طه · الآية 129

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى

«وَلَوْلَا»: أداةٌ تَقولُ إنَّ شَيئاً مَنَعَ شَيئاً

«لَولا» حَرفُ امتِناعٍ لِوُجود، يَمتَنِعُ بِه الجَوابُ لِأنَّ الشَّرطَ مَوجود، فالآيةُ تُخبِرُ بِأنَّ أمراً كانَ سَيَقَعُ فلَم يَقَعْ، لِأنَّ شَيئاً آخَرَ كانَ حاضِراً قَبلَه.

وهذا بِناءٌ يُعطي شَيئَينِ ويُخفي ثالِثاً، فهو يُعطي المانِعَ ووَصفَ المَمنوع، ولا يُعطي المَمنوعَ نَفسَه.

«كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ»: نَكِرةٌ وفِعلٌ ومَصدَرٌ واحِدٌ مَعروف

وجاءَت «كَلِمَةٌ» نَكِرة، فلَيسَت «الكَلِمة» ولا «كَلِمَتُنا» ولا كَلِمةَ كَذا، وهي لَفظٌ مُنَكَّرٌ يَقومُ في صَدرِ الجُملةِ فاعِلاً.

وك-ل-م مَدارُه على كَتمٍ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ ثُمَّ يُضَمُّ في وَحدةٍ واحِدة، أي حَبسِ المَعنى في صيغةٍ مُتَماسِكة، فالكَلِمةُ في مادَّتِها وِعاءٌ مُغلَقٌ يَحمِلُ ما فيه ولا يُريه.

ولِذلك جاءَ التَّنكيرُ مُوافِقاً لِلجَذر، فهي وِعاءٌ يُذكَرُ ولا يُفتَح.

و«سَبَقَتْ» من س-ب-ق، وأصلُه تَدَفُّقٌ يَنسابُ في مَجرىً ثُمَّ يُقطَعُ بِإحكامٍ عِندَ حَدّ، فالسَّبقُ تَقَدُّمٌ يَبلُغُ الحَدَّ قَبلَ غَيرِه. ولم يُذكَرْ ما سَبَقَته، والفِعلُ لازِمٌ هُنا بِلا مَسبوقٍ يُذكَر.

و«مِن رَّبِّكَ» هي المَعرِفةُ الوَحيدةُ في الشَّرط، فلا يُعرَفُ ما الكَلِمةُ ولا ما سَبَقَته، ويُعرَفُ من أينَ جاءَت.

«لَكَانَ لِزَامًا»: جَوابٌ بِلا مُسنَدٍ إلَيه

وجَوابُ «لَولا» لامٌ واقِعةٌ فيه، ثُمَّ فِعلٌ ناقِص، ثُمَّ خَبَرُه، أمّا اسمُه فضَميرٌ مُستَتِرٌ لا يُذكَرُ لَه مَرجِعٌ في الآية.

فالجُملةُ تُخبِرُ بِأنَّ شَيئاً «لَكانَ لِزاماً» ولا تُبَيِّنُ ما هو، وهذا صَمتٌ يُصانُ ولا يُملَأ.

و«لِزَامًا» من ل-ز-م، وهو التِصاقٌ مَضغوطٌ مَحويٌّ لا يَنفَكّ، ومِنه «لَزِمَ الشَّيءُ الشَّيءَ» إذا لَصِقَ بِه فلَم يُفارِقْه.

وهو مَصدَرٌ وُصِفَ بِه، وأوثِرَ على «لازِماً» بِاسمِ الفاعِل، والمَصدَرُ إذا وُصِفَ بِه دَلَّ على الحَدَثِ نَفسِه لا على واحِدٍ اتَّصَفَ بِه، فالمَعنى: لَكانَ لُصوقاً، لا لَكانَ شَيئاً لاصِقاً.

وجاءَ نَكِرةً كَما جاءَتِ الكَلِمةُ نَكِرة.

«وَأَجَلٌ مُّسَمًّى»: ثالِثُ المُبهَماتِ وأعجَبُها

ثُمَّ واوٌ بَعدَها اسمٌ مَرفوعٌ نَكِرة، يُعطَفُ على ما قَبلَه فيَقومُ مَعَه، والكَلامُ يُتِمُّ نَفسَه ولا يُتِمُّ خَبَرَه.

