الحَذَر
**ضيقٌ في الباطِنِ يُخرِجُ منه طَرَفاً دَقيقاً فيَجري ولا يُقبَض**. لَيسَ الحَذَرُ انفِعالاً يَقَعُ على النَّفسِ ولا حِصناً يُبنى عَلَيها، بَل حَرَكةً تَمتَدُّ من داخِلٍ ضَيِّقٍ إلى خارِج. ولَيسَ في حُروفِه حَرفٌ يُغلِقُ ولا يُثَبِّت، ولِذلك لم يُسَمَّ بِه في المُسَجَّلِ صِنفٌ من النّاسِ كما سُمِّيَ «المُتَّقون»: الجَذرُ يَصلُحُ لِحَرَكةٍ ولا يَصلُحُ لِمَقام.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ح :: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ،
فيَجري فيه جَرَياناً مُحتَكّاً جافّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. ووَجهُه الأوَّلُ التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن، وصِفَتُه الجَفافُ في الباطِن. فالمَبدَأُ ضيقٌ يَحتَوي في الباطِنِ ثُمَّ يُنفِذ.
- ذ :: طَرَفُ اللِّسانِ يَبرُزُ من باطِنِ الفَمِ فيُماسُّ الأسنانَ
مُماسَّةً رَخوة، ويَجري النَّفَسُ في مَضيقِها نافِذاً، ثُمَّ يَستَرسِلُ ناثِراً دَقيقاً. ووَجهاهُ الإبرازُ من الباطِن والنَّثرُ بِدِقّة. فالوَسَطُ طَرَفٌ دَقيقٌ يُبرَزُ إلى الظّاهِر.
- ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،
والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. ووَجهُه الأوَّلُ الجَرَيانُ المُستَرسِل. فالمُنتَهى جَريٌ يَمضي ولا يُقبَض.
فالتَّركيبُ: يَضيقُ الباطِنُ، فيُبرِزُ طَرَفاً دَقيقاً، فيَجري ولا يُمسَك. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لَيسَت في الخَوفِ ولا في الوِقاية: أنَّ مَبدَأَه في الجَوفِ لا في الخارِج، وأنَّ الخارِجَ منه رَفيعٌ مُوَجَّهٌ لا عامٌّ مُنتَشِر، وأنَّه لا يَنتَهي إلى إغلاق.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- حَذِرَ الشَّيءَ: تَيَقَّظَ لَه وأخَذَ لَه أُهبَتَه. والبابُ بابُ
«فَعِلَ يَفعَلُ» وهو بابُ ما يَقومُ بِصاحِبِه، لا بابُ ما يَقَعُ عَلَيه.
- الحاذِر: المُتَأَهِّبُ الشّاكُّ في سِلاحِه. وهذا الوَجهُ وَحدَه
يَكفي لِإخراجِ اللَّفظِ من بابِ الانفِعالِ إلى بابِ العُدَّة: الحاذِرُ يَمُدُّ أداةً ولا يَرتَعِد.
