الخَيبة
انصِرافٌ بَعدَ سَعيٍ مَمدودٍ بِلا شَيءٍ في اليَد. لَيسَت الخَيبةُ نُقصانَ الحَظِّ ولا سوءَ الحال، بَل انكِشافَ الخَواءِ عِندَ مُنتَهى الطَّلَب.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- خ: مَضيقٌ يَختَرِقُهُ النَّفَسُ جارِياً خَشِناً فيُخَلخِلُ ما
يَمُرُّ فيهِ ويُنقِصُه. شِحنَتُه: اختِراقٌ يُخَلخِلُ ويَنقُص.
- ي: اقتِرابٌ لَيِّنٌ لا حَبسَ فيه، يَسري الصَّوتُ في مَجراهُ
ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً. شِحنَتُه: امتِدادٌ سارٍ بِلا حَبس.
- ب: احتِباسٌ بَينَ الشَّفَتَينِ يَنفَتِحُ عَنه. شِحنَتُه:
احتِباسٌ يَنفَتِحُ عَن خُروج.
النَّواةُ خي (خ + ي) = تَخَلخُلٌ يَمتَدّ: ما اختَرَقَتْهُ الخاءُ لَم يَمتَلِئ، ثُمَّ سَرَتْ بِهِ الياءُ في الزَّمَنِ سَرَياناً لَيِّناً لا يَحبِسُه. فالنَّواةُ فَراغٌ لا يَقِفُ عِندَ لَحظَتِه بَل يُصاحِبُ الجارِيَ في طَريقِه كُلِّه.
والإغلاقُ بـب يَختِمُ هذا الامتِدادَ بِانفِتاحٍ إلى الخارِج: فما امتَدَّ مُتَخَلخِلاً يَخرُجُ آخِرَ الأمرِ ظاهِراً لِصاحِبِه. لِذلكَ يَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: سَعيٌ يَمتَدُّ وهو خالٍ، حَتّى يَنكَشِفَ خَواؤُهُ عِندَ الخُروج.
ومنه في كَلامِ العَرَب: خابَ السَّهمُ إذا مَضى ولَم يُصِب، وخابَ الزَّندُ إذا قُدِحَ ولَم يورِ، والخائِبُ الرّاجِعُ بِغَيرِ ما خَرَجَ لَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: طَلَبٌ يَمتَدُّ فيَنقَلِبُ صاحِبُهُ صِفرَ اليَدَين.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- خَائِبِينَ (اسمُ فاعِلٍ جَمعاً مَنصوباً على الحال)، ٣:١٢٧:
الوَزنُ يَجعَلُ الخَيبةَ وَصفاً لاصِقاً بِالفاعِلِ ساعةَ انقِلابِه، لا حَدَثاً يَقَعُ عَلَيه.
- خَابَ (ماضٍ لازِمٌ فاعِلُهُ اسمٌ مَوصولٌ عامّ)، ٢٠:٦١
و٢٠:١١١ و٩١:١٠: الماضي مَسبوقاً بِـ«قَد» في مَواضِعِهِ الثَّلاثةِ كُلِّها، فالحَدَثُ مَفروغٌ منهُ مُقَرَّر.
لا يُكتَبُ لِلجَذرِ في المَنشورِ مُضارِعٌ ولا مَصدَرٌ ولا أمر: هو إمّا وَصفٌ يَلحَقُ الرّاجِعَ، وإمّا خَبَرٌ تَمَّ.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الخَواءُ بَعدَ الامتِداد، من الحُروف.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشور. والصّيغَتانِ وَجهانِ لِحَدَثٍ واحِد: الوَصفُ يُصَوِّرُ الحالَ عِندَ الرُّجوع، والفِعلُ يُثبِتُ الحُكمَ بَعدَ تَمامِه. ويَتَمَيَّزُ الجَذرُ عَمّا يُجاوِرُه في المَعنى بِأنَّ الخُسرانَ نَقصٌ في رَأسِ المال، والخَيبةَ خُلُوُّ اليَدِ ممّا خُرِجَ لِأجلِه، فقَد يَخيبُ مَن لَم يَنقُصْ لَهُ شَيء.
المَواضع: مَواقعُ الخَيبةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٢٧ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ
الجَذرُ المُصحَفَ اسمَ فاعِلٍ حالاً بَعدَ فاءِ التَّعقيب، فهوَ وَصفُ القَومِ في لَحظةِ رُجوعِهِم لا وَصفُ ما نَزَلَ بِهِم. والآيةُ تَجعَلُهُ إحدى غايَتَينِ لِلأمر: إمّا قَطعُ طَرَفٍ وإمّا كَبتٌ يَعقُبُهُ انقِلابٌ خائِب. فالخَيبةُ هُنا لا تَقَعُ على الطَّريقِ بَل عِندَ مُنتَهاه، وهو ما تُعطيهِ الحُروف: امتِدادٌ يَنكَشِفُ خالِياً عِندَ الخُروج. انظُر النَّصر.
