الرَّأفة

ra2fa جذر · ر-أ-ف 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
رِقّةٌ تَجري، تُحبَسُ مَضغوطةً ثُمَّ تَنبَثِق، فتَنفُذُ من مَضيقٍ وتَنتَشِرُ على مُتَفَرِّقين. لَيسَتِ الرَّأفةُ في هذا الجَذرِ عَطاءً يُوهَبُ ولا حالاً تُطلَب، بَل وَصفاً قائِماً بِصاحِبِه لا يَنفَكُّ عن مَن يُلصَقُ بِه. ولِذلك لا يَرِدُ منها في المُسَجَّلِ فِعلٌ ولا مَصدَرٌ ولا أمر، وإنَّما صيغةٌ واحِدةٌ في ثَلاثةِ مَواضِع، ولا يَخلو واحِدٌ منها من باءٍ تُلصِقُ الوَصفَ بِجَماعةٍ لا بِواحِد.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،

كُلُّ خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً. ووَجهُه الثّالِثُ خِفّةُ اللَّمسةِ ورِقَّتُها. فالمَبدَأُ مَسٌّ لَطيفٌ جارٍ، لا ضَغطٌ ولا حَمل.

  • أ :: انطِباقٌ تامٌّ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه، فيَحتَبِسُ

النَّفَسُ مَضغوطاً خَلفَ الحَنجَرة، ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مُفاجِئاً. فالوَسَطُ احتِباسٌ وتَهَيُّؤٌ ثُمَّ انبِثاقٌ حادّ.

  • ف :: شَقُّ مَجرىً ضَيِّقٍ يَنفُذُ منه النَّفَسُ مُتَّصِلاً ثُمَّ

يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. فالمُنتَهى انتِشارٌ على مُتَباعِدين، لا وُصولٌ إلى مَقصِدٍ مُفرَد.

فالتَّركيبُ: رِقّةٌ تَجري، فحَبسٌ مَضغوطٌ يَنبَثِق، فنَفاذٌ من ضيقٍ يَتَفَرَّقُ على مَدى.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: ثَلاثةُ أشياءَ يَقولُها التَّوزيعُ في المُسَجَّلِ ولا يُعطيها المَعنى السَّطحيُّ (رِقّةٌ وشَفَقة).

الأوَّلُ: الهَمزةُ تُعطي تَهَيُّؤاً مَحبوساً لا حَدَثاً واقِعاً، فالجَذرُ يُسَمّي استِعداداً قائِماً بِصاحِبِه لا فِعلاً لَه وَقت. ولا يَرِدُ منه في المُسَجَّلِ فِعلٌ البَتّة، ولا مَصدَر، ولا أمر، ولا يُطلَبُ في دُعاء. وقابِلْ بِه rahma: يُطلَبُ منها المَصدَرُ («وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً»، ٣:٨) ويُطلَبُ منها الفِعلُ («وَارْحَمْنَا»، ٢:٢٨٦). فما يُسأَلُ من ذلك الجَذرِ لا يُسأَلُ من هذا، لِأنَّ هذا وَصفٌ لِمَوصوفٍ لا شَيءٌ يُملَك.

الثّاني: الفاءُ تُفَرِّقُ وتُبعِد، فالمُنتَهى انتِشارٌ على مُتَفَرِّقين. والمُتَعَلَّقُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ اسمُ جَماعةٍ مُعَرَّف: «النَّاسِ» في ٢:١٤٣ و«الْعِبَادِ» في ٢:٢٠٧ و٣:٣٠، ولا يَقَعُ الوَصفُ على واحِدٍ بِعَينِه مَرّةً واحِدة. وأدَلُّ ما في هذا أنَّ ٢:٢٠٧ تَسبِقُها صورةُ رَجُلٍ واحِدٍ يَشري نَفسَه، ثُمَّ لا يُقالُ «واللهُ رَءوفٌ بِه» بَل «بِالْعِبَادِ». فالجُملةُ تَتَّسِعُ عن الواحِدِ الذي جاءَت بَعدَه. وكَذلك يَتَّسِعُ الوَصفُ في ٢:١٤٣ عن المُخاطَبينَ في «إِيمَانَكُمْ» إلى «النَّاسِ».