- حَذارِ: اسمُ فِعلِ أمرٍ بِمَعنى احذَرْ، لا يُقالُ إلّا لِتَنبيهٍ
عاجِلٍ على شَيءٍ بِعَينِه، فالكَلِمةُ في اللِّسانِ مُوَجَّهةٌ دائِماً.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ح-ذ-ر: إبرازُ طَرَفٍ دَقيقٍ من ضيقٍ باطِنٍ يَجري ولا يَحتَبِس.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ عِبارةً واحِدةً بِعَينِها، «حَذَرَ الْمَوْتِ»، تُساقُ في المُسَجَّلِ على فِعلَينِ مُتَعاكِسَين. في ٢:١٩ سَدُّ مَنافِذَ وانكِماشٌ في المَوضِع، وفي ٢:٢٤٣ خُروجٌ من الدِّيارِ وجَريٌ في الأرض. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِهَيئةٍ لَامتَنَعَ أن تَجمَعَهُما كَلِمةٌ واحِدة. أمّا وهو ضيقٌ في الباطِنِ يُبرِزُ طَرَفاً يَجري، فالوَجهانِ حَرفانِ من حُروفِه: ح أعطَتِ الأوَّلَ ور أعطَتِ الثّاني، والكَلِمةُ تَسَعُهُما لِأنَّهُما فيها. ويَنكَشِفُ بِهذا سَبَبُ الفَشَلِ في المَوضِعَينِ مَعاً: جَذرٌ لَيسَ في آخِرِه حَرفُ إغلاقٍ لا يُنشِئُ حِمىً، وما لا يُغلَقُ لا يَمنَعُ مُحيطاً.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
سِتّةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وأربَعُ صِيَغ:
- حَذَرَ (مَصدَرٌ مَنصوبٌ يُعَلَّلُ بِه الفِعلُ قَبلَه): مَوضِعان
(٢:١٩ و٢:٢٤٣)، ومُضافٌ فيهِما جَميعاً إلى «الْمَوْتِ» بِلا تَبديلِ حَرف، وفاعِلُه في المَوضِعَينِ هارِبٌ لا يَنجو.
- احْذَرُوهُ (أمرٌ لِجَماعةِ المُخاطَبينَ مُتَّصِلٌ بِهاءِ الغائِب):
مَوضِعٌ واحِد (٢:٢٣٥)، والهاءُ عائِدةٌ على اللهِ لا على شَيءٍ يَقَع.
- يُحَذِّرُكُمُ (مُضارِعٌ من فَعَّلَ): مَوضِعان (٣:٢٨ و٣:٣٠) بِلَفظٍ
واحِدٍ لا يَختَلِفُ حَرفاً، فاعِلُه اللهُ ومَفعولُه الأوَّلُ المُخاطَبونَ والثّاني «نَفْسَهُ».
- مَحْذُورًا (اسمُ مَفعولٍ مُنَكَّرٌ واقِعٌ خَبَراً لِـ«كانَ»):
مَوضِعٌ واحِد (١٧:٥٧)، ولا يُسَمّي الحَذَرَ ولا الحاذِر، بَل مُتَوَجَّهَ الحَذَر: المَحَلَّ الذي يُمَدُّ إلَيه الطَّرَف. و«المَحذور» لَفظٌ كانَ هذا المَفهومُ يَصطَنِعُه لِنَفسِه في قِراءَتَيْ ٢:١٩ و٢:٢٤٣، فإذا هو صيغةٌ مُثبَتةٌ في المُسَجَّلِ نَفسِه لا اصطِلاحٌ من عِندِنا.
ولا يَرِدُ من الجَذرِ ماضٍ، ولا اسمُ فاعِل، ولا مَصدَرٌ مُعَرَّفٌ بِـ«ال». فلا يُسَمّى في المُسَجَّلِ أحَدٌ بِهذا الجَذرِ اسماً يَلزَمُه، ولا تُوصَفُ بِه جَماعةٌ وَصفاً قارّاً. وهذا يُقابِلُ و-ق-ي مُقابَلةً حادّةً في المُدَوَّنِ نَفسِه: ذاكَ يُعطي «المُتَّقين» اسمَ جَماعةٍ مَعهودةٍ في عَشَراتِ المَواضِع، وهذا لا يُعطي اسماً لِأحَد.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصِّيَغِ الأربَع (طَرَفٌ
