اللُّزوم
شَدٌّ مَضغوطٌ يُمسَكُ فلا يُفارِقُ صاحِبَه. لا يُوصَفُ بِهِ ما جاوَرَ ولا ما أحاطَ من خارِج، بَل ما التَصَقَ بِالشَّيءِ حَتّى صارَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً
يَحوزُ ما تَعَلَّقَ بِه. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَلتَصِقُ ويَحوز.
- ز: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ واللِّثةِ فيَكتَنِزُ
فيهِ النَّفَسُ مُتَضاغِطاً ويَجري مُهتَزّاً. شِحنَتُه: تَضاغُطٌ مُكتَنِزٌ يَنفُذُ حادّاً.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ
مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُهُ رَنيناً مُمتَدّاً. شِحنَتُه: ضَمٌّ يُمسِكُ في الباطِن.
النَّواةُ لز (ل + ز) = التِصاقٌ مُتَضاغِط: اللّامُ تُلصِقُ، والزّايُ تَضغَطُ المُلتَصِقَ في مَضيقٍ حَتّى يَكتَنِز. فالنَّواةُ لُصوقٌ تَحتَ ضَغطٍ لا لُصوقٌ رَخو، ومنها في كَلامِ العَرَبِ اللِّزازُ الذي يُشَدُّ بِهِ البابُ حَتّى لا يَنفَرِج.
والإغلاقُ بـم يُمسِكُ هذا المَضغوطَ في الباطِنِ فلا يُطلِقُه، فيَصيرُ الشَّدُّ حالاً دائِمةً لا حَدَثاً يَنقَضي. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: شَدٌّ مَضغوطٌ يُمسَكُ فلا يَنفَكُّ عَن مَحَلِّه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: لَزَّ الشَّيءَ بِالشَّيءِ شَدَّهُ إليهِ حَتّى لا يَنفَصِل، ولازَمَ الغَريمَ صاحَبَهُ فلا يُفارِقُه، ورَجُلٌ مِلَزٌّ لا يَنفَكُّ عَن خَصمِه.
الشِّحنةُ الجامِعة: لُصوقٌ مَضغوطٌ لا يُفارِقُ صاحِبَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَلْزَمْنَاهُ (أفعَلَ، ماضٍ لِلمُتَكَلِّمينَ مُتَعَدٍّ إلى
مَفعولَين)، ١٧:١٣: الهَمزةُ تَنقُلُ اللُّصوقَ إلى فِعلِ مُلزِمٍ من خارِج، فيَصيرُ الشَّدُّ صَنيعَ غَيرِ صاحِبِه.
- لِزَامًا (فِعال، مَنصوبٌ خَبَراً لِـ«كانَ» في جَوابِ
«لَولا»)، ٢٠:١٢٩: الوَزنُ يَجعَلُ اللُّصوقَ حالاً قائِمةً بِلا ذِكرِ فاعِل، فيوصَفُ بِهِ الأمرُ نَفسُه.
فالوَزنانِ يَقتَسِمانِ جِهَتَي الجَذر: صيغةُ الإفعالِ تَذكُرُ الشّادَّ والمَشدودَ ومَوضِعَ الشَّدّ، وصيغةُ الفِعالِ تَذكُرُ الحالَ وَحدَها بَعدَ تَمامِها.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الشَّدُّ الذي لا يَنفَكّ، من الحُروف.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشور. ويَتَمَيَّزُ الجَذرُ عَمّا يُجاوِرُه: الطَّوقُ حَلقةٌ تُحيطُ بِالمَحَلِّ من خارِجِه وقَد تُنزَع، والكَسبُ ما يَقَعُ من صاحِبِهِ ثُمَّ يُحسَبُ لَه، واللُّزومُ التِصاقٌ مَضغوطٌ بَينَ المَحَلِّ وما شُدَّ إليهِ لا يُتَصَوَّرُ فيهِ انفِكاك.