الثّالِثُ: الرّاءُ لَمسةٌ ماسّة، والباءُ في «بِالنَّاسِ» و«بِالْعِبَادِ» باءُ إلصاق، فالوَصفُ مُلصَقٌ بِمَن يَقَعُ عَلَيه بِلا واسِطة. وموقِعُ الباءِ هُنا يُقابِلُ مَوقِعَها في rahma: هُناكَ تَدخُلُ على المَصدَرِ نَفسِه آلةً («يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ»، ٢:١٠٥) فيَبقى المَرحومُ مُختاراً بِها، وهُنا تَدخُلُ على المَوصوفينَ أنفُسِهِم فلا اختِيارَ في الجُملةِ ولا مَشيئةَ مَذكورة. حَرفٌ واحِدٌ ومَوقِعانِ، وعَلَيهِما يَنبَني الفَرقُ كُلُّه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

ثَلاثةُ مَواضِعَ في المُسَجَّل، وصيغةٌ واحِدةٌ لا غَير: «رَءُوفٌ» على وَزنِ فَعول، مَرفوعاً مُنَوَّناً، خَبَراً لِلَفظِ الجَلالة، ومَعَه جارٌّ ومَجرور. وتَدخُلُه في ٢:١٤٣ لامُ التَّوكيدِ في خَبَرِ «إنَّ»: «لَرَءُوفٌ»، فلِلصّيغةِ الواحِدةِ في المُدَوَّنِ رَسمانِ لا غَير. ولا ماضِيَ ولا مُضارِعَ ولا أمر، ولا مَصدَرَ («رَأْفة»)، ولا تَعريفَ («الرَّءوف»)، ولا صيغةَ تَفضيل.

والمُقابَلةُ بِالعَدِّ مَعَ rahim حادّةٌ ومُنعَكِسة، ولَها خَوارِمُ ثَلاثةٌ تُعَدّ. «رَحِيمٌ» وما يَتَصَرَّفُ من فَعيلِه يَقَعُ في المُسَجَّلِ واحِداً وثَلاثينَ مَوضِعاً، يَقَعُ في تِسعةٍ وعِشرينَ منها ثانِياً لاسمٍ قَبلَه («التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، «الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ»، «غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، «غَفُورًا رَّحِيمًا»، «تَوَّابًا رَّحِيمًا»، «الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ»، «رَّبٍّ رَّحِيمٍ»، «لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»)، ولا يُذكَرُ لَه في ثَمانِيَةٍ وعِشرينَ منها مُتَعَلَّق، ويَتَقَدَّمُ في التّاسِعِ والعِشرينَ (٢:١٤٣) مُتَعَلَّقٌ يَسبِقُ الوَصفَينِ مَعاً. ويَقَعُ في اثنَينِ وَحدَه ولَه مُتَعَلَّقٌ بِالباء: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» (٤:٢٩) و«إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» (١٧:٦٦)، وهو عَينُ ما يُوصَفُ بِه «رَءُوفٌ» في غالِبِه. و«رَءُوفٌ» ثَلاثةُ مَواضِع، لا يَخلو واحِدٌ منها من مُتَعَلَّقٍ بِالباء، ويَقَعُ في اثنَينِ وَحدَه (٢:٢٠٧ و٣:٣٠)، وفي الثّالِثِ (٢:١٤٣) أوَّلَ خَبَرَينِ ثانيهِما «رَحِيمٌ». فالتَّوزيعانِ مُتَعاكِسانِ في الغالِبِ ويَلتَقِيانِ في ثَلاثة: ذاكَ الغالِبُ فيه أن يُقرَنَ ولا يُوصَل، وهذا الغالِبُ فيه ألّا يُقرَن، ولا يُترَكُ بِلا صِلةٍ في مَوضِع. وحَيثُ اجتَمَعا في ٢:١٤٣ وَلِيَ «لَرَءُوفٌ» المُتَعَلَّقَ وجاءَ «رَحِيمٌ» بَعدَه مَقروناً بِه. فالمُقابَلةُ غالِبةٌ لا مُطَّرِدة، والقَيدُ لَزِمَ بِنَشرِ الإسراءِ والنِّساء، وبِحَملِ صَفحةِ ٢:١٤٣ آيَتَها كامِلةً.

