اللَّيّ
**إمساكٌ يَنعَطِفُ بِما أمسَكَ فيَمضي بِه في غَيرِ مَجراه**. اللَّيُّ لَيسَ قَطعاً ولا إلغاءً ولا إخفاء: الشَّيءُ يَبقى مَمسوكاً حاضِراً ويُفتَلُ مَسارُه وَحدَه. ولِذلك جازَ أن يُذَمَّ وُقوعُه في مَوضِعٍ ويُذَمَّ انتِفاؤُه في مَوضِعٍ آخَر: العِبرةُ بِما لُوِيَ وبِمَن لُوِيَ عليه، لا بِاللَّيِّ نَفسِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، وحَرفا العِلّةِ في مَوضِعَينِ منها فهو ضَعيفٌ مَرَّتَين:
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ جَرَيانِ
الصَّوتِ مُنساباً مُمتَدّاً من جانِبَيِ اللِّسان، فيَمضي مُستَقِلّاً مُنحَرِفاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يُمسِكُ ثُمَّ يَمضي مُنحَرِفاً. والانحِرافُ في نَفسِ حَدَثِ النُّطقِ لا في تَأويلِه.
- و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من غَيرِ
سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. شِحنَتُه: عَقدٌ يُحيطُ ويَربِط.
- ي: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا حَبسَ
فيه، فيَسري الصَّوتُ مُمتَدّاً ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً إلى ما بَعدَه. شِحنَتُه: امتِدادٌ لَيِّنٌ يَنسابُ إلى ما بَعدَه.
النَّواةُ لَو (ل + و) = تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ في إحاطة: لا يُرسِلُ ما عَلِقَ بِه ولا يَقطَعُه، بَل يَلُفُّه على نَفسِه فيَنعَطِف. والإغلاقُ بِـي يَمُدُّ هذا الانعِطافَ لَيِّناً في مَسارٍ يَستَمِرّ، فلا يَبقى عُقدةً واقِفةً بَل فَتلاً ماضِياً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إمساكٌ يَنعَطِفُ بِالمَمسوكِ ويَستَمِرُّ بِه في وِجهةٍ أُخرى.
وأدَقُّ ما فيه أنَّ الإمساكَ شَرطُه: ما أُفلِتَ لا يُلوى، وما قُطِعَ لا يُلوى. اللَّيُّ يَقتَضي بَقاءَ الطَّرَفَينِ مَعاً، الماسِكِ والمَمسوك.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- لَوى الحَبلَ: فَتَلَه، أدارَ بَعضَه على بَعض. لا يُنقِصُ الحَبلَ ولا
يَقطَعُه، ويُغَيِّرُ صورَتَه وقُوَّتَه مَعاً.
- لَوى عُنُقَه والتَوى: عَطَفَه ورَدَّه إلى غَيرِ جِهَتِه.
- لَوى عليه: عَطَفَ عليه ووَقَفَ لَه. وهذا الوَجهُ يَقتَضي مَلوِيّاً
عليه لا مَلوِيّاً، فالانعِطافُ فيه نَحوَ أحَدٍ لا بِشَيء.
- لَواهُ حَقَّه: مَطَلَه. أمسَكَ الحَقَّ وأدارَه بِالمَواعيدِ فلا
يَجحَدُه ولا يُؤَدّيه، وهي صورةُ الجَذرِ كامِلةً في المُعامَلة.
- اللِّواء: الرّايةُ تُلوى على عودِها فتَثبُتُ عليه وتُعرَفُ بِه.
