طه · الآية 80
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ»: نِداءٌ يَقطَعُ الحِكاية
كانَ الكَلامُ قَبلَ سَطرٍ عن غائِبٍ يُتبِعُ وغائِبٍ يُغشى وغائِبٍ يُضِلّ. ثُمَّ حَرفُ نِداءٍ ومُنادىً بِاسمِه.
وتَتَحَوَّلُ الضَّمائِرُ كُلُّها: كافٌ ثُمَّ كافٌ ثُمَّ كاف. مَن كانوا يُذكَرونَ صاروا يُخاطَبون.
ولَم تَقُلِ الآيةُ مَن يُنادي ولا مَتى ولا أينَ. جاءَ النِّداءُ عارِياً في وَسَطِ الخَبَر، فيُقرَأُ في مَوضِعِه ولا يُؤَرَّخ.
«قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ»: عَدُوٌّ يُوصَفُ بِنِسبَتِه لا بِاسمِه
ثَلاثةُ أفعالٍ في الآيةِ كُلُّها بِنونِ الجَماعة، و«قَدْ» على أوَّلِها وَحدَه تُحَقِّقُه ثُمَّ يُعطَفُ عَلَيه الباقي.
والنَّجاةُ من ن-ج-و انبِعاثٌ يَتَكَتَّلُ صاعِداً من قَعرٍ ثُمَّ يَنعَقِدُ في مَوضِعٍ أعلى. فهي خُروجٌ من أسفَلَ إلى أمانٍ يَنعَقِد.
و«عَدُوِّكُمْ» مُفرَدٌ مُضافٌ إلَيهِم. وقَد ذُكِرَ في السَّطرَينِ قَبلَه اسمٌ صَريحٌ مَرَّتَين، فلَمّا صارَ الخِطابُ إلَيهِم لَم يُسَمَّ لَهُم أحَد. صارَ الاسمُ صِفةً بِالإضافة: عَدُوُّكُم أنتُم.
«وَوَاعَدْنَاكُمْ»: وَزنُ المُفاعَلةِ يَقتَضي طَرَفَين
الفِعلُ على وَزنِ فاعَلَ، وهو وَزنٌ لا يَقومُ بِواحِد. لَم يُقَل «وَعَدناكُم» بَل «وَوَاعَدْنَاكُمْ»: التِزامٌ لَه جانِبانِ لا جِهةٌ واحِدة.
والوَعدُ من و-ع-د وَصلٌ يَلتَحِمُ بِالباطِنِ ثُمَّ يَثبُتُ بِضَبط. فهو ما يَنعَقِدُ في الدّاخِلِ ويُلزِمُ صاحِبَه.
وقَد جَرى في هذا المَشهَدِ نَفسِه طَلَبُ مَوعِدٍ فأُجيبَ بِزَمان: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وهُنا مُواعَدةٌ يُذكَرُ لَها مَكان. جَذرٌ واحِدٌ يُعطي مَرَّةً وَقتاً ومَرَّةً جانِباً.
«جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ»: جُزءٌ وجِهةٌ ولا مَوضِعَ يُعَيَّن
«جَانِبَ» مَنصوبٌ على الظَّرفِيَّة، وهو من ج-ن-ب حَيِّزٌ مُتَمَيِّزٌ يُلاصِقُ غَيرَه ولا يَكونُ كُلَّه. فالمَذكورُ بَعضُ الشَّيءِ لا الشَّيء.
و«الطُّورِ» من ط-و-ر انبِساطٌ عَريضٌ يَنعَقِدُ ثُمَّ يَستَرسِلُ ويَمتَدّ. اسمٌ يُقالُ بِلا صِفةٍ تُلحَقُ بِه ولا حَدٍّ يُرسَم.
و«الْأَيْمَنَ» نَعتٌ لِلجانِبِ لا لِلطُّور. جِهةٌ تُنسَبُ إلى اليَمين، واليُمنُ من ي-م-ن سَريانٌ يَضُمُّ ويُلاصِقُ ثُمَّ يَنبَعِثُ أثَرُه.