المَواضع: مَواقعُ اللُّزومِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:١٣ ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي
عُنُقِهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ فِعلاً مُتَعَدِّياً إلى مَفعولَين، فالشَّدُّ صَنيعُ مُلزِمٍ ذَكَرَ نَفسَه، والمَشدودُ لَيسَ غَريباً عَنِ المَشدودِ إليهِ بَل هوَ «طائِرُهُ» مُضافاً إليه. ويُعَيَّنُ مَوضِعُ الشَّدِّ ﴿فِي عُنُقِهِ﴾، وهو المَوضِعُ الذي لا يَستَطيعُ صاحِبُهُ أن يَضَعَ عَنهُ ما فيهِ ولا أن يوَلِّيَهُ ظَهرَه. وعُمومُ ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ﴾ يَجعَلُ الحُكمَ جارِياً على الأفرادِ واحِداً واحِداً. ثُمَّ تُخرِجُ الآيةُ ما لَزِمَ كِتاباً ﴿يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾، فاللُّصوقُ حِفظٌ يَنتَهي إلى قِراءةٍ لا طَمسٌ يَنتَهي إلى نِسيان. انظُر الطَّير والكِتاب والإِنسان.
- ٢٠:١٢٩ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ
لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من فِعلٍ لَهُ فاعِلٌ ومَفعولٌ ومَوضِعٌ إلى وَصفٍ مُجَرَّدٍ في جَوابِ امتِناع، فلا يُذكَرُ شادٌّ ولا مَشدودٌ إليه. واللُّصوقُ هُنا لَم يَقَع: حالَ دونَهُ سَبقُ كَلِمةٍ وتَسمِيةُ أجَل. فما كانَ في ١٧:١٣ لازِماً بِالفِعلِ لِكُلِّ إنسانٍ هو هُنا لازِمٌ بِالتَّقديرِ رُفِعَ بِسابِقٍ من رَبِّ المُخاطَب، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَ يوصَفُ بِهِ الواقِعُ والمُمتَنِعُ سَواء. انظُر الكَلِمة والأجَل والعَذاب.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
tayr: ١٧:١٣ تَجعَلُ الطّائِرَ هو المُلزَم، فيَلتَقي
المَفهومانِ في آيةٍ واحِدة: ما كانَ يُتَطَيَّرُ بِهِ ويُنسَبُ إلى الخارِجِ يُشَدُّ إلى عُنُقِ صاحِبِه.
kitab: ١٧:١٣ تُخرِجُ المُلزَمَ كِتاباً مَنشوراً، فالشَّدُّ
حِفظٌ لِنَصٍّ يُقرَأُ لا إخفاءٌ لَه.
tawq: الطَّوقُ يُحيطُ بِالعُنُقِ من خارِجِه في ٣:١٨٠،
واللُّزومُ في ١٧:١٣ يَشُدُّ إلى العُنُقِ ما هوَ من صاحِبِهِ نَفسِه، فيَفتَرِقُ المَفهومانِ في مَصدَرِ المَشدود.
kalima: ٢٠:١٢٩ تَجعَلُ الكَلِمةَ السّابِقةَ هيَ الحائِلَ
دونَ اللُّزوم، فيَقَعُ القَولُ في مُقابَلةِ الشَّدّ.
ajal: ٢٠:١٢٩ تَعطِفُ الأجَلَ المُسَمّى على الكَلِمة،
فالمُهلةُ والقَولُ يَرفَعانِ اللُّصوقَ مَعاً.
insan: ١٧:١٣ تُعَمِّمُ الحُكمَ على كُلِّ إنسان، فاللُّزومُ
وَصفٌ لِلفَردِ لا لِلأمّة.
الإشكالات المَفتوحة
- ما المُلزَمُ في ٢٠:١٢٩ وقَد حُذِفَ؟ الآيةُ تُثبِتُ الحالَ
وتَنفي وُقوعَها ولا تُسَمّي المَشدودَ. والقِراءةُ من الحُروفِ تُعطي أنَّ المَحذوفَ هو ما يَلزَقُ بِالمُخاطَبينَ من أثَرِ فِعلِهِم، على قِياسِ ١٧:١٣ حَيثُ كانَ المُلزَمُ من صاحِبِهِ لا غَريباً عَنه. والمَسألةُ تَبقى مَفتوحةً لِأنَّ النَّصَّ لَم يُصَرِّحْ بِه.
- هل اللُّزومُ عُقوبةٌ أم بِنيةٌ في الخِلقة؟ ١٧:١٣ تَجعَلُهُ
عامّاً في كُلِّ إنسانٍ قَبلَ ذِكرِ ثَوابٍ أو عِقاب، و٢٠:١٢٩ تَجعَلُهُ ما كانَ سَيَقَعُ لَولا سَبقُ كَلِمة. فالمَنشورُ يَحمِلُ الوَجهَينِ ولا يَفصِلُ بَينَهُما، ولا يُقضى في ذلكَ حَتّى يَلحَقَ بِالجَذرِ مَوضِعٌ ثالِث.