- الأَلوى: الشَّديدُ الخُصومةِ الذي يَلتَوي على خَصمِه فلا يُرسِلُه.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ل-و-ي: فَتلٌ يُبقي المَفتولَ مَمسوكاً. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ المَوضِعَينِ في القرآنِ ويُفَسِّرُ تَقابُلَهُما: في الأوَّلِ لَيٌّ واقِعٌ يُذَمُّ وُقوعُه، وفي الثّاني لَيٌّ مَنفيٌّ يُذَمُّ انتِفاؤُه. ولَو كانَ الجَذرُ يَحمِلُ في نَفسِه ذَمّاً لَما استَقامَ المَوضِعان. الذي يَحمِلُ الحُكمَ هو الحَرفُ الذي يُعَدّى بِه: باءٌ ومَفعولٌ بِه في الأوَّل («يَلوونَ ألسِنَتَهُم بِالكِتاب») فيَكونُ فَتلاً لِأداةٍ على شَيءٍ مَمسوكٍ في اليَد، و«على» وَحدَها في الثّاني («ولا تَلوونَ على أحَد») فيَكونُ انعِطافاً نَحوَ إنسان.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَلْوُونَ (مُضارِعٌ لِلغائبينَ مُتَعَدٍّ إلى مَفعولٍ بِه): مَوضِعٌ
واحِد، ومَفعولُه أداةُ النُّطقِ لا المَنطوقُ بِه، ومَعَه باءٌ تَحمِلُ الشَّيءَ الذي بَقِيَ مَمسوكاً.
- تَلْوُونَ (مُضارِعٌ لِلمُخاطَبينَ مَنفيٌّ لازِمٌ مُعَدّىً بِـ«على»):
مَوضِعٌ واحِد، ولا مَفعولَ لَه، فالفِعلُ يَتَّجِهُ إلى شَخصٍ ولا يَقَعُ على شَيء.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: المَوضِعانِ كِلاهُما مُضارِعٌ، وكِلاهُما لِجَماعةٍ
بِواوِ الجَماعة، وكِلاهُما في سورةٍ واحِدة. ولا ماضِيَ لِلجَذرِ في
المُسَجَّلِ ولا مَصدَرَ ولا اسمَ فاعِل. فالجَذرُ لا يَظهَرُ إلّا فِعلاً
قائِماً يَتَجَدَّدُ من جَماعة، ولا يَظهَرُ قَطُّ صِفةً ثابِتةً لِأحَد.
والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ في الحَرفِ لا في الوَزن، وهذا نادِرٌ فيما
سُجِّلَ من الجُذور.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
tawalli(التَّوَلّي، و-ل-ي): وهذا أدَقُّ الفُروقِ وأقرَبُها،
لِأنَّ الجَذرَينِ من الحُروفِ الثَّلاثةِ نَفسِها مُختَلِفةَ التَّرتيب. نَواةُ و-ل-ي «وَل» = وَصلٌ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ في قُرب، فالوَصلُ أوَّلٌ والتَّعَلُّقُ تابِعٌ لَه. ونَواةُ ل-و-ي «لَو» = تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ فيَنعَطِف، فالإمساكُ أوَّلٌ والوَصلُ تابِعٌ لَه يَلتَفُّ عليه. فمَن قَدَّمَ الوَصلَ على الإمساكِ كانَ وَلِيّاً، ومَن قَدَّمَ الإمساكَ على الوَصلِ كانَ لاوِياً. انظُر التَّوَلِّي.
tahrif(التَّحريف، ح-ر-ف): إمالةُ الشَّيءِ عن وَجهِه إلى حَرفِه
وطَرَفِه. والفَرقُ في المَحَلّ: التَّحريفُ فِعلٌ في الكَلِمة تُزاحُ عن مَركَزِها، واللَّيُّ فِعلٌ في اللِّسان يُفتَلُ وتَبقى الكَلِمةُ في مَوضِعِها. ولِذلك قيلَ «يُحَرِّفونَ الكَلِمَ» وقيلَ «يَلوونَ ألسِنَتَهُم»، فالمَفعولُ في كُلٍّ يُعَيِّنُ مَوضِعَ الخَلَل. انظُر التَّحريف.
kitman(الكِتمان، ك-ت-م): مَنعُ الشَّيءِ أن يَخرُج. واللَّيُّ
مُقابِلُه في الجِهَة: يُخرِجُ ولا يَمنَع، ويَزيدُ في المَسموعِ ولا يُنقِصُ منه. فالكاتِمُ يُسكِتُ ما في الكِتاب، واللّاوي يُنطِقُ ما لَيسَ فيه بِصَوتٍ يُشبِهُه. انظُر الكِتمان.
kadhib(الكَذِب، ك-ذ-ب): نِسبةُ صورةٍ غَيرِ ثابِتةٍ إلى مَحَلِّها.