و«أَجَلٌ» من أ-ج-ل، ومَعناه مُدّةٌ مَحجوبةٌ مَعقودةٌ على غايةٍ تَنتَهي إلَيها، فالحَبسُ والغايةُ مُجتَمِعانِ في الجَذر، وهو مُدّةٌ لا تُرى ولَها حافّةٌ تَقِفُ عِندَها.

و«مُّسَمًّى» اسمُ مَفعولٍ من س-م-و، ومادَّتُه امتِدادٌ يَعلو ويَبقى مَوصولاً بِما تَحتَه، ومِنه «الاسمُ» لِلعَلامةِ المَرفوعةِ على مُسَمّاها، فالمُسَمّى ما رُفِعَت عَلَيه عَلامة.

ووُصِفَ بِأنَّه مُسَمّىً ولم تُذكَرْ تَسمِيَتُه. أي رُفِعَت عَلامةٌ ولا يُقرَأُ ما عَلَيها، وهذا ما تَقولُه الآيةُ وهذا حَدُّه.

فهي ثَلاثةُ أشياءَ في آيةٍ واحِدة: كَلِمةٌ لا يُقالُ ما هي، ولُصوقٌ لا يُقالُ عَلى مَن، وأجَلٌ يُقالُ إنَّ لَه اسماً ولا يُقالُ اسمُه، وثَلاثَتُها بِلا تَعريف.

وما يُسَمّى قد تَكونُ تَسمِيَتُه لِغَيرِ مَن يَسمَع.


حَصيلة

أداةُ امتِناعٍ لِوُجود، يُخبَرُ بِها أنَّ أمراً كانَ سَيَقَعُ فمَنَعَه حاضِرٌ سَبَقَه. والمانِعُ «كَلِمة» نَكِرةً، من ك-ل-م، وهو حَبسٌ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ ثُمَّ يُضَمُّ في وَحدةٍ واحِدة، فالمادّةُ وِعاءٌ يَحمِلُ ما فيه ولا يُريه، والتَّنكيرُ مُوافِقٌ لِلجَذر. و«سَبَقَتْ» من س-ب-ق، وهو تَدَفُّقٌ يَنسابُ ثُمَّ يُقطَعُ بِإحكامٍ عِندَ حَدّ، ولَم يُذكَرْ ما سَبَقَته. و«مِن رَبِّكَ» وَحدَها مَعرِفةُ الشَّرط، فالكَلِمةُ يُجهَلُ ما هي ويُعلَمُ من أينَ جاءَت. ثُمَّ جَوابٌ بِلامٍ وفِعلٍ ناقِصٍ لا يُذكَرُ اسمُه، يُخبِرُ بِأنَّ شَيئاً «لَكانَ لِزاماً» ولا يُبَيِّنُ ما هو. و«لِزامًا» من ل-ز-م، وهو التِصاقٌ مَضغوطٌ لا يَنفَكّ، وقد جاءَ مَصدَراً مَوصوفاً بِه دونَ اسمِ الفاعِل، فهو الحَدَثُ نَفسُه لا واحِدٌ اتَّصَفَ بِه. ثُمَّ عُطِفَ ثالِثٌ: «أجَلٌ» من أ-ج-ل، ومَعناه مُدّةٌ مَحجوبةٌ مَعقودةٌ على غايةٍ تَنتَهي إلَيها، ونَعتُه «مُسَمّىً» من س-م-و، وهو العَلامةُ المَرفوعةُ على ما تَحتَها، وقد وُصِفَ بِأنَّ لَه اسماً ولَم يُذكَرِ الاسم. فهي ثَلاثُ نَكِراتٍ في آيةٍ واحِدة: كَلِمةٌ لا تُفتَح، ولُصوقٌ لا يُقالُ على مَن، وأجَلٌ رُفِعَت عَلَيه عَلامةٌ لا تُقرَأ، والعَلامةُ تُرفَعُ لِيَراها مَن يُرادُ أن يَراها.