ومَوضِعا ٢:٢٠٧ و٣:٣٠ جُملةٌ واحِدةٌ بِحَرفِها: «وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ». ولا يَفتَرِقانِ في لَفظٍ ولا في إعراب، وإنَّما في ما قَبلَهُما وَحدَه. وجُملةُ ٢:١٤٣ غَيرُها: «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»، بِـ«إنَّ» ولامِ التَّوكيد، والمُتَعَلَّقُ فيها مُقَدَّمٌ على الوَصف، ويَتلو الوَصفَ خَبَرٌ ثانٍ. وما قَبلَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مَوضوعُ القِسمِ الرّابِع.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • rahma (الرَّحمة، ر-ح-م): الفَرقُ الأصلُ فَرقُ بابٍ لا فَرقُ

دَرَجة. الرَّحمةُ مَصدَرٌ يَقَعُ عَلَيه الفِعل: تُوهَبُ وتُرجى ويُدخَلُ فيها ويُخلَدُ وتُوزَنُ بِغَيرِها وتُخَصُّ بِها فِئة. والرَّأفةُ لا يَقَعُ عَلَيها شَيءٌ من ذلك في المُسَجَّلِ ولا يُمكِنُ أن يَقَع، لِأنَّها لا تَرِدُ إلّا وَصفاً لِلمَوصوف. وأحَدُّ ما يُفَرِّقُ بَينَهُما المَدى: الرَّحمةُ تُقَيَّدُ بِالمَشيئةِ صَريحاً («يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ»، ٢:١٠٥)، وتُذكَرُ لَها فِئةٌ مَعروفةٌ بِفِعلِها («أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ»، ٢:٢١٨). والرَّأفةُ مُتَعَلَّقُها «النَّاسِ» أو «الْعِبَادِ» بِلا نَعتٍ ولا استِثناءٍ ولا مَشيئةٍ مَذكورة. فَما يُخَصُّ هُناكَ يَعُمُّ هُنا، وهذا نَصُّ الفاءِ في القِسمِ الأوَّل: تَفريقٌ على مَدى.

  • rahim (الرَّحيم، ر-ح-م): كِلاهُما وَصفٌ لِلمَوصوفِ لا شَيءٌ

يُوهَب، فالفَرقُ بَينَهُما في البِناءِ والتَّركيبِ لا في البابِ. «رَحيم» على فَعيلٍ وهي لِثُبوتِ الحالِ في صاحِبِها، و«رَءوف» على فَعولٍ وهي لِكَثرةِ صُدورِ الأثَرِ عنه. والتَّوزيعُ المَعدودُ في القِسمِ الثّاني يُصَدِّقُ هذا في الغالِب: الثّابِتُ يُذكَرُ مَقروناً بِاسمٍ آخَرَ بِلا مُتَعَلَّقٍ يَخُصُّه، والكَثيرُ الصُّدورِ يُوَجَّهُ إلى مَن يَصدُرُ إلَيه في مَواضِعِه الثَّلاثة، ويُذكَرُ وَحدَه في اثنَينِ منها. ويَخرُجُ عن هذا ثَلاثة: ٤:٢٩ و١٧:٦٦ يَقَعُ فيهِما «رَحِيمًا» وَحدَه مُوَجَّهاً بِالباء، و٢:١٤٣ يَقَعُ فيها «لَرَءُوفٌ» مَقروناً بِـ«رَحِيمٌ». فالبِناءُ تَرجيحٌ بِالغالِبِ لا اطِّرادٌ تامّ.