- ٢٠:٦١ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾: الجَديدُ: الجَذرُ
يَنتَقِلُ من وَصفِ جَماعةٍ بِعَينِها إلى فِعلٍ ماضٍ فاعِلُهُ «مَن» العامّة، فيَصيرُ قاعِدةً لا خَبَرَ واقِعة. ويُسَمّى لِلمَرّةِ الأولى ما يَملَأُ السَّعيَ فيَبقى خاوِياً: الافتِراءُ على الله. وقَبلَهُ في الآيةِ نَهيٌ ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، فالخَيبةُ مَذكورةٌ في مَقامِ التَّحذيرِ قَبلَ الوُقوع. انظُر الكَذِب.
- ٢٠:١١١ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾: الجَديدُ: الصّيغةُ
هيَ هيَ والقَيدُ يَتَبَدَّل: من قَولٍ يُفتَرى إلى ثِقلٍ يُحمَل. فالسَّعيُ الخاوي يَملَؤُهُ مَرّةً ما يُقال، ومَرّةً ما يُحمَل، والنَّتيجةُ واحِدة. وتَقَعُ الجُملةُ بَعدَ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾، فيُؤَرَّخُ انكِشافُ الخَواءِ بِمَوقِفِ العُنُوِّ لا بِمَعرَكةٍ في الدُّنيا. انظُر الظُّلم.
- ٩١:١٠ ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾: الجَديدُ: القَيدُ يَنقَلِبُ
إلى داخِل: لا قَولٌ يُفتَرى ولا ظُلمٌ يُحمَل، بَل النَّفسُ نَفسُها يَدُسُّها صاحِبُها. وهُنا وَحدَها تُقابَلُ الخَيبةُ بِضِدِّها في نَسَقٍ واحِد، إذ سَبَقَتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ بِالبِناءِ نَفسِه: «قَد» ثُمَّ ماضٍ ثُمَّ «مَن» ثُمَّ فِعلٌ عائِدٌ على النَّفس. فالفَلاحُ تَنمِيةٌ تُظهِرُ، والخَيبةُ إخفاءٌ يُخَلخِل، وكِلاهُما يَقَعُ على الشَّيءِ الواحِد. انظُر الفَلاح والدَّسّ والتَّزكية.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
falah: ٩١:١٠ تَضَعُ الخَيبةَ في مُقابَلةِ الفَلاحِ بِبِناءٍ
لَفظِيٍّ واحِد، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَينِ حُكمانِ على نَفسٍ واحِدةٍ لا على حالَينِ مُختَلِفَتَين.
dassa: ٩١:١٠ تُسَمّي الدَّسَّ سَبَبَ الخَيبة: ما دُفِنَ
لا يُثمِر، فيَعودُ صاحِبُهُ خالِياً.
kadhib: ٢٠:٦١ تَقرِنُ الخَيبةَ بِالافتِراء، فالكَذِبُ
يَملَأُ السَّعيَ في الظّاهِرِ ويُبقيهِ خاوِياً في الحَقيقة.
dhulm: ٢٠:١١١ تَجعَلُ الظُّلمَ حِملاً، فيَجتَمِعُ الثِّقَلُ
في الظَّهرِ والخَواءُ في اليَد.
khusran: الجَذرانِ يَتَجاوَرانِ ولا يَتَطابَقان: الخُسرانُ
ذَهابُ ما كانَ، والخَيبةُ فَقدُ ما طُلِبَ ولَم يَكُنْ قَطُّ.
nasr: ٣:١٢٧ تُدرِجُ الانقِلابَ الخائِبَ في مَشهَدِ النَّصر،
فيَظهَرُ أنَّ خَيبةَ طَرَفٍ هيَ الوَجهُ الآخَرُ لِتَأييدِ طَرَف.
الإشكالات المَفتوحة
- لِماذا لا يُكتَبُ لِلجَذرِ مُضارِعٌ في المَنشور؟ الحُروفُ
تُعطي الانكِشافَ عِندَ المُنتَهى، والمُضارِعُ يَصِفُ حَدَثاً في جَرَيانِه. فالمَوضِعُ الذي تُعرَفُ فيهِ الخَيبةُ هو مَوضِعُ التَّمام، ولِذلكَ لَزِمَتها «قَد» مَعَ الماضي في كُلِّ مَواضِعِها.
- هل الخَيبةُ حُكمٌ يَنزِلُ أم حالٌ تَنكَشِف؟ ٣:١٢٧ تَجعَلُها
حالاً لِلمُنقَلِب، والمَواضِعُ الثَّلاثةُ الباقيةُ تَجعَلُها خَبَراً مُقَرَّراً على فاعِلٍ سَمّاهُ فِعلُه. والقِراءةُ من الحُروفِ تُرَجِّحُ الانكِشاف، لأنَّ الخَواءَ كانَ قائِماً في السَّعيِ من أوَّلِه، ولَكِنَّ المَسألةَ تَبقى مَفتوحةً ما دامَ الجَذرُ لَم يُنشَر إلّا في هذَينِ البِناءَين.