واللَّفظانِ مُجتَمِعانِ في ٣:٧٨ نَفسِها، والفَرقُ بَيِّنٌ فيها: الكَذِبُ حُكمٌ على النِّسبةِ بَعدَ تَمامِها، واللَّيُّ وَصفٌ لِلأداةِ التي أُجرِيَت بِها. فأحَدُهُما يَصِفُ الطَّريقَ والآخَرُ يَحكُمُ على المُنتَهى. انظُر الكَذِب.
i3rad(الإعراض، ع-ر-ض): صَرفُ الوَجهِ إلى عُرضٍ آخَر. يَلتَقي مَعَ
اللَّيِّ في تَحويلِ الجِهَة، ويُفارِقُه في أنَّ المُعرِضَ يُخَلّي المَوضِعَ ويَذهَب، واللّاوي يَبقى مُمسِكاً بِما لَوى عليه. فالإعراضُ فِراقٌ واللَّيُّ إمساكٌ مَعَ التِواء.
المَواضع: مَواقعُ اللَّيِّ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:٧٨ ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: المَفعولُ المَلويُّ هو الألسِنة لا الكِتاب، والكِتابُ يَدخُلُ بِالباءِ لا بِالنَّصب. فالكِتابُ باقٍ في اليَدِ حاضِرٌ في المَجلِس، والمَفتولُ الأداةُ التي يُنطَقُ بِها وَحدَها. وهذا هو شَرطُ العَمَلِ لا تَفصيلاً فيه: لَو غابَ الكِتابُ لَما صَحَّ «لِتَحسَبوهُ من الكِتاب»، فالحيلةُ مَبنِيّةٌ على بَقاءِ الأصلِ ظاهِراً. والغايةُ المَذكورةُ تَقَعُ في السّامِعِ لا في المَكتوب («لِتَحسَبوه»): يُطلَبُ تَحويلُ حُسبانِ المُخاطَبِ لا تَحويلُ النَّصّ. ثُمَّ يُعَقَّبُ بِـ«ويَقولونَ على اللهِ الكَذِب»، فيُفصَلُ الفِعلُ عن الحُكمِ عليه. انظُر الكِتاب.
- ٣:١٥٣ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: الوَجهُ المُقابِل. الجَديدُ: الفِعلُ نَفسُه يَرِدُ مَنفِيّاً، ويَنتَقِلُ من فَريقٍ من غَيرِ المُخاطَبينَ إلى المُخاطَبينَ أنفُسِهِم، ومن التَّعدِيَةِ إلى مَفعولٍ بِه إلى «على» بِلا مَفعول. ومَعَ «على» يَصيرُ اللَّيُّ انعِطافاً نَحوَ إنسانٍ لا فَتلاً لِشَيء، فيُقرَأُ المَنفيُّ هُنا هو الوَجهُ الشَّريفُ من الجَذر. و«أحَدٍ» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفيِ فتَعُمّ: لا واحِدَ استُبقِيَ لَه شَيءٌ من الالتِفات. ويُقابِلُها «تُصعِدون»، وهي حَرَكةٌ مُستَقيمةٌ ماضِيَةٌ إلى أمام، فالآيةُ تَصِفُ خَطّاً لا انحِناءَ فيه ثُمَّ تُسَمّي الانحِناءَ الغائِبَ عنه بِاسمِه. انظُر الخَبير / الأخبار.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الكِتاب في ٣:٧٨: ذاكَ المَفهومُ يَقرَأُ تَكرارَ الاسمِ
ثَلاثاً في جُملةٍ واحِدةٍ ومَوضوعَها حَدُّ الكِتابِ نَفسُه، ما يَدخُلُ فيه وما لا يَدخُل. والذي يَبقى هُنا الأداةُ التي خُرِقَ بِها الحَدُّ والحَرفُ الذي أبقى الكِتابَ سَليماً حينَ خُرِق: باءٌ لا نَصب. فالحَدُّ يُخرَقُ من خارِجِه، ونَصُّه لا يُمَسّ.
