آل عمران · الآية 127

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ

«لِيَقْطَعَ طَرَفًا»: الغايةُ تَتَّجِهُ إلى جزءٍ لا إلى الكُلّ

تَفتَحُ اللّامُ غايةً للنَّصرِ المَحصورِ عندَ الله: ليقطع. والقَطعُ من ق-ط-ع، وهو عَقدٌ يَنطَبِقُ عَريضاً ثمّ يَظهَرُ من العُمقِ في انفِصال، فيَفصِلُ ما كانَ متَّصلاً. ومفعولُه «طرفاً» نَكِرة، دونَ الجَمعِ كلِّه، والطَّرفُ من ط-ر-ف إطباقٌ عَريضٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَفتَحُ شَقّاً عندَ النِّهاية، فيَحمِلُ جانباً أو حافّة. والتَّنكيرُ يَمنَعُ تَحويلَ الغايةِ إلى استِئصالٍ شاملٍ لم يَنطِق به النصّ.

«مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا»: القَطعُ يُصيبُ طَرَفاً لا كُلّاً

و«من» بعدَ «طرفاً» تُصرِّحُ بأنَّ المقطوعَ جزءٌ من الذين كفروا. والاسمُ الموصولُ يَربِطُ الحُكمَ بصِلةِ الكُفرِ التي وقعت منهم، ولا يُعطيهم هُويّةً موروثة. والكُفرُ من ك-ف-ر كَتمٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في الحَجب. واجتِماعُ «طرفاً» و«من» وسِمةِ الموصولِ يُقيمُ ثلاثةَ حدود: جزءٌ لا كلّ، ومن جماعةٍ لا مطلقُ الناس، وجماعةٌ عُرِّفَت بفِعلِها لا بنَسَبِها.

«أَوْ يَكْبِتَهُمْ»: التَّخييرُ في الغايةِ يَفتَحُ قَمعاً داخليّاً

ثمّ تَعطِفُ «أو» غايةً ثانيةً على القَطع: أن يَكبِتَهم. والكَبتُ من ك-ب-ت كَتمٌ يَحتَبِسُ تحتَ ضَغطٍ ثمّ يَنطَبِقُ في قَطعٍ وتَمام، فيَرُدُّ الحَرَكةَ إلى داخلٍ مَقهور. والضميرُ يَعودُ إلى الذين كفروا، غيرَ أنَّ الفِعلَ غيرُ مُساوٍ للقَطع، فهو إيقافٌ للاندِفاعِ وإذلالٌ للمَقصِد. و«أو» تَحفَظُ اختلافَ الطَّريقَينِ إلى النَّتيجةِ الآتية: قَطعٌ يُنقِصُ طَرَفاً من الجَمع، وكَبتٌ يَرُدُّ الجَمعَ كلَّه إلى داخِلِه من غيرِ نَقص، وكلاهما مُسنَدٌ إلى الفاعِلِ الذي فَتَحَت له اللّامُ في «ليقطع».

«فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ»: النَّتيجةُ رُجوعٌ يَحمِلُ خَيبةً مستمرّة

والفاءُ تَربِطُ القَطعَ أو الكَبتَ بالنَّتيجة: ينقلبوا. والانقِلابُ من ق-ل-ب عَقدٌ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يَتَّصِلُ بوجهٍ تالٍ، وصيغةُ الانفعالِ تَحمِلُ وقوعَ التَّحوُّلِ عليهم ورُجوعَهم عن وِجهتِهم. و«خائبين» حالٌ من خ-ي-ب، ومعناه سَعيٌ يَمتَدُّ وفي باطِنِه فَراغٌ لا يُرى، ثمّ يَنفَتِحُ عِندَ آخِرِه فيَخرُجُ صاحِبُه مِنه خالِيَ اليَد، فيَنتَهي السَّعيُ إلى غَيرِ مَقصِده، واسمُ الفاعِلِ يَحمِلُ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في الخَيبةِ وقتَ الانقِلاب.


حَصيلة

تَفصِلُ الآيةُ غايةً من غاياتِ النَّصرِ بحدودٍ دقيقةٍ ظاهرةٍ في لَفظِها. والقَطعُ يَقَعُ على طَرفٍ من الذين عُرِّفوا بفِعلِ الكُفر، أو يَقَعُ عليهم الكَبتُ الذي يَردُّ اندِفاعَهم، ثمّ تَجتَمِعُ الطريقانِ في انقلابٍ يَحمِلُ حالَ الخَيبة. والتَّبعيضُ ثابتٌ صراحةً في «طرفاً من»، والفِعلُ ثابتٌ في صِلةِ الموصول، والنَّتيجةُ التي انتَهى إليها اللفظُ رُجوعٌ في حالِ خَيبة، وليست بُلوغَ مَقصِد، وبهذا يَبقى الحُكمُ على مِقدارِ النَّظمِ الدقيق.