أي شَيءٌ يَحصِب. و ح-ص-ب حَتٌّ في مَضيقٍ يَتَناثَرُ عنه دُقاقٌ يُرمى به، ومنه «الحَصباء» لِصِغارِ الحَصى، و«حَصَبَه» إذا رَماهُ بِها.

وجاءَ مُنَكَّراً عارِياً من أداةِ التَّعريفِ التي في «الحاصِب»، ولم يوصَفْ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ ولا صِفةٍ تُمَيِّزُه من غَيرِه، ولِلتَّنكيرِ في مِثلِ هذا المَوضِعِ عَمَلٌ مَعروف، فهو يُبقي البابَ مَفتوحاً على كُلِّ ما تَنطَبِقُ عَلَيه الصِّفة، ومَن عَيَّنَ فقد ضَيَّقَ ما وَسَّعَتهُ الآية.

والمُقابَلةُ بَينَ الاثنَينِ ظاهِرة: خَسفٌ يَأتي من تَحت، وحاصِبٌ يُرسَلُ من فَوق، و«أَوْ» بَينَهُما لِلتَّخييرِ في الوُقوع، فلا تُعرَفُ الجِهةُ التي منها يَأتي، وهُما جِهَتا الأرضِ كِلتاهُما.

«ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا»: نَفيٌ يَقَعُ على الوِجدانِ لا على الوُجود

و«ثُمَّ» هُنا لِلتَّراخي في الرُّتبة، لا لِلتَّعقيبِ الفَوريّ، فالمُصيبةُ شَيء، والتَّفتيشُ بَعدَها بِلا وِجدانٍ شَيءٌ آخَرُ أبعَدُ مِنها.

والمَنفِيُّ «لَا تَجِدُوا»، و و-ج-د لِقاءٌ يَتَحَقَّقُ فيَثبُت، لا تَصَوُّرٌ في الذِّهن، فالنَّفيُ واقِعٌ على أن تَقَعَ أيديهِم عَلَيه، لا على أن يَكونَ في الوُجودِ أحَد. والباحِثُ يَبحَث، والآيةُ تَنفي أن يَقَعَ على المَطلوب، ولا تُخبِرُ بِأنَّه مَعدوم.

و«وَكِيلًا» من و-ك-ل: عَقدٌ يُسَلَّمُ بِه أمرٌ إلى مُمسِكٍ يَقومُ فيه مَقامَ صاحِبِه. والكَلِمةُ تَتَرَدَّدُ في هذه السّورةِ خَمسَ مَرّات، مُثبَتةً مَرّةً واحِدةً ومَنفِيّةً أربَعاً، وهذه إحدى المَنفِيّات، والخَيطُ يُقرَأُ من تَوزيعِ الإثباتِ والنَّفي: حامِلٌ واحِدٌ يُثبَت، وكُلُّ ما عَداهُ يُنفى عَمَّن طَلَبَه.

و«لَكُمْ» مُتَقَدِّمةٌ على المَنفِيّ، فهو وَكيلٌ يَخُصُّ المُخاطَبينَ ويَقومُ عَنهُم بِأمرِهِم، والمَنفِيُّ حامِلٌ مُضافٌ إلَيهِم، ولا يَقِفُ عِندَ كَونِه حامِلاً في الجُملة. ومَن أوى إلى جانِبٍ من الأرضِ فأوَّلُ ما يُسألُ عنه مَن يُمسِكُ الجانِبَ نَفسَه.


حَصيلة

سُؤالٌ مَعطوفٌ بِالفاءِ على إعراضٍ سَبَقَه، فهو نَتيجَتُه لا ابتِداءُ كَلام. والأمنُ فيه أمنٌ من وُقوعِ فِعلٍ لا أمنٌ في مَوضِع، ولذلك عُلِّقَ بِـ«أَن» ومَصدَرِها. ثُمَّ يُعرَضُ احتِمالانِ من جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين: خَسفٌ يَسحَبُ ما تَحتَ القَدَمِ فتَنزِلُ مَعَه بِباءِ المُصاحَبة، وشَيءٌ يَحصِبُ يُرسَلُ من فَوق. وكِلاهُما مُنَكَّرٌ أو مُقَيَّدٌ بِطَرَف: «جَانِبَ الْبَرِّ» دونَ البَرِّ كُلِّه، و«حَاصِبًا» بِلا تَعريفٍ ولا وَصف، فمَن عَيَّنَ فقد ضَيَّق. ثُمَّ يَجيءُ الأبعَدُ بِـ«ثُمَّ»، والمَنفِيُّ فيه أن تَقَعَ اليَدُ على الحامِل، ووُجودُه غَيرُ مَنفِيّ، وهو حامِلٌ مُضافٌ إلَيهِم بِـ«لَكُمْ». ويُترَكُ السُّؤالُ بِلا جَواب، فيَبقى مَفتوحاً حَيثُ لا يَبقى الخَبَر.