- مَعَ الخَبير / الأخبار في ٣:١٥٣: ذاكَ المَفهومُ يَقرَأُ خِتامَ الآيةِ
ويَجعَلُ الخَبيرَ نُفوذاً إلى ما لا يُعرَفُ فاعِلُه في الزِّحام. ويُقرَأُ هُنا المَنفوذُ إليه: تَركُ الالتِفاتِ فِعلٌ سالِبٌ لا يُرى ولا يَشهَدُ عليه شاهِد، إذ لَيسَ فيه حَرَكةٌ تُبصَر. فهو أليَقُ ما يُختَمُ بِوَصفِ الخِبرة.
حَملِ الكِتاب، ولا يَتَداخَلُ منها اثنان: مَحَلُّ الكِتمانِ المَخرَج، ومَحَلُّ التَّحريفِ الكَلِمة، ومَحَلُّ اللَّيِّ اللِّسان. فيُقرَأُ الثَّلاثةُ سُلَّماً: مَنعٌ، فإزاحة، فإضافةٌ بِصَوتٍ يُشبِهُ الأصل.
مُتَتابِعةً (يَلوون، ثُمَّ يَقولون، ثُمَّ يَقولون)، فيَقَعُ اللَّيُّ مُقَدِّمةً لِلقَولِ لا قِسماً منه. ويُقرَأُ منها أنَّ العَمَلَ في الأداةِ يَسبِقُ العَمَلَ في المَعنى.
- مَعَ الرَّسول في ٣:١٥٣: الذي لم يُلوَ عليه أحَدٌ في المَشهَدِ
يُذكَرُ في الجُملةِ التَّالِيةِ داعِياً من الخَلف، فيَجتَمِعُ في المَوضِعِ نِداءٌ قائِمٌ والتِفاتٌ مُنتَفٍ.
الإشكالات المَفتوحة
- «لا تَلوونَ على أحَد»: أتَركُ التِفاتٍ أم تَركُ انتِظار؟ الوَجهانِ
في اللُّغة: لَوى عليه بِمَعنى عَطَفَ، ولَوى عليه بِمَعنى وَقَفَ لَه وانتَظَرَه. والقِراءةُ هُنا تَجمَعُهُما لِأنَّ الالتِفاتَ في مَوضِعِ الفِرارِ هو نَفسُه الوُقوف، ولا يَنفَصِلانِ في هذا المَشهَد. ولَو رُجِّحَ أحَدُهُما لَتَغَيَّرَ مَعنى «على» لا مَعنى الجَذر. مَفتوح.
- مَوضِعانِ اثنانِ فَقَط، وعليهِما بُنِيَ الفَرقُ بَينَ التَّعدِيَتَين.
القِراءةُ قامَت على أنَّ الباءَ تَصحَبُ اللَّيَّ في الأشياءِ و«على» تَصحَبُه في الأشخاص، وهذا مِمّا لا يُطَّرِدُ بِمَوضِعَين. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.
- الياءُ في هذا الجَذرِ أضعَفُ الحُروفِ إسناداً. وُجوهُها في
المُدَوَّنةِ الأصليّةِ مَوسومةٌ كُلُّها بِضَعفِ الإسناد، فما بُنِيَ عليها هُنا (امتِدادُ الفَتلِ في مَسارٍ يَستَمِرّ) أضعَفُ مِمّا بُنِيَ على اللّامِ والواو. ولَو سَقَطَ لَبَقِيَتِ النَّواةُ «لَو» وَحدَها كافِيَةً لِلقِراءةِ: تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ فيَنعَطِف. مَفتوح.