  • وأمّا التِقاءُ الجَذرَينِ فيَقَعُ في المُدَوَّنِ مَرّةً واحِدة: خِتامُ

٢:١٤٣ «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»، خَبَرانِ لِـ«إنَّ» بِلا عاطِف، يَتَقَدَّمُهُما المُتَعَلَّقُ ويَسبِقُ فيهِما ر-أ-ف ر-ح-م. ر-أ-ف في ثَلاثةِ مَواضِع، و ر-ح-م في مَواضِعَ كَثيرة، ولا تَجمَعُهُما آيةٌ غَيرُها من نُصوصِ الصَّفَحاتِ المَنشورة. وفي مَوضِعٍ آخَرَ يَتَجاوَرانِ ولا يَجتَمِعان: ٣:٣٠ تُختَمُ بِـ«وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»، وتَليها ٣:٣١ فتُختَمُ بِـ«وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». خاتِمَتانِ مُتَتالِيَتانِ تَبدَآنِ بِلَفظٍ واحِدٍ وتَختَلِفانِ في ثَلاثة: هذه وَصفٌ واحِدٌ لَه مُتَعَلَّق، وتِلكَ وَصفانِ بِلا مُتَعَلَّق. فالرَّأفةُ تُقرَأُ مُستَقِلّةً عن الرَّحمةِ في مَوضِعَين، ومُقَدَّمةً عَلَيها في الثّالِث، وصَفحةُ ٢:١٤٣ تَقرَأُ هذا التَّقديمَ لُطفاً يَسبِقُ الحاجة.

  • hadhar (الحَذَر، ح-ذ-ر): المَفهومانِ يَقرَآنِ ٣:٣٠ من طَرَفَيها.

hadhar يَقرَأُ إنزالَ التَّحذيرِ فِعلاً واقِعاً في وَقتِه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ صِفةَ مَن أنزَلَه وهي لا وَقتَ لَها. والفائِدةُ في القِسمة: الآيةُ لا تُعَلِّلُ التَّحذيرَ بِما حُذِّرَ منه، بَل تَختِمُه بِوَصفٍ لِلمُحَذِّرِ نَفسِه، فيَنتَقِلُ ثِقَلُ الجُملةِ من المَخوفِ إلى القائِل.

  • ghufran (الغُفران، غ-ف-ر): وهو أثبَتُ ما يُقارِنُ rahim في هذه

السُّوَرِ («غَفُورٌ رَّحِيمٌ» و«غَفُورًا رَّحِيمًا» في سَبعةَ عَشَرَ مَوضِعاً)، ولا يُقارِنُ «رَءُوفٌ» مَرّةً واحِدة. والغُفرانُ سَترٌ يَقَعُ على ذَنبٍ سابِق، فيَقتَضي شَيئاً حَدَث. والرَّأفةُ لا تَقتَضي ذَنباً سابِقاً ولا تُذكَرُ بَعدَ ذَنبٍ في المَواضِعِ الثَّلاثة. فَلَيسا في بابٍ واحِد.

  • اللِّينُ والرِّفق: لا مَفهومَ لِواحِدٍ منهُما في المُدَوَّنِ بَعد.

واللِّينُ في ٣:١٥٩ مُسنَدٌ إلى إنسانٍ ومُعَلَّلٌ بِرَحمة، وهذا الجَذرُ لا يُسنَدُ في المُسَجَّلِ إلى إنسانٍ البَتّة. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى كُتِبَ مَفهومُ اللِّين: أنَّ اللِّينَ خُلُقٌ يُرى في المُعامَلة، والرَّأفةَ وَصفٌ لِلهِ لا يُذكَرُ لَه في المُسَجَّلِ أثَرٌ مَوصوفٌ إلّا ما يَسبِقُه في ٢:١٤٣: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ»، وهو نَفيٌ لا فِعل.

