الليل · الآية 17

﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى

«سَيُجَنَّبُها»: التَّجنيبُ كَمُقابِلٍ لِلصِّلاء

الفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهول. الفاعِلُ مَحذوف، لكنَّه مَعروفٌ مِنَ السِّياق: المُتَكَلِّمُ هُوَ الذي يُجَنِّب. السينُ سينُ التَّنفيس، تَدُلُّ على المُستَقبَلِ القَريب. وَ«ها» ضَميرُ الغائِبِ المُؤَنَّثِ يَعودُ على «نَاراً تَلَظَّى» في الآيةِ الرابِعَةَ عَشرَة. الفِعلُ يَتَّصِلُ بِالنّارِ التي ذُكِرَت قَبلَه.

وَالجِذرُ ج-ن-ب يَدُلُّ على الجَنبِ والجانِب. ومنه «جَنَّبَه الأَمرَ» إذا أَبعَدَه عَنه إلى جانِبٍ آخَر. وَالتَّجنيبُ هُنا حَركَةُ إبعادٍ مِن خارِجٍ يُمارَسُ على المُتَجَنِّب. الإنسانُ لا يُجَنِّبُ نَفسَه؛ يُجَنَّبُ. وَفي اختيارِ هذه الصِّيغَةِ بَلاغَةٌ: الأَتقى لا يَستَطيعُ بِنَفسِه أَن يُبعِدَ نَفسَه عَن النّار، لكنَّ تَقواهُ تَستَدعي مَن يُبعِدُه عَنها.

«الأَتقى»: الذُّروَةُ في الجِهَةِ الأُخرى

«الأَتقى» مِنَ الجِذرِ و-ق-ي، الجِذرِ الذي وَرَدَ في الآيةِ الخامِسَة: «أَعطى وَاتَّقى». هُناكَ كانَ الفِعلُ في الماضي. هُنا الصِّيغَةُ صيغَةُ تَفضيل: مَن بَلَغَ التَّقوى غايَتَها. كَما كانَ «الأَشقى» مَن بَلَغَ الشَّقاءَ غايَتَه، فَالأَتقى مَن بَلَغَ التَّقوى غايَتَها.

وَفي اختيارِ الصِّيغَةِ المُذَكَّرَةِ في «الأَتقى» (مَع كَونِ «الأَشقى» كَذلِكَ) دَلالَة. الكَلِمَتانِ مُذَكَّرَتانِ في تَركيبِ صيغَةِ التَّفضيل. لا تَخصيصَ بِفَردٍ مُسَمَّى، ولا أَيضاً اختيارٌ لِلصورَةِ المُؤَنَّثَةِ (التي تَكَرَّرَت في الغايات: الحُسنى، اليُسرى، العُسرى). صيغَةُ التَّفضيلِ هُنا في صورَتِها العامَّة، تَدخُلُ فيها كلُّ مَن انطَبَقَت عَلَيه الصِّفَتانِ اللَّتانِ ستُذكَرانِ في الآيةِ التاليَة.

المُقابَلَةُ التامَّةُ مَع «لا يَصلاها إلّا الأَشقى»

الآيَتانِ ١٥ و١٧ تَكَوِّنانِ مَنظومَةً مُتَكامِلَة:

لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى

المَفعولُ ضَميرٌ واحِد: «ها» (النّار). الفِعلانِ يُقابِلانِ: «يَصلى» (يَلتَصِقُ بِها) / «يُجَنَّب» (يُبعَدُ عَنها). الفاعِلانِ يُقابِلانِ: «الأَشقى» / «الأَتقى». التَّوازي مَوزونٌ بِدِقَّةٍ كامِلَة. لَكِنَّ ثَمَّةَ فَرقاً دَقيقاً: الأَوَّلُ في صيغَةِ النَّفيِ والاستِثناء («لا ... إلّا»)، والثاني في صيغَةِ الإثبات. الأَشقى مَحصورٌ في الصِّلاء؛ الأَتقى مُثبَتٌ في التَّجنيب. كَأَنَّ الجَزاءَ في الجِهَةِ الأُولى يَدفَعُ، والجَزاءَ في الجِهَةِ الثانيَةِ يَجذِب.

وَفي بِنيَةِ الفِعلَين فَرقٌ آخَر. «يَصلى» فِعلٌ مَعلومٌ، فاعِلُه «الأَشقى» نَفسُه. هُوَ الذي يَفعَلُ. أمّا «يُجَنَّب» فَمَبنيٌّ لِلمَجهول، الفِعلُ مُمارَسٌ مِن خارِج. الأَشقى يَصلى نَفسُه (الفِعلُ صادِرٌ مِنه)، والأَتقى يُجَنَّب (الفِعلُ صادِرٌ مِن غَيرِه). الفَرقُ يَكشِفُ شَيئاً عَميقاً: مَن سارَ بِنَفسِه إلى الصِّلاءِ يَستَقبِلُ صِلاءَ نَفسِه. مَن جَعَلَ بَين نَفسِه والانحِرافِ حاجِزاً يُوضَعُ بَينَه وبَين النّارِ حاجِزٌ خارِجي. التَّقوى تَستَدعي تَجنيباً مِن خارِج.


حَصيلة

القُطبُ الأوَّلُ يَعودُ بِاسمٍ جَديد: «الأَتقى». الجِذرُ و-ق-ي في صيغَةِ التَّفضيل. «سَيُجَنَّبُها» بناءٌ للمَجهول: هو لا يُبعِدُ نَفسَه، بل يُبعَدُ عنها. الفاعِلُ الحَقيقيُّ هو مَن يُجَنِّبُه. والتَّجنيبُ ليس مُجَرَّدَ سَلامَة، بَل مَناسَبَةٌ بَين المَصيرِ والفِعل: مَن جَنَّبَ نَفسَه الشُّحَّ جُنِّبَ النَّار.