الشمس · الآية 10
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«خاب»: انقِطاعُ الثَّمَرَةِ بَعد الانتِظار
«خاب» في العربيّةِ يَدُلُّ على فَقدِ ما كانَ مُنتَظَراً، على عَدَمِ بُلوغِ ما كانَ يُؤَمَّل. تَقولُ العَرَب: «خابَ سَهمُه» إذا لم يَصِب الرَّمِيَّةَ، و«خابَ ظَنُّه» إذا تَبَيَّنَ بِخِلافِ ما كانَ يَنتَظِر. الخَيبَةُ ضِدُّ التَّحقيق: مَن خابَ لم يَنَل ما كانَ يَنبَغي أن يَنالَه.
والآيةُ تَختارُ هذا اللَّفظَ بمُقابِلِ «أَفلَحَ» في الآيةِ التاسِعة. الفَلَّاحُ يَشُقُّ الأرضَ ويَنتَظِرُ الثَّمَرَة، فإن أَفلَحَ خَرَجَت ثَمَرَتُه. ومَن لم يَتَعَهَّد أرضَه أو دَفَنَ بَذرَتَها تَحتَ ما لا يَنبُتُ معه، لم يَخرُج لَه شَيء. وكلٌّ من الفَلاحِ والخَيبَةِ نَتيجةٌ لِما فَعَلَه صاحِبُ الأرض. النَّتيجَتانِ في الآيَتَين تابِعَتانِ لِفِعلَين مُتَضادَّين.
«دَسَّاها»: الإِخفاءُ تَحتَ ما لا يَنبَغي
الجذرُ (د-س-س) في العربيّةِ من معنى الإِخفاءِ تَحتَ شَيء، وَضعِ الشَّيءِ في ما لا يُرى. ومنه «دَسَّ السَّمَّ في الطَّعام» = أَخفاهُ فيه، و«تَدَسَّسَ» إلى المَكانِ دَخَلَه خُفيَة. والدَّسيسَةُ ما يُوضَعُ خِفيَةً ليَفعَلَ ما لا يُرى. والدَّسُّ بهذا المعنى لَيس مُجَرَّدَ التَّخفي، بَل وَضعٌ في مَوضِعٍ يَخفي ما يَنبَغي أن يَظهَر.
والصيغَةُ «دَسَّى» في الآيةِ بتَضعيفِ السين، صيغَةُ تَكثيرٍ ومُبالَغة: دَسٌّ مُكَرَّرٌ يَتَّسِعُ على كلِّ جُزءٍ من النَّفس. مَن دَسَّى نَفسَه دَفَنَها تَحتَ طَبَقَةٍ بَعد طَبَقَة، أَخفى ضَوءَها تَحتَ ما يَستُره. وفي مُقابِلَتِها لـ«زَكَّى» في الآيةِ السابقة، تَتَّضِحُ صورَتانِ مُتَضادَّتان. التَّزكِيَةُ نَزعُ ما يَستُرُ النَّفسَ ليَخرُجَ نَبتُها. والدَّسُّ وَضعُ ما يَستُرُها فيَموتَ نَبتُها قَبلَ أن يَخرُج.
المِيزانُ المُكتَمِل: زَوجُ الفَلاحِ والخَيبَة
الآيتانِ التاسِعَةُ والعاشِرَةُ تأتيانِ في زَوجٍ بَلاغيٍّ تامّ. كِفَّتانِ على نَسَقٍ واحدٍ تَقريباً، مُختَلِفَتانِ في فَعلٍ وفِعلٍ، مُتَّفِقَتانِ في الصيغة. الفُجورُ والتَّقوى المَوضوعانِ في النَّفسِ في الآيةِ الثامِنة، يَنشَطُ كلٌّ منهما في إحدى الكِفَّتَين. مَن انحَرَفَ إلى التَّقوى زَكَّى، فَأَفلَح. ومَن انحَرَفَ إلى الفُجورِ دَسَّى، فَخاب.
والإسنادُ في كِلتا الكِفَّتَين إلى «مَن» في صيغَةِ المَعلوم. لا فاعِلَ للتَّزكِيَةِ ولا للدَّسِّ غَيرُ صاحِبِ النَّفس. وفي هذا التَّقابُلِ تَأكيدٌ ضَروريٌّ على مَوقِعِ الإرادَة: لا أَحَدٌ يُجبَرُ على فَلاحٍ ولا على خَيبَة. الإلهامُ كَشَفَ الكِفَّتَين، والقَرارُ لِيَدِ صاحِبِ النَّفس.
والقارئُ الذي يَنطِقُ هذه الآيةَ يَجِدُ نَفسَه في مَواجَهَةٍ مَع نَفسِه. لا يَستَطيعُ أن يَلومَ أحَداً سِواه. ومَن أَلقى الكِتابَ خَلفَ ظَهرِه ولم يَتَعَهَّد نَفسَه بتَزكِيَة، خَيَّبَ ما كانَ في تَسوِيَتِه من قُدرَةٍ على الفَلاح.
حَصيلة
الكِفَّةُ الثانيةُ تَنزِلُ بِنَفسِ التَّأكيد: «قَد خابَ» يُوازي «قَد أَفلَح». الجِذرُ خ-ي-ب: الفَشَلُ في بُلوغِ المَقصود. «مَن دَسَّاها» أصلُه «دَسَّسَها» من الجِذرِ د-س-س: الإخفاءُ بِإِدخالٍ مُكَرَّر، دَفنُ الشَّيءِ تَحتَ ما يَسترُه. مَن دَسَّ نَفسَه خبَّأها تَحتَ ما لا يَنبَغي حتّى لا يَظهَرَ كَشفُها. والفاعِلُ هنا أيضاً صاحِبُ النَّفسِ، التَّكافُؤُ تامّ: مَن زَكَّى فَلَح، ومَن دَسَّ خاب. النَّفسُ أَمانَةٌ بَين يَدَي صاحِبِها.