آل عمران · الآية 153

﴿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

«إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ»: الصُّعودُ يَقطَعُ الالتِفات

«إذ» عائدةٌ إلى زمنٍ من المسارِ السابق، و«تصعدون» مضارعٌ يَستحضِرُ الحركة. والصعودُ من ص-ع-د، وأصلُه إطباقٌ صُلبٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَدفَعُ نافذاً، فيَحمِلُ انتقالاً إلى جهةٍ أعلى. والفعلُ مسندٌ إلى جمعِ المخاطَبين، فالصعودُ حركةُ جماعةٍ في وقتٍ واحد. وعُطِفَ عليه بالواوِ نفيٌ: لا تلوون على أحد. واللَّيُّ من ل-و-ي، وهو تعلّقٌ يَنعَقِدُ ثمّ يَمتَدُّ في انعطاف، غيرَ أنّ النفيَ يَقطعُ التفاتَهم أو عَطفَهم على أيِّ أحد، والنكرةُ في سياقِ النفيِ تَستغرقُ الأشخاصَ بلا اسم.

«وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ»: النِّداءُ يَبقى وَراءَ الحَرَكة

والواوُ للحال، تَضعُ جملةً متزامنةً هي: الرسولُ يدعوكم. والرسولُ صِفةٌ على فَعولٍ ذو طبيعةٍ فاعلةٍ مستمرّةٍ في حملِ الرسالة، وبهذا الوصفِ وحدَه تُقيمُه الجملةُ في المشهد، فصفةُ الحَملِ هي التي تَنطِقُ به. والدعاءُ من د-ع-و، ومعناه دَفعٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يُفضي إلى المدعو، فيَحمِلُ نداءً يَطلبُ إقبالَه، ومفعولُه ضميرُ المخاطَبين. وأمّا «في أخراكم» فمن أ-خ-ر، وهو إطلاقٌ يَختَرِقُ ويَجري إلى جهةٍ لاحقة، فيَضعُ النداءَ في مؤخَّرِهم. وبذلك يَجتَمِعُ في الجملةِ اتجاهانِ متضادّان: جماعةٌ تَصعَدُ إلى قُدّام، ونداءٌ يَبقى في المؤخَّرِ يَطلبُ إقبالَها.

«فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ»: الغَمُّ يَعودُ مُرَكَّباً

والفاءُ تُعقِّبُ على المشهدِ بفعلٍ ماضٍ: أثابكم. والثوابُ من ث-و-ب، وأصلُه ما يَخرُجُ عن مَوضِعِه ويَمضي ثمّ يَتَّصِلُ بِه ثانِيةً فيَتَمَسَّكُ بِه، وصيغةُ الإفعالِ تُوصِلُ المقابلَ إلى المخاطَبين. والمفعولُ الثاني «غمّاً» من غ-م-م، وهو غَورٌ باطنٌ يَضُمُّ ويتلاصقُ ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ الميمِ الاحتواء، فيَحمِلُ ضيقاً يَغشى الداخل. ثمّ جاءت الباءُ بـ«غمّ» آخرَ فأقامت مقابلةَ غمٍّ بغمّ، والباءُ وحدَها هي التي تَربِطُ الغَمَّينِ وتَجعلُ أحدَهما مقابلاً للآخر، فالإثابةُ تُقرأُ في هذا التقابُلِ نفسِه، وهو لفظٌ يُعادُ بعينِه ويَتبدّلُ موقعُه.

«لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ»: الغايةُ تَضمُّ فائتاً ومُصيباً

واجتمعت اللّامُ و«كي» و«لا» على غايةٍ منفيّة: لكيلا تحزنوا. والحُزنُ من ح-ز-ن، ومعناه احتواءٌ باطنٌ يَتضاغطُ ثمّ يَحتبِس، فيَحمِلُ ألماً يُغلِقُ الداخل. و«على» متعلّقةٌ بموصولينِ منفيٍّ الحزنُ عليهما، الأوّلُ «ما فاتكم»، من ف-و-ت، وهو شَيءٌ يَمُرُّ نافِذاً ثمّ يَنفَلِتُ ويَنقَطِعُ عَمَّن كانَ يُدرِكُه، فيَحمِلُ ما تجاوزَ الوصول، والثاني «ما أصابكم»، ويَحمِلُ ما وصلَ إليهم. والعطفُ يَجمعُ الفائتَ والمُصيبَ من غيرِ أن يُسمّيهما، فيَبقى كلُّ واحدٍ منهما محمولاً على فعلِه وحدَه: هذا فاتَ عنهم، وذاك أصابَهم، والحُزنُ منفيٌّ عنهما في غايةٍ واحدة.

«وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ»: العَمَلُ مَكشوفٌ للخِبرة

واستُؤنِفَت بالواوِ جملةٌ اسميّةٌ مبتدؤها اسمُ الله وخبرُها «خبير». والخُبرةُ من خ-ب-ر، وأصلُها اختراقٌ جارٍ يَتَّصلُ ويتمسّكُ ثمّ يَجري مسترسلاً، فهي معرفةٌ تَنفُذُ إلى باطنِ الأمر، و«خبير» صيغةُ مبالغةٍ تَحمِلُ كثافةَ الصفةِ واستمرارَها. والباءُ متعلّقةٌ بالموصولِ «ما تعملون»، والعملُ فعلٌ يَظهَرُ من العُمقِ ويَتجمّعُ ثمّ يَتعلّقُ بأثر. والمضارعُ يَجمعُ حركتَهم المتجدّدةَ تحتَ الخبرة، فلا تَبقى أفعالُ الصعودِ وعدمِ الالتفاتِ أو غيرُها خارجَ الخاتمة.


حَصيلة

تَستحضِرُ «إذ» حركةَ المخاطَبينَ وهم يُصعِدونَ ولا يَلوونَ على أحد، والرسولُ في الوقتِ نفسِه يَدعوهم في مؤخَّرِهم. ثمّ تُعقِّبُ الفاءُ بإثابةِ غمٍّ بغمّ، وتَربِطُ الغايةُ ذلك بألّا يَحزنوا على ما فاتَهم ولا ما أصابَهم. والموصولانِ يَحفظانِ كلَّ شيءٍ بفعلِه: ما فاتَ وما أصاب، ويَبقى الرسولُ محمولاً على وصفِ حَملِه للرسالةِ وهو يُنادي من المؤخَّر. وفي الخاتمةِ تَدخلُ الأعمالُ كلُّها تحتَ خبرةِ الله النافذة، فلا تُقرأُ الحركةُ منفصلةً عن العلمِ بأثرِها.