آل عمران · الآية 78

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

«وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا»: التَّبعيضُ يَضبِطُ مَحلَّ الحُكم

تَصِلُ الواوُ هذه الآيةَ بما قبلَها، ثمّ يَجتَمِعُ توكيدُ «إنّ» ولامُ «لفريقاً» على إثباتِ الفِعل، غيرَ أنّ «منهم» تَسبِقُ الاسمَ فتَحجُزُ الحُكمَ في بَعضٍ لا في الجميع. والفريقُ من ف-ر-ق، وهو انفِتاحٌ يُبعِدُ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً حتى يَنعَقِدَ في جِهةٍ مُتَمَيِّزة، فهو قِسمٌ انفَصَلَ بوَصفِه. وبذلك تُبقي الآيةُ المَسؤوليّةَ على مَن حَمَلَ الالتواءَ والقولَ المذكورَين، ولا تَنتَقِلُ من فِعلِ هذا الفريقِ إلى هُويّةٍ عامّة.

«يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ»: الحَرَكةُ تَقَعُ في أداةِ النُّطق

واللَّيُّ من ل-و-ي: تَعَلُّقٌ يَلتَفُّ في إحاطةٍ ووَصل، ثمّ يَمتَدُّ في سَريانٍ يُحوِّلُ اتِّجاهَه، والفِعلُ مضارعٌ يُصوِّرُ الحَرَكةَ وهي تَتَجَدَّد. وأمّا «ألسنتهم» فمن ل-س-ن، وهو تَعَلُّقٌ يَجري في مَجرىً دَقيق ثمّ يَنبَعِثُ من الباطنِ إلى الخارِج، فاللِّسانُ أداةُ إخراجِ الملفوظ. والباءُ في «بالكتاب» تَصِلُ هذا اللَّيَّ بالكتابِ نفسِه، من غيرِ أن تَقولَ إنّ الكتابَ يَلتَوي، والفاعِلُ هو الفريق، ومَحلُّ الفِعلِ ألسنتُهم.

«لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ»: الغايةُ ظَنٌّ يَنقُضُه النصّ

ولامُ الغايةِ تَكشِفُ أثَرَ الالتواء، وهو أن يَحسَبَ المُخاطَبونَ الملفوظَ من الكتاب. والحُسبانُ من ح-س-ب: احتِواءٌ يَجري في مَجرىً دَقيق ثمّ يَتَّصِلُ بصورةٍ مَمسوكة، فيَتَكَوَّنُ تَقديرٌ في الذِّهن. ويأتي الضميرُ «الهاء» مفعولاً، ثمّ تُنسَبُ إليه جهةُ «من الكتاب»، وتَعقُبُها بالواوِ جُملةٌ اسميّةٌ حاسِمة: «وما هو من الكتاب». والبِنيةُ نَفسُها تُعادُ مع النَّفي، فيَظهَرُ الفَرقُ بينَ ما يُحسَبُ وما هو.

«وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ»: الدَّعوى تُواجَهُ بنَفيِ مَصدَرِها

ثمّ تَنتَقِلُ الواوُ من أثَرِ اللِّسانِ في الحُسبانِ إلى قولٍ صَريح: «هو من عند الله»، ويَجيءُ الرَّدُّ داخلَ الآيةِ بالألفاظِ نَفسِها تقريباً: «وما هو من عند الله». وتَكرارُ «هو من» يَجعَلُ مَحلَّ التَّعارُضِ دَقيقاً، وهو جِهةُ الصُّدور. فالآيةُ هنا تَنفي عن الملفوظِ النِّسبةَ التي ادَّعاها القائلون، ولا تُناقِشُ مَضمونَه بنداً بنداً.

«وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»: النِّسبةُ الكاذِبةُ تَقَعُ على عِلمٍ حاضِر

وتَعودُ الواوُ بالفعلِ المضارعِ «يقولون»، وهي هذه المرّةَ تُسمّي المقولَ: الكَذِب. والكَذِبُ مادّتُه ك-ذ-ب، ومدارُها على كَتمٍ يُخرِجُ صورةً نافِذةً ثمّ يُلصِقُها بالمَحلِّ كأنّها ثابتة، و«على الله» تَضبِطُ خُطورةَ هذه الصُّورةِ في نِسبتِها إليه. ثمّ تأتي جُملةُ الحال «وهم يعلمون»، والعِلمُ من ع-ل-م: ظُهورٌ من العُمقِ يَمتَدُّ ويتَعلَّقُ بمَعلومِه ثمّ يَجتَمِعُ في علامةٍ مَمسوكة. وجُملةُ الحالِ تُثبِتُ العِلمَ مُصاحِباً للقَولِ في زَمَنِه، فتَقَعُ النِّسبةُ الكاذِبةُ على وَعيٍ حاضِرٍ لا على غَفلةٍ سابِقة.


حَصيلة

تَبدأُ الآيةُ بضَبطِ النِّطاق: فريقٌ منهم، لا حُكمٌ مُرسَلٌ على الجميع. وهذا الفريقُ يَلوي أداةَ النُّطقِ بالكتابِ لِيَنشأَ حُسبانٌ بأنَّ الملفوظَ منه، فيَنفي النصُّ ذلك. ثمّ يَنتَقِلُ من حُسبانِ السّامعِ إلى دَعوى القائل: «هو من عند الله»، ويَنفيها أيضاً. وفي الخِتامِ يُسمّى القولُ كَذِباً على الله، وتَجيءُ حالُ العِلمِ فتَربِطُ الدَّعوى بوَعيِ أصحابِها، ومِحوَرُ الآيةِ هو الفَرقُ بينَ التَّشبيهِ بالصَّوتِ وبينَ حقيقةِ المَصدَر.