الإسراء · الآية 83

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا

شَرطانِ مُتَقابِلانِ وإنسانٌ واحِد

«إِذَا» ثُمَّ «إِذَا» ظَرفانِ لِما يَقَعُ لا لِما يُفتَرَض، فالمَقولُ في الحالَتَينِ خَبَرٌ عن واقِعٍ يَتَكَرَّرُ لا عن احتِمالٍ يُقَدَّر.

والمَوصوفُ واحِدٌ لا اثنان: «الْإِنسَانِ» بِالتَّعريف، ثُمَّ ضَميرٌ يَعودُ عَلَيه في الشَّطرِ الثّاني، فهو إنسانٌ واحِدٌ في حالَينِ مُتَقابِلَتَين، لا صِنفانِ من النّاس، ومَن قَسَمَ الآيةَ صِنفَينِ فقد فَكَّ ضَميراً مَوصولاً.

فاعِلٌ يُسَمّى وفاعِلٌ لا يُسَمّى

وفي الشَّرطِ الأوَّلِ فاعِلٌ مُصَرَّحٌ بِه في «أَنْعَمْنَا»، وفي الثّاني لا يُذكَرُ أحَدٌ وَراءَ الفِعل، ويُسنَدُ الفِعلُ إلى «الشَّرُّ» نَفسِه في «مَسَّهُ الشَّرُّ».

ومَحَلُّ النَّظَرِ هُنا أنَّ النِّعمةَ تُنسَبُ إلى مُنعِم، والشَّرَّ يُترَكُ فاعِلاً بِلا مَن وَراءَه، والآيةُ لا تَزيدُ على هذا حَرفاً، فيُقرَأُ التَّفاوُتُ ولا يُملَأُ الصَّمتُ الذي فيه.

«أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ»: نِعمةٌ تَقَعُ فَوق

وجاءَ الحَرفُ «عَلَى» دونَ «إلى» واللّام، فالنِّعمةُ تَنزِلُ فَوقَ صاحِبِها فتَقَعُ عَلَيه وُقوعَ ما يُغَشّي. وجَذرُها ن-ع-م، وأصلُه انبِعاثٌ يَظهَرُ من عُمقٍ ثُمَّ يَستَرسِلُ فيَلينُ مَوقِعُه، ومنه ما يُقالُ لِلعَيشِ إذا لانَ ولِلثَّوبِ إذا رَقَّ مَلمَسُه.

فالمَوصوفُ هُنا مَغمورٌ بِلَيِّنٍ اسْتَرسَلَ عَلَيه، وما يُغَشّي المَرءَ لَيِّناً قد يُنسيهِ الجِهةَ التي نَزَلَ منها.

«أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ»: فِعلانِ كِلاهُما في الجانِب

والجَوابُ فِعلانِ لا فِعلٌ واحِد، وكِلاهُما يَدورُ على الجانِبِ دونَ الوَجه.

و«أَعْرَضَ» على وَزنِ أفعَلَ من ع-ر-ض، أي جَعَلَ عُرْضَه إلى مَن يُقابِلُه، والعُرْضُ من الشَّيءِ جانِبُه دونَ وَجهِه، فالمُعرِضُ لم يَذهَبْ بَعدُ، وقد أدارَ ما يُلاقي بِه غَيرَه، وهذا أوَّلُ الحَرَكة: تَحويلُ الجِهةِ وهو في مَكانِه.

ثُمَّ «نَأَىٰ» من ن-أ-ي، وأصلُه انبِعاثٌ يَنقَطِعُ عن مَوضِعِه ثُمَّ يَمتَدُّ بُعداً، فبَعدَ إدارةِ الجِهةِ يَقَعُ الانقِطاعُ ثُمَّ المَسافة، في تَرتيبٍ مَحفوظ: يُحَوِّلُ أوَّلاً، ثُمَّ يَنفَصِل، ثُمَّ يَبعُد.

وأوثِرَ «بِجَانِبِهِ» على «ونَأى عن جانِبِه» وعلى «نَأى بِنَفسِه»، والباءُ تَصحَبُ المَجرورَ مَعَ الفاعِل، فالجانِبُ يَمضي مَعَه، وقد حَمَلَ ما كانَ يُقَدِّمُه إلى غَيرِه وذَهَبَ بِه. والجَذرُ ج-ن-ب صَفحةٌ تَحتَوي ما تَحتَها وتُلاصِقُ ما بِجِوارِها مُلاصَقةً لا دُخولَ فيها، ومنه «الأجنَبيّ»، وهو المُلاصِقُ الذي لا يَدخُل.

وقد وَرَدَ «جانِب» في هذه السّورةِ قَبلَ هذا المَوضِعِ مُضافاً إلى الأرضِ لا إلى إنسان، في جَانِبَ الْبَرِّ﴾، وكانَ الجانِبُ هُناكَ ما يُمكِنُ أن يُخسَفَ بِالنّاسِ فيه، فالكَلِمةُ التي كانَت مَوضِعاً يَنهارُ تَحتَ القَدَمِ تَعودُ هُنا مِلكاً يُحمَلُ ويُبعَدُ بِه، واللَّفظُ واحِدٌ في المَوضِعَين، والقارِئُ يَقِفُ عِندَ هذا التَّجاوُرِ ولا يَزيد.

«وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا»: جَوابٌ لا حَدَثَ فيه

وقد أجابَ في الحالةِ الأولى بِفِعلَين، وجَوابُ الثّانيةِ «كَانَ يَئُوسًا»، ناسِخٌ وخَبَرٌ لا فِعلَ حَدَثٍ فيه، والنِّعمةُ حَرَّكَتْه، والشَّرُّ قَرَّرَ فيه حالاً ولم يُحَرِّكْه.

و«مَسَّهُ» من م-س-س، وأصلُه تَلاصُقٌ كَثيفٌ يَسري في المَحَلِّ ويُحيطُ بِه. والسّورةُ قالَت هذا الفِعلَ بِعَينِه من قَبلُ في وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾، وكانَ الجَوابُ هُناكَ إعراضاً بَعدَ نَجاةٍ ثُمَّ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾، فالقِطَعُ نَفسُها، واختَلَفَ تَرتيبُها: هُناكَ مَسٌّ ثُمَّ نَجاةٌ ثُمَّ إعراض، وهُنا نِعمةٌ ثُمَّ إعراض، ومَسٌّ ثُمَّ يَأس.

و«يَئُوسًا» على فَعُولٍ من ي-أ-س، وأصلُه انقِطاعُ ما كانَ مَمدوداً ثُمَّ ضيقٌ يَحصُرُ صاحِبَه فيما بَقِي، وهي صيغةُ السّورةِ حينَ تُثَبِّتُ طَبعاً، كما في وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ ووَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾، وقد جاءَت قَبلَها بِآيَتَينِ على غَيرِ ذي نَفسٍ في إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فهُما مَوضِعانِ مُتَقارِبان، في كِلَيهِما «كانَ» ثُمَّ فَعُول.


حَصيلة

ظَرفانِ لِما يَقَعُ لا لِما يُفتَرَض، ومَوصوفٌ واحِدٌ بِالتَّعريفِ ثُمَّ بِضَميرٍ يَعودُ عَلَيه، فالحالانِ لِإنسانٍ واحِدٍ لا لِصِنفَين. وفي الأوَّلِ فاعِلٌ يُسَمّى، وفي الثّاني فاعِلٌ لا يُذكَرُ وَراءَه أحَد، ويُقرَأُ التَّفاوُتُ ولا يُملَأ. والنِّعمةُ تَقَعُ «عَلَى» فتُغَشّي، وجَذرُها لَيِّنٌ مُستَرسِل، والجَوابُ عنها فِعلانِ كِلاهُما في الجانِبِ لا في الوَجه: إدارةُ ما يُلاقي بِه غَيرَه وهو ثابِت، ثُمَّ انقِطاعٌ يَمتَدُّ بُعداً. والباءُ في «بِجَانِبِهِ» لِلمُصاحَبة، فالجانِبُ يَمضي مَعَه لا عنه، وقد كانَ «جانِب» في هذه السّورةِ مَوضِعاً من الأرضِ يُخسَفُ بِمَن عَلَيه فصارَ هُنا مِلكاً يُحمَلُ ويُبعَدُ بِه. ثُمَّ يَنقَلِبُ البِناءُ في الشَّطرِ الثّاني، فالجَوابُ ناسِخٌ وخَبَرٌ خالٍ من فِعلِ الحَدَث، والنِّعمةُ أخرَجَت منه حَرَكةً، والشَّرُّ أقامَ فيه حالاً ولم يُخرِجْ منه شَيئاً. ومَسُّ الشَّرِّ تَلاصُقٌ كَثيفٌ يَسري ويُحيط، واليَأسُ انقِطاعُ المَمدودِ وانحِصارُ صاحِبِه فيما بَقِي. فالذي لم يَحتَمِلْ ما نَزَلَ فَوقَه لَيِّناً لم يَحتَمِلْ ما لاصَقَه شَديداً، والحالانِ يَشتَرِكانِ في شَيءٍ واحِد، فهو في كِلتَيهِما لا يَنظُرُ إلى الجِهةِ التي جاءَ منها ما نالَه.