المَواضع: مَواقعُ الرَّأفةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:١٤٣ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «رَءُوفٌ» على فَعولٍ خَبَرُ «إنَّ» واسمُها لَفظُ الجَلالة، تَدخُلُه لامُ التَّوكيد، ويَتَقَدَّمُه «بِالنّاسِ» مُتَعَلَّقاً بِه، ويَتلوه «رَحيمٌ» خَبَراً ثانِياً بِلا عاطِف، والجُملةُ تَختِمُ الآيةَ بَعدَ نَفيِ إضاعةِ إيمانِ المُخاطَبين. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ مَقروناً بِـ ر-ح-م في خَبَرٍ واحِدٍ ومُقَدَّماً عَلَيه، والصَّفحةُ تَقرَأُ التَّقديمَ لُطفاً يَسبِقُ الحاجةَ، وهو التَّهَيُّؤُ المَحبوسُ الذي تُعطيه الهَمزة. ويَتَّسِعُ المُتَعَلَّقُ عن المُخاطَبينَ في «إيمانَكُم» إلى «النّاسِ»، وهُمُ الذين جُعِلَتِ الأُمّةُ شُهَداءَ عَلَيهِم في صَدرِ الآية. انظُر الرَّحيم.
  • ٢:٢٠٧ ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: جُملةٌ بِالواوِ يَتلو فيها المُتَعَلَّقُ الوَصفَ. الجَديدُ: يَقَعُ الجَذرُ

خَبَراً عامّاً يَختِمُ صورةَ واحِدٍ بِعَينِه، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجُملةَ لا تُجازي مَن جاءَت بَعدَه. الرَّجُلُ يَشري نَفسَه ويَبتَغي مَرضاةَ اللهِ وَحدَه، والخاتِمةُ تَنصَرِفُ عنه إلى «الْعِبَادِ» كافّة. ولَو كانَتِ الرَّأفةُ جَزاءً لَلَزِمَ أن تُوَجَّهَ إلَيه، ولَو كانَت مُقابِلةً لِعَمَلٍ لَلَزِمَ ذِكرُ العَمَل. وقَبلَ ذلك في السّياقِ صورةُ مَن «أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ» (٢:٢٠٦)، فالنّاسُ في المَوضِعَينِ صِنفانِ والخاتِمةُ لا تُفَرِّقُ بَينَهُما: هي صِفةُ اللهِ لا حُكمٌ في الصِّنفَين. انظُر mardat وshira وnafs وabd.

  • ٣:٣٠ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: الجُملةُ نَفسُها تَختِمُ تَحذيراً. الجَديدُ: تُعادُ

الجُملةُ بِحَرفِها ويَنقَلِبُ ما قَبلَها إلى ضِدِّه، فيَثبُتُ أنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِما تَختِمُه أصلاً. في ٢:٢٠٧ سَبَقَها بَذلٌ وابتِغاءُ رِضاً، وهُنا يَسبِقُها تَحذيرٌ ومَشهَدُ نَفسٍ تَوَدُّ «لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا». فالخاتِمةُ الواحِدةُ تَحتَمِلُ الطَّرَفَينِ لِأنَّها خَبَرٌ عن المَوصوفِ لا عن المُخاطَبين. وأدَقُّ ما يُضيفُه هذا المَوضِعُ لَفظُ النَّفس: هو في المَوضِعَينِ كِلَيهِما، وهو في ٢:٢٠٧ نَفسُ العَبدِ يَبيعُها، وهُنا نَفسُ اللهِ يُحَذِّرُ منها. فالجُملةُ الواحِدةُ تَصِلُ طَرَفَي هذا اللَّفظِ في المُسَجَّل. ويَلي الآيةَ في ٣:٣١ خاتِمةٌ من rahma وghufran («وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»)، فتُقرَأُ الصِّفَتانِ مُتَتالِيَتَينِ ولا تُقرَآنِ هُنا مُجتَمِعَتَين. انظُر hadhar وnafs وrabb.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ mardat وshira وnafs في ٢:٢٠٧: ثَلاثةُ مَفاهيمَ تَقرَأُ

فِعلَ العَبدِ في صَدرِ الآية (بَيعٌ، وابتِغاءُ مَقَرِّ رِضاً، ونَفسٌ هي الثَّمَن)، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما خُتِمَت بِه ولم يُوَجَّه إلَيه. والفائِدةُ في اجتِماعِها: أعلى ما يَبذُلُه عَبدٌ يُذكَرُ ثُمَّ لا تُعَلَّقُ بِه الخاتِمة.

