طه · الآية 111

﴿۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا

«وَعَنَتِ الْوُجُوهُ»: الانقِيادُ يُنسَبُ إلى ما يُقابَلُ بِه

فِعلٌ ماضٍ ثُمَّ فاعِلٌ مُعَرَّف. لا مُنادى في السَّطرِ ولا مُخاطَب.

و«عَنا» في ع-ن-و انقِيادُ المَقبوضِ لِقابِضِه. ومنه «العاني» الذي صارَ في يَدِ غَيرِه فلَيسَ لَه من أمرِ نَفسِه شَيء.

والفاعِلُ «الْوُجُوه» لا أصحابُها. والوَجهُ في و-ج-ه ما يَبرُزُ من الجُملةِ فيُقابَلُ بِه، فهو أرفَعُ ما يُرفَعُ وأوَّلُ ما يُرى.

فالمَوضِعُ الذي يُقابَلُ بِه هو المَوضِعُ الذي انقاد. ولم يُقَلْ «عَنا النّاسُ» ولا «عَنَتِ الرِّقاب»: نُسِبَ الانقِيادُ إلى الواجِهةِ نَفسِها، فأتى على أعلى ما في القامةِ لا على أدناه.

والصّيغةُ ماضِيةٌ تُخبِرُ عن وُقوعٍ تَمّ. ويَجيءُ بَعدَها في السَّطرِ ماضٍ ثانٍ هو «خَابَ»، فالحَدَثانِ في زَمَنٍ واحِد.

«لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ»: لامٌ تَصِلُ الانقِيادَ بِجِهَتِه، ثُمَّ اسمانِ بِلا واو

اللّامُ لِلانتِهاء. لَو قيلَ «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ» ثُمَّ وُقِفَ لَبَقِيَ الانقِيادُ بِلا جِهةٍ يَنتَهي إلَيها، فجاءَتِ اللّامُ تُعَيِّنُها.

و«الحَيّ» من ح-ي-ي: سَرَيانٌ دائِمٌ في باطِنٍ يَحويه. فالاسمُ الأوَّلُ يَقولُ ما هو في نَفسِه.

ثُمَّ يَتلوهُ الاسمُ الثّاني بِلا واوِ عَطف. فهُما وَصفانِ لِمَوصوفٍ واحِد، لا مَعطوفانِ يَقتَضي أحَدُهُما غَيرَ الآخَر.

«الْقَيُّومِ»: سِجِلٌّ في المُعجَمِ يُوضَعُ هُنا في المِيزان

«القَيِّمة» مَفهومٌ قائِمٌ في مُعجَمِ هذا الكِتابِ لَه سِجِلُّه، وفيه أنَّ وَسَطَ الجَذرِ ق-و-م إحاطةٌ ورَبطٌ لا ارتِفاع، وأنَّ القِيامَ فيه مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، وأنَّ «قامَ» لِلمُنتَصِبِ فَرعٌ عن ذلك لا أصلُه. و«القَيُّوم» من هذا الجَذرِ على وَزنٍ يُضاعِفُ وَسَطَه ويُديمُه صِفةً لازِمة.

وهذا المَوضِعُ يُوافِقُ ذلك. والمُوافَقةُ من ثَلاثةِ وُجوهٍ كُلُّها في السَّطرِ نَفسِه.

الأوَّلُ أنَّ الحالَ المَوصوفةَ في صَدرِ الآيةِ انحِناءٌ لا انتِصاب: الوُجوهُ عَنَت. والاسمُ الذي عَنَت لَه هو عِلّةُ عُنُوِّها. ومَن أمسَكَ الجُملةَ فمِن شَأنِها أن تَنقادَ لَه، وأمّا المُنتَصِبُ فانتِصابُه قائِمٌ في نَفسِه لا يَقتَضي انقِيادَ أحَد.

والثّاني أنَّ الاسمَ الأوَّلَ احتِواءٌ في الباطِن. فإن كانَ الثّاني إمساكاً لِما سِواه انقَسَمَ الاسمانِ قِسمَينِ لا يَنوبُ أحَدُهُما عن الآخَر: سَرَيانٌ في الذّاتِ ثُمَّ إمساكٌ لِلجُملة. وإن كانَ الثّاني انتِصاباً لم يُقابِلْ في الأوَّلِ شَيئاً، فيَبقى الاسمانِ مَجموعَينِ بِلا قِسمة.

والثّالِثُ أنَّ شَطرَ السَّطرِ الآخَرَ كُلَّه في حَمل: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. فالآيةُ تَجمَعُ ماسِكَينِ اثنَين: واحِدٌ لا يَنفَرِطُ ما أمسَك، وواحِدٌ خَرَجَ من حِملِه خاوِياً. ولَو كانَ الاسمُ اسمَ انتِصابٍ لم يَلقَ في الشَّطرِ الثّاني ما يُقابِلُه.

ويَزيدُ المَوضِعُ على السِّجِلِّ شَيئاً: أنَّ حُروفَ الجَذرِ الثَّلاثةَ لَيسَ في واحِدٍ مِنها ارتِفاع. ق عَقدٌ في العُمق، وو إحاطةٌ ووَصل، وم ضَمٌّ وإمساك. فالانتِصابُ لا يَدخُلُ هذا الجَذرَ من حَرفٍ من حُروفِه، وإنَّما يَدخُلُ من المَعنى المَشهورِ لِـ«قامَ» ثُمَّ يُرَدُّ إلى الحُروفِ بَعدَ دُخولِه. وهذا السَّطرُ لا يَحتاجُه.