يُمَدُّ من ضيقٍ باطِن)، والذي يُوَزِّعُه الوَزنُ أمرانِ: مَن يَمُدُّه
وإلى أينَ يُوَجَّه. فالمَصدَرُ يَمُدُّه الإنسانُ إلى حادِثٍ يَقَع،
والأمرُ يُطلَبُ منه أن يَمُدَّه إلى اللهِ، وفَعَّلَ يَجعَلُ اللهَ هو
المادَّ والإنسانَ هو المَمدودَ إليه. فالجَذرُ يَرتَقي في المُسَجَّلِ
ثَلاثَ دَرَجات: حَذَرٌ يَفشَل، ثُمَّ حَذَرٌ يُؤمَرُ بِه، ثُمَّ تَحذيرٌ
يَنزِل. ثُمَّ تَجيءُ في ١٧:٥٧ صيغةٌ رابِعةٌ لَيسَت دَرَجةً في هذا
السُّلَّم، لِأنَّها لا تَصِفُ مادّاً ولا مَدّاً: **تُسَمّي المَمدودَ
إلَيه نَفسَه**. وهي أوَّلُ مَوضِعٍ يُقَرِّرُ فيه المُسَجَّلُ أنَّ
مَحَلَّ الحَذَرِ كانَ أهلاً لَه، فـ«كانَ» تُثَبِّتُ الوَصفَ، والجُملةُ
تَتلو ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فتُصَحِّحُ مَحَلَّ الخَوفِ لا
الخائِف.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
taqwa(التَّقوى، و-ق-ي): وهو أقرَبُ الجيرانِ وأشَدُّهُم التِباساً،
لِأنَّ كِلَيهِما احتِراسٌ يُقيمُه الإنسانُ على نَفسِه. والفَرقُ يُقرَأُ من الحُروفِ قِراءةً مُنضَبِطة: و-ق-ي وَصلٌ ثُمَّ حَسمٌ مُحكَمٌ يَستَقِرُّ (ق) ثُمَّ امتِدادٌ بَعدَ الاستِقرار، فالتَّقوى تَثبُتُ ثُمَّ تَمتَدّ. وح-ذ-ر ضيقٌ ثُمَّ نَثرٌ دَقيقٌ (ذ) ثُمَّ جَريٌ لا يُقبَض، فالحَذَرُ يَنتَثِرُ ثُمَّ يَجري. فذاكَ بِناءٌ يَقومُ، وهذا خَيطٌ يُمَدّ. ويَشهَدُ لِلفَرقِ في المُسَجَّلِ ثَلاثةُ شَواهِدَ تُعَدّ: أنَّ التَّقوى تُعطي اسمَ جَماعةٍ ولا يُعطيهِ الحَذَر، وأنَّ التَّقوى تَجيءُ على وَزنِ افتَعَلَ فيَتَّحِدُ الحارِسُ والمَحروس، والحَذَرُ لا يَجيءُ عَلَيه في مَوضِعٍ واحِد، وأنَّ التَّقوى يُؤمَرُ بِها مُطلَقةً بِلا مَحَلٍّ مَذكورٍ في أكثَرِ مَواضِعِها والحَذَرُ لا يُذكَرُ إلّا ومَحَلُّه مَنصوصٌ مَعَه. والموضِعُ الحاسِمُ ٣:٢٨، فإنَّ الجَذرَينِ فيه في آيةٍ واحِدة: تَقوى مُرَخَّصٌ فيها مَحَلُّها النّاس، وتَحذيرٌ لا رُخصةَ فيه مَحَلُّه الله. فالتَّقوى يَجوزُ أن تُوَجَّهَ إلى خَلقٍ، والحَذَرُ في المُسَجَّلِ لا يُؤمَرُ بِه إلّا نَحوَ اللهِ نَفسِه.
khawf(الخَوف، خ-و-ف): تَخَلخُلٌ داخِليٌّ يَنفُذُ فيه ما يُهَدِّد،
وهو انفِعالٌ يَتَلَقّى. والحَذَرُ حَرَكةٌ تَخرُج. فالخائِفُ يُفتَحُ فيه فَضاءٌ لِلخَطَر، والحاذِرُ يَمُدُّ منه طَرَفاً إلى الخَطَر. ولِذلك يَصِحُّ حَذَرٌ بِلا خَوفٍ ويَصِحُّ خَوفٌ بِلا حَذَر، وهُما في اللَّفظِ والحَرَكةِ مُتَعاكِسانِ في الجِهَة.
khashya(الخَشية، خ-ش-ي): اختِراقٌ يَنتَشِرُ في الكِيانِ فيَملَؤُهُ
إجلالاً. فالخَشيةُ تَنتَشِرُ داخِلاً والحَذَرُ يَنفُذُ خارِجاً، وهُما يَشتَرِكانِ في أنَّ صاحِبَهُما يَعرِفُ ما يَقَعُ منه.
wadhr(الوَذر، و-ذ-ر): والجَذرانِ يَشتَرِكانِ في الحَرفَينِ
الأخيرَين، فالنَّواةُ ذر فيهِما واحِدة: إبرازٌ من الباطِنِ ثُمَّ جَريٌ لا يُحبَس. والفَرقُ كُلُّه في الأوَّل: و حَلقةٌ كانَت تُحيطُ فانفَرَجَت، فيَخرُجُ ما كانَت تَحويه ولا يُرَدّ، وح ضيقٌ يَحتَوي ويَبقى مُمسِكاً، فلا يَخرُجُ منه إلّا طَرَفٌ رَفيع. فالوَذرُ إخراجُ المَحوِيِّ كُلِّه، والحَذَرُ إخراجُ طَرَفٍ مَعَ إمساكِ الباقي. ويُصَدِّقُه المَحَلّانِ في المُسَجَّل: مَفعولُ و-ذ-ر ذَواتٌ وأموالٌ تُخَلّى، ولَيسَ لِح-ذ-ر مَفعولٌ يُخَلّى البَتّة.
mawt(المَوت، م-و-ت): وهو مَحَلُّ الحَذَرِ في مَوضِعَيه
الفاشِلَين، واللَّفظانِ مُتَجاوِرانِ في العِبارةِ نَفسِها مَرَّتَين. والقِسمةُ بَينَ المَفهومَينِ: mawt يَقرَأُ المَحذورَ، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الحَرَكةَ المَمدودةَ إليه. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما أنَّ المُقتَضِيَ لِلحَذَرِ ثابِتٌ في المَوضِعَينِ ومَعَ ذلك بَطَلَ الحَذَر، فيُعلَمُ أنَّ البُطلانَ لَيسَ في ضَعفِ الباعِثِ بَل في بِنيَةِ الحَرَكة.
المَواضع: مَواقعُ الحَذَرِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ اللَّفظُ
المُسَجَّلَ مَصدَراً يُعَلَّلُ بِه فِعلٌ في البَدَن، لا حالاً في القَلبِ يُوصَف. والفِعلُ المُعَلَّلُ سَدُّ مَنفَذ: أصابِعُ تُدَسُّ في آذان، وهي أدَقُّ ما في البَدَنِ تُمَدُّ إلى أضيَقِ ما فيه، فتَجتَمِعُ في صورةِ الآيةِ صورةُ الجَذرِ نَفسُها: مَضيقٌ يُحتَوى، وطَرَفٌ رَفيعٌ يُبرَزُ إليه. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، فيُحكَمُ على الحَذَرِ بِالبُطلانِ في أوَّلِ مَوضِعٍ لَه، ولا يُوصَفُ بِإثمٍ ولا بِجُبن. والعِلّةُ مَنطوقةٌ في الخِتام: المَحذورُ مُحيطٌ بِصاحِبِه، والإحاطةُ لا يُخرَجُ منها بِسَدِّ ثُقب. انظُر sa3iqa وidhn وsam3.