  • مَعَ hadhar في ٣:٣٠: المَوضِعُ مُسَجَّلٌ في المَفهومَينِ مَعاً،

وهو الآيةُ الوَحيدةُ التي يَشتَرِكانِ فيها. hadhar يَقرَأُ فِعلَ التَّحذيرِ ومَوقِعَه من السّورة، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الوَصفَ الذي خُتِمَ بِه. ولا يَستَقيمُ أحَدُ القِراءَتَينِ وَحدَها: التَّحذيرُ بِلا خاتِمَتِه وَعيد، والخاتِمةُ بِلا ما قَبلَها خَبَرٌ مُعَلَّق.

  • مَعَ abd في ٢:٢٠٧ و٣:٣٠: المُتَعَلَّقُ فيهِما واحِدٌ لا يَتَغَيَّر،

«الْعِبَادِ». وabd يَقرَأُ مَن قامَت بِه حالُ الانقِياد، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ أنَّهُم ذُكِروا بِنِسبَتِهِم إلى رَبِّهِم لا بِعَمَلِهِم: لا «بِالمُؤمِنين» ولا «بِالمُتَّقين». وفي ٢:١٤٣ يَقِفُ في هذا المَوقِعِ «النَّاسِ»، فلا نِسبةَ فيه إلى رَبٍّ ولا إلى عَمَل. فيَتِمُّ ما في القِسمِ الأوَّل: وَصفٌ يَنتَشِرُ على مُتَفَرِّقين لا يُنتَقى منهُم أحَد.

  • مَعَ rahim في ٢:١٤٣: المَوضِعُ مُسَجَّلٌ في المَفهومَينِ مَعاً، وهو

الآيةُ الوَحيدةُ في المُدَوَّنِ التي يَجتَمِعُ فيها الجَذران. rahim يَقرَأُ اقتِرانَ «رَحِيمٌ» بِما قَبلَه، والوَصفَينِ عِلّةً لِما نُفِيَ قَبلَهُما في الآيةِ نَفسِها، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ أنَّ «لَرَءُوفٌ» يَلي المُتَعَلَّقَ ويَتَقَدَّمُ الوَصفَ الثّاني.

  • مَعَ rahma في لا مَوضِع: لا يَرِدُ مَصدَرُ ر-ح-م في واحِدٍ من المَواضِعِ

الثَّلاثة، فالجَذرانِ يَجتَمِعانِ في المُدَوَّنِ بِالاسمِ لا بِالمَصدَر، وهو ما يَذكُرُه rahma في قِسمِه الثّالِث.

الإشكالات المَفتوحة

  • «رَءُوف» على فَعول: صيغةُ مُبالَغةٍ أم صِفةٌ مُشَبَّهة؟ الوَزنُ

يَحتَمِلُهُما، والمَعنى يَختَلِف: على الأوَّلِ كَثرةُ صُدورِ الأثَرِ عن صاحِبِه، وعلى الثّاني ثُبوتُ الحالِ فيه. ولا يَحسِمُ المُسَجَّلُ إذ لَيسَ فيه إلّا صيغةٌ واحِدةٌ في ثَلاثةِ مَواضِع، ولا تُوجَدُ صيغةٌ ثانِيةٌ تُقاسُ عَلَيها. ورُجِّحَ الأوَّلُ في القِسمِ الثّالِث بِقَرينةِ التَّوزيعِ وَحدَها (وُقوعُه مُوَجَّهاً بِحَرفٍ دائِماً)، وهو تَرجيحٌ بِالنَّظمِ لا نَصّ.

  • أيُعَدُّ تَكرارُ الجُملةِ بِحَرفِها مَوضِعَينِ أم واحِداً؟ سُجِّلا

مَوضِعَينِ لِأنَّ الجَديدَ في الثّاني ما تَختِمُه الجُملة، لا الجُملةُ نَفسُها. ومَن رَأى أنَّ العِبرةَ بِاللَّفظِ فلَه أن يَعُدَّهُما واحِداً، ويَبقى المَفهومُ حينَئِذٍ بِجُملَتَين: جُملةِ ٢:١٤٣، والجُملةِ المُكَرَّرةِ في ٢:٢٠٧ و٣:٣٠. والقِسمةُ مُعلَنةٌ هُنا.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن