الإسراء · الآية 13

﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا

«وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ»: واحِدٌ واحِد، لا جُملةً واحِدة

«كُلَّ» مَنصوبةٌ قَبلَ فِعلِها، ثُمَّ يَعودُ عَلَيها ضَميرٌ في «ألزَمناهُ»، وهذا تَقديمٌ يُلقي الثِّقلَ على المُقَدَّم، فيُبتَدَأُ بِالإنسانِ ثُمَّ يُخبَرُ عَنه. و«إنسانٍ» مُنَكَّرةٌ بَعدَ «كُلّ»، فالعَدُّ يَجري على الآحادِ دونَ الجُملة، وعُدِلَ عن «النّاسُ» الذي تَختَلِطُ بِه الوُجوه.

و«ألزَمنا» من ل-ز-م، ومَعناه إلصاقٌ مَضغوطٌ مَحوِيٌّ لا يَنفَكّ، والصّيغةُ أفعَلَ، فالإلزامُ واقِعٌ من غَيرِ المُلزَم، فما الإنسانُ بِالذي رَبَط، ولا هو بِالقادِرِ على أن يَفُكّ. وما أُلزِمَه غَيرُ غَريبٍ عَنه، فهو «طائِرُه»، مُضافاً إلَيه.

«طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ»: مَوضِعُ الرَّبطِ يَقرَأُ نَفسَه

والطّائِرُ مُضافٌ إلى صاحِبِه، وقد كُتِبَ لَه مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه. والذي تُخبِرُ بِه هذه الآيةُ عَنه أمرانِ لا ثالِثَ لَهُما: أنَّه لَه، وأنَّه أُلزِمَه في مَوضِعٍ بِعَينِه.

وجاءَ الحَرفُ «في»: «فِي عُنُقِهِ» دونَ «على عُنُقِهِ»، وما كانَ على العُنُقِ يوضَعُ ويُرفَع، وما كانَ فيه فهو داخِلٌ في المَوضِعِ نَفسِه. والعُنُقُ من ع-ن-ق، وهو قَبضٌ مَعقودٌ في العُمقِ يَحتَبِسُ فيه المَمَرّ، وهو أضيَقُ ما في القامة، ولا يَعبُرُ إلى الرَّأسِ ولا يَنزِلُ عَنه شَيءٌ إلّا من خِلالِه. فالمُلزَمُ وُضِعَ حَيثُ يَمُرُّ كُلُّ شَيء، لا حَيثُ يُعَلَّقُ الشَّيءُ ويُنزَع.

«كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا»: ما ضاقَ يَخرُجُ مَبسوطاً

ويَنتَقِلُ الفِعلُ من المُضِيِّ إلى الحُضور، فـ«ألزَمناهُ» قد تَمّ، و«نُخرِجُ» آتٍ، والرَّبطُ فُرِغَ مِنه، والإخراجُ مَوعِدُه يَومٌ تُسَمّيه الآيةُ بِاسمِه.

واللّامُ في «لَهُ» مُؤثَرةٌ على «عَلَيه»، فالكِتابُ يُخرَجُ لِصاحِبِه، وهو المَقصودُ بِالإخراج. ثُمَّ «يَلْقَاهُ»، واللِّقاءُ يَقتَضي طَرَفَينِ يَتَقابَلان، فالذي يَقَعُ بَينَه وبَينَه مُواجَهة، دونَ أن يُقرَأَ عَلَيه أو يُنبَأَ بِه. ثُمَّ «مَنشُورًا»، والنَّشرُ من ن-ش-ر، وهو خُروجُ المَطوِيِّ من باطِنِه إلى الانبِساطِ والانتِشار.

وبِهذا تَنعَقِدُ الآيةُ على نَفسِها، فأوَّلُها ضَيِّقٌ مَشدود، وهو إلزامٌ لا يُفَكُّ في أضيَقِ مَمَرٍّ في البَدَن، وآخِرُها واسِعٌ مَبسوط، وهو صَحيفةٌ لا تُطوى، فما لَزِمَ العُنُقَ مَعقوداً يَخرُجُ يَومَئِذٍ مَنشوراً.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِالآحادِ واحِداً واحِداً دونَ الجُملة: «كُلَّ إِنسَانٍ» مُقَدَّمةً يَعودُ عَلَيها ضَميرُها. ثُمَّ إلزامٌ من غَيرِ المُلزَم، لِشَيءٍ هو لَه، في مَوضِعٍ هو أضيَقُ ما فيه ومَمَرُّ كُلِّ ما يَصعَدُ ويَنزِل، والحَرفُ «في» دونَ «على»، فما وُضِعَ لم يُعَلَّقْ لِيُنزَع. ثُمَّ يَنقَلِبُ الزَّمَنُ والحَجم: فِعلٌ حاضِرٌ يُخرِجُ لِصاحِبِه كِتاباً، ولِقاءٌ بَينَ اثنَينِ دونَ إبلاغٍ من ثالِث، وصَحيفةٌ مَنشورةٌ غَيرُ مَطوِيّة. فالآيةُ تَربِطُ في أضيَقِ مَوضِعٍ لِتَبسُطَ في أوسَعِ يَوم، وما عُقِدَ في العُنُقِ لا يُنشَرُ إلّا مَرّةً واحِدة.