- ٢:٢٣٥ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾: أوَّلُ أمرٍ بِالحَذَرِ ومَحَلُّه اللهُ. الجَديدُ:
يَنقَلِبُ الجَذرُ من خَبَرٍ عن قَومٍ إلى أمرٍ لِلمُخاطَبين، ويَنتَقِلُ مَحَلُّه من حادِثٍ يَقَعُ إلى اللهِ نَفسِه، فيَصيرُ لِلكَلِمةِ وَجهٌ لم يَكُنْ لَها في ٢:١٩. وتُقَدَّمُ عِلّةُ الأمرِ عَلَيه مَنطوقةً: أنَّه يَعلَمُ ما في الأنفُس. فالمَأمورُ بِه مَبنيٌّ على أنَّ الباطِنَ مَكشوف، لا على أنَّ الضَّرَرَ مُتَوَقَّع، وهذا يُطابِقُ مَبدَأَ الجَذرِ فإنَّ مَوضِعَ الضّيقِ فيه جَوفٌ لا ظاهِر. ويَجيءُ الأمرُ في سِياقِ ما يُضمَرُ ولا يُقال («فيما عَرَّضْتُم بِه» و«أو أكْنَنتُم في أنفُسِكُم»)، فالآيةُ كُلُّها في الباطِنِ الذي منه يَبتَدِئُ الحَذَر. وتُختَمُ بِـ«غَفورٌ حَليم» لا بِوَعيد، فيُعلَمُ أنَّ المَطلوبَ تَيَقُّظٌ لا رُعب. انظُر ilm وsirr وghufran.
- ٢:٢٤٣ ﴿خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾: الوَجهُ الثّاني
لِلحَرَكة. الجَديدُ: تُعادُ العِبارةُ بِحُروفِها وتُساقُ على فِعلٍ مُعاكِسٍ لِلأوَّل. في ٢:١٩ انكِماشٌ في المَوضِعِ وسَدُّ مَنافِذ، وهُنا خُروجٌ من الدّيارِ وجَريٌ في الأرض. فيَثبُتُ أنَّ الكَلِمةَ لا تُسَمّي هَيئةً بِعَينِها بَل حَرَكةً تَقبَلُ الوَجهَين، وهُما وَجها الجَذرِ نَفسُه. ويُذكَرُ العَدَدُ ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ فلا تُغني الكَثرة، ويَقَعُ الجَوابُ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ ﴿مُوتُوا﴾، فيُقضى بِالمَحذورِ عَينِه لا بِغَيرِه: الحَرَكةُ الجاريةُ تُرَدُّ إلى ما جَرَت منه. وبِهذا يَستَقيمُ حُكمُ المَوضِعَينِ: كِلاهُما حَذَرٌ مُوَجَّهٌ إلى ما هو بِيَدِ اللهِ، لا إلى الله. ويُختَمانِ مَعاً بِذِكرِ إحاطَتِه في الأوَّلِ وفَضلِه في الثّاني. انظُر mawt وdiyar وihya.
- ٣:٢٨ ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: تَقوىً وتَحذيرٌ في آيةٍ
واحِدة. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ إلى فَعَّلَ، فيَصيرُ اللهُ فاعِلاً والإنسانُ مَفعولاً أوَّلَ بَعدَ أن كانَ الإنسانُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ قَبلَه هو الحاذِر. والمَفعولُ الثّاني ﴿نَفْسَهُ﴾، فالمُحَذَّرُ منه هو المُحَذِّرُ عَينُه، ولا نَظيرَ لِهذا التَّركيبِ في المُسَجَّل. والفَرقُ بَينَ هذا الجَذرِ وو-ق-ي مَنصوصٌ في هذه الآيةِ لا مُستَنبَط: التَّقوى في صَدرِها مُستَثناةٌ مُرَخَّصٌ فيها ومَحَلُّها بَشَرٌ («مِنْهُمْ»)، والتَّحذيرُ في عَجُزِها ليسَ رُخصةً ومَحَلُّه اللهُ. فما جازَ أن يُتَّقى منه خَلقٌ لم يَجُزْ أن يُغفَلَ عنه خالِق، والفارِقُ لَيسَ شِدّةَ الشُّعورِ بَل جِهَةَ التَّوجيه. انظُر taqwa وmasir وkufr.