ويُقالُ مَعَ ذلك بِإنصاف: لَيسَ في لَفظِ الآيةِ ما يَرُدُّ الانتِصابَ رَدّاً، فهي لا تَنفيه. الذي فيها أنَّ قِراءةَ الإحاطةِ تَعمَلُ في السَّطرِ كُلِّه ومَعَ الاسمِ الذي قَبلَها والحَملِ الذي بَعدَها، وأنَّ قِراءةَ الانتِصابِ تَقِفُ عِندَ الاسمِ ولا تَبلُغُ ما حَولَه.

«وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا»: نَتيجةٌ تُقالُ قَبلَ صاحِبِها

واوٌ ثُمَّ «قَد» لِلتَّحقيق. أُكِّدَ الخَبَرُ قَبلَ أن يُعرَفَ مَن وَقَعَ عَلَيه.

و«خابَ» من خ-ي-ب: امتِدادُ سَعيٍ يَنتَهي إلى خَواء. والفِعلُ مُقَدَّمٌ على مَوصولِه، فالنَّتيجةُ أوَّلاً ثُمَّ تَعريفُ صاحِبِها بِعَمَلِه.

و«مَنْ» لا تُسَمّي أحَداً. لا فَريقَ في السَّطرِ ولا قَومَ ولا رَجُل.

و«حَمَلَ» من ح-م-ل: أخذُ الشَّيءِ في الباطِنِ ثُمَّ حَوزُه مُعَلَّقاً بِالآخِذ. فالظُّلمُ في الآيةِ لا يُفعَلُ فَحَسب، بَل يُحمَلُ ويُعَلَّقُ بِحامِلِه.

و«ظُلْمًا» نَكِرةٌ مَنصوبةٌ بِلا وَصفٍ ولا إضافة. لا يُبَيَّنُ نَوعُه ولا مَن وَقَعَ عَلَيه.

والظُّلمُ في ظ-ل-م غِشاوةٌ تُطبِقُ على الشَّيءِ فتُزيلُه عن حَدِّه. فالحامِلُ يَحمِلُ ما يَحجُبُ ولا يُغني، ولِذلك رَجَعَ بِلا شَيء.


حَصيلة

يَبدَأُ السَّطرُ بِانقِيادٍ لا يُنسَبُ إلى أصحابِه بَل إلى وُجوهِهِم، وهي أرفَعُ ما يُرفَعُ وأوَّلُ ما يُقابَلُ به، ثُمَّ تَصِلُ اللّامُ هذا الانقِيادَ بِجِهَتِه فلا يَبقى مُعَلَّقاً. والاسمانِ بَعدَها بِلا واو: «الحَيّ» سَرَيانٌ دائِمٌ في باطِنٍ يَحويه، و«القَيُّوم» من ق-و-م. وهُنا يُوضَعُ سِجِلُّ المُعجَمِ في المِيزان، وفيه أنَّ وَسَطَ هذا الجَذرِ إحاطةٌ ورَبطٌ لا ارتِفاع، وأنَّ القِيامَ فيه مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط. والسَّطرُ يُوافِقُه من ثَلاثةِ وُجوه: الحالُ المَوصوفةُ انحِناءٌ لا انتِصاب، والمُمسِكُ هو الذي يُنقادُ لَه دُونَ المُنتَصِبِ في نَفسِه؛ والاسمُ الأوَّلُ احتِواءٌ في الباطِنِ فيَنقَسِمُ مَعَ الثّاني قِسمَينِ إذا كانَ الثّاني إمساكاً لِما سِواه؛ وشَطرُ السَّطرِ الآخَرُ كُلُّه حَمل، فيَلتَقي في الآيةِ ماسِكانِ: واحِدٌ لا يَنفَرِطُ ما أمسَك، وواحِدٌ خَرَجَ من حِملِه خاوِياً. ويَزيدُ المَوضِعُ أنَّ حُروفَ الجَذرِ الثَّلاثةَ لَيسَ في واحِدٍ مِنها ارتِفاعٌ ألبَتّة: عَقدٌ في العُمق، فإحاطةٌ ووَصل، فضَمٌّ وإمساك. ولا تَنفي الآيةُ الانتِصابَ نَفياً، لكِنَّها لا تُعطيه عَمَلاً. وأمّا آخِرُ السَّطرِ فنَتيجةٌ مُؤَكَّدةٌ تُقالُ قَبلَ صاحِبِها: خَيبةٌ من خ-ي-ب هي امتِدادُ سَعيٍ يَنتَهي إلى خَواء، ثُمَّ يُعَرَّفُ صاحِبُها بِفِعلِه لا بِاسمِه، وفِعلُه حَملٌ لا مُجَرَّدُ صُنع، ومَحمولُه نَكِرةٌ لا تُوصَفُ ولا تُضاف. قَبضَتانِ في سَطرٍ واحِد: واحِدةٌ تُمسِكُ فلا يَنفَرِطُ ما فيها، وأُخرى تُحمَلُ فيَخرُجُ حامِلُها كما دَخَل.