فمَجموعُ ما قيلَ: بَعضٌ من شَيء، والشَّيءُ مُسَمّى، والبَعضُ مَوصوفٌ بِجِهة. ثَلاثُ كَلِماتٍ لا تُعَيِّنُ بُقعةً على وَجهِ الأرض، ولَيسَ في الآيةِ ما يُعَيِّنُها.
«وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ»: تَضعيفٌ في الفِعلِ وحَرفٌ يَتَغَيَّر
الفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ بِتَضعيفِ الزّاي، لا على وَزنِ أفعَلَ. والتَّضعيفُ في هذا البابِ يُكَثِّرُ الفِعلَ أو يُفَرِّقُه على مَرّات.
وتَغَيَّرَ التَّعليقُ أيضاً. الفِعلانِ الأوَّلانِ وَصَلا إلَيهِم بِالضَّميرِ مُباشَرةً: «أَنجَيْنَاكُم» و«وَاعَدْنَاكُمْ». والثّالِثُ عُلِّقَ بِحَرف: «عَلَيْكُمُ». إخراجٌ من تَحت، ومُواعَدةٌ في جانِب، ثُمَّ نُزولٌ من فَوق.
و«الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ» اسمانِ مُعَرَّفانِ مَعطوفانِ. أُنزِلا ولَم يُوصَفا: لا لَونَ ولا طَعمَ ولا صِفةَ جِنس. لِكُلٍّ مِنهُما جِذرُه ولِكُلٍّ مِنهُما بابُه، ويُقرَأُ الاسمُ حَيثُ وَرَد.
والآيةُ ثَلاثُ مِنَنٍ في سَطرٍ واحِد: خُروجٌ من عَدُوٍّ لَم يُسَمَّ، ومَوعِدٌ في جانِبٍ لَم يُحَدَّد، ونُزولٌ لِاسمَينِ لَم يُشرَحا. تُذكَرُ الأفعالُ كامِلةً وتُترَكُ الأعيانُ عارِيَة.
حَصيلة
حَرفُ نِداءٍ يَقطَعُ الحِكايةَ عن الغائِب، فتَنقَلِبُ الضَّمائِرُ إلى كافِ الخِطابِ ثَلاثَ مَرّات، ولا يُقالُ مَن يُنادي ولا مَتى. وثَلاثةُ أفعالٍ بِنونِ الجَماعةِ و«قَدْ» على أوَّلِها وَحدَه. والنَّجاةُ من ن-ج-و صُعودٌ من قَعرٍ يَنعَقِدُ في مَوضِعٍ أعلى، و«عَدُوِّكُمْ» مُفرَدٌ مُضافٌ إلَيهِم، فبَعدَ اسمٍ صَريحٍ ذُكِرَ مَرَّتَينِ في السَّطرَينِ قَبلَه لا يُسَمّى هُنا أحَد. ثُمَّ «وَاعَدْنَاكُمْ» على وَزنِ المُفاعَلةِ الذي لا يَقومُ بِواحِد، والوَعدُ من و-ع-د وَصلٌ يَلتَحِمُ بِالباطِنِ ثُمَّ يَثبُت، وقَد سُئِلَ في هذا المَشهَدِ مَوعِدٌ فأُجيبَ بِزَمان، ويُذكَرُ هُنا لِلمُواعَدةِ مَكان. والمَكانُ «جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ»: بَعضٌ من شَيءٍ (ج-ن-ب حَيِّزٌ يُلاصِقُ ولا يَكونُ الكُلَّ)، والشَّيءُ مُسَمّى، والبَعضُ مَوصوفٌ بِجِهة، وثَلاثُ كَلِماتٍ لا تُعَيِّنُ بُقعة. ثُمَّ «نَزَّلْنَا» بِتَضعيفٍ يُفَرِّقُ الفِعلَ على مَرّات، وبِحَرفٍ يَتَغَيَّر: وَصَلَ الأوَّلانِ بِالضَّميرِ مُباشَرةً وعُلِّقَ الثّالِثُ بِـ«عَلى». فخُروجٌ من تَحت، ومُواعَدةٌ في جانِب، ونُزولٌ من فَوق. والاسمانِ في آخِرِها مُعَرَّفانِ مَعطوفانِ يُنزَلانِ ولا يُوصَفان.