- ٣:٣٠ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: التَّحذيرُ يُسَمّى رَأفة. الجَديدُ: تُعادُ الجُملةُ
بِحُروفِها ويُبَدَّلُ ما يَتلوها، فتُقرَأُ الواحِدةُ بِخاتِمَتَينِ: كانَت في ٣:٢٨ ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ وهي غايةُ الطَّريق، وصارَت هُنا ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ وهي صِفةُ المُحَذِّرِ نَفسِه. فيُسَمّى إنزالُ التَّحذيرِ رَأفةً بِالنَّصّ، ويَرتَفِعُ بِذلك أن يُقرَأَ وَعيداً. ويَتَقَدَّمُهُ في الآيةِ مَشهَدُ النَّفسِ تَوَدُّ أن يَكونَ بَينَها وبَينَ عَمَلِها أمَدٌ بَعيد، وهو حَذَرٌ في غَيرِ أوانِه لِأنَّه بَعدَ الوُجدان. فيَستَقيمُ التَّرتيب: يُعرَضُ حَذَرٌ لا يَنفَعُ يَومَئِذٍ، ثُمَّ يُنزَلُ التَّحذيرُ اليَوم، ثُمَّ يُقالُ إنَّ إنزالَه رَحمة. ويَسبِقُ ذلك كُلَّه ﴿إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، وهي عِلّةُ ٢:٢٣٥ بِعَينِها مُعادةً في سورةٍ أُخرى. انظُر nafs وwujud وilm.
- ١٧:٥٧ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: اسمُ مَفعولٍ يُسَمّي المَقصِد.
الجَديدُ: يُخرِجُ المُسَجَّلُ من هذا الجَذرِ اسمَ مَفعول بَعدَ ثَلاثِ صِيَغٍ كُلُّها لِلحَرَكةِ أو لِمَن يَمُدُّها، فيُسَمّى ما يُمَدُّ إلَيه الطَّرَفُ لا المادُّ ولا المَدّ. ويَجيءُ مُنَكَّراً خَبَراً لِـ«كانَ»، فالوَصفُ ثابِتٌ لا حادِث، وبِلا حَدٍّ يُقاسُ بِه. وتَتلو الجُملةُ ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ولا تَتلو ذِكرَ الخائِفين، فتُصَحَّحُ الحَرَكةُ بِتَصحيحِ مَحَلِّها: هؤُلاءِ يَخافون، وما خافوهُ أهلٌ لِأن يُحذَر. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ يَشهَدُ فيه المُسَجَّلُ لِمَحَلِّ الحَذَرِ بَعدَ أن أبطَلَ الحَرَكةَ في ٢:١٩ و٢:٢٤٣. وقِسمةُ المَحَلِّ قائِمةٌ على حالِها: المَحذورُ هُنا ﴿عَذَابَ رَبِّكَ﴾، شَيءٌ بِيَدِه لا هو، فيَلحَقُ بِطَبَقةِ ٢:١٩ و٢:٢٤٣ لا بِطَبَقةِ ٢:٢٣٥ و٣:٢٨ و٣:٣٠. انظُر khawf و3adhab وtaqwa.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
taqwaفي ٣:٢٨: هذا هو المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ الذي
يَجمَعُ الجَذرَين، وtaqwa لا يَحمِلُه في مَواضِعِه. والقِسمةُ بَينَ المَفهومَين: taqwa يَقرَأُ الحِصنَ الذي يُقيمُه المَرءُ على نَفسِه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الخَيطَ الذي يَمُدُّه إلى ما هو خارِجَه. والآيةُ تُرَتِّبُهُما: يُرَخَّصُ في الحِصنِ نَحوَ النّاسِ عِندَ الحاجة، ولا يُرَخَّصُ في تَركِ الخَيطِ مَمدوداً نَحوَ اللهِ بِحال.
- مَعَ
mawtفي ٢:١٩ و٢:٢٤٣: المَوضِعانِ يَجمَعانِ اللَّفظَينِ في
عِبارةٍ واحِدة، فيُقرَآنِ من جِهَتَين: ما يُهرَبُ منه، والحَرَكةُ التي يُهرَبُ بِها. ولا يَتِمُّ حُكمُ الآيَتَينِ بِأحَدِهِما، لِأنَّ الفَشَلَ فيهِما لