الأعلى · الآية 11

﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى

«يَتَجَنَّب»: أَخذُ الجانِبِ الآخَر

والجانِبُ والمُجاوَرَةُ مِحوَرُ ج-ن-ب في العربيّة، ومِنه «الجَنب»، وهو الجِهَةُ مِنَ الجَسَد، و«الأَجنَبيّ»، وهو مَن لا يَنتَمي إلى ما تَنتَمي إلَيه. والصّيغَةُ في «يَتَجَنَّب» تَفَعَّل، ومَعناها أن يَجعَلَ الفاعِلُ نَفسَه آخِذاً جانِباً مُختَلِفاً عَن جانِبِ الشَّيء.

والفِعلُ هُنا أَدَقُّ مِن «يَتَرُك» أو «يُعرِض»، فالتَّركُ غِفلَةٌ قَد تَكونُ بِغَيرِ قَصد، والإعراضُ قَلبُ الوَجهِ عَنِ الشَّيء، وأمّا التَّجَنُّبُ فإحلالُ النَّفسِ في جانِبٍ آخَرَ بِفِعلٍ مَقصود. والأَشقى يَختارُ أن يَكونَ بِجانِبٍ آخَرَ مِنَ الذِّكرى، وليسَ ناسِياً لَها، والذِّكرى تُلقى في مَيدان، وهو يَختارُ مَيداناً آخَر.

«الأَشقى»: تَعَبٌ في غَيرِ مَوضِعٍ يُثمِر

ويَدُلُّ ش-ق-و في العربيّةِ على الجَهدِ المُتعِبِ الذي لا يَأتي بِخَير. والشَّقاءُ ضِدُّ السَّعادَة، وهو حُزنٌ مَوصولٌ بِتَعَب، فيَجتَمِعُ فيه الحُزنُ والتَّعَبُ جَميعاً: المَرءُ يَكدَحُ ولا يَأتي كَدحُه بِما يَنفَع، ومِنه قَولُ العَرَبِ «شَقيَ في حِياتِه» إذا تَعِبَ كَثيراً ولم يَنَلْ ما تَعِبَ مِن أَجلِه.

والوَصفُ في الآيَةِ على وَزنِ أَفعَلَ التَّفضيلِيّ: «الأَشقى»، وعُدِلَ بِه عن «شَقِيّ»، والكِتابُ يَصِفُ المُتَجَنِّبَ بِالشَّقاء، ويَجعَلُه مَعَ ذلك في أَقصى دَرَجاتِه، لِأنَّ الذي يَختارُ التَّجَنُّبَ بَعدَ بُلوغِ الذِّكرى إلَيه يَختارُ تَعَباً ثانِياً يَنضافُ إلى تَعَبِه الأَصلِيّ، والذِّكرى لَو قَبِلَها لَأَراحَت تَعَبَه.

المُقابَلَةُ بَين الآيَتَين: خَشيَةٌ تُذَكِّرُ، وشَقاءٌ يَتَجَنَّب

والآيَتانِ المُتَتالِيَتانِ تَستَويانِ في بَيتٍ بَلاغِيٍّ مُحكَم: السّابِقَةُ «سَيَذَّكَّرُ مَن يَخشى»، والحاضِرَةُ «وَيَتَجَنَّبُها الأَشقى». والمَوصولَةُ «مَن» في الأُولى تَفتَحُ البابَ على كُلِّ مَن خَشِي، والمُعَرَّفُ «الأَشقى» في الثّانِيَةِ يُحَدِّدُ مَوقِفاً بِأَدَقِّ ما يُمكِن، والخَشيَةُ تَفتَحُ والشَّقاءُ يُغلِق.

والصّيغَتانِ المُتَوازِيَتانِ كذلك تَدُلُّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما على فِعلٍ مَقصود، فـ«يَذَّكَّر» أَصلُه «يَتَذَكَّر» على تَفَعَّل، و«يَتَجَنَّب» على تَفَعَّل، وكِلا الفِعلَينِ يَنبَعِثُ مِن داخِلِ الفاعِل: الذِّكرى لا تُفرَضُ على القَلب، والتَّجَنُّبُ لا يَقَعُ بِالصُّدفَة، وكُلُّ قَلبٍ يَفعَلُ ما هو في وُسعِه.


حَصيلة

وتعطفُ الواوُ الطرفَ المقابل: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. و«يَتَجَنَّبُ» على وزنِ يَتَفَعَّلُ من -ج-ن-ب-، وهو يجعلُ الفاعلَ يأخذُ جانباً مختلفاً عن جانبِ الشيءِ بفعلٍ مقصود، فهو صرفُ من صرفَ نفسَه بجُهد، ولم يُرَدْ به غفلةُ من لم يسمع. والتجنُّبُ أدقُّ من التركِ والإعراض، والأشقى يختارُ أن يكونَ بجانبٍ آخرَ من الذكرى وهو غيرُ ناسٍ لها. و«الأَشقى» من -ش-ق-و- على وزنِ التفضيل، فهو شقيٌّ، وقد بلغَ في الشقاءِ أقصاه فكانَ الأشقى، والشقاءُ الجهدُ الذي لا يأتي بما ينبغي والكَدحُ الذي يُتعِبُ ولا يُثمِر. والأشقى ليسَ في راحة، لكنّ تعبَه في غيرِ موضعٍ يُثمِر. والطرفانِ في هذه الآيةِ والسابقةِ كلاهُما فعلٌ وإرادة: من يَخشى يَتَذَكَّرُ بفعلِه، ومَن يَتَجَنَّبُ يتجنَّبُ بفعلِه، ولا ينزلُ شيءٌ على أيٍّ منهما بغيرِ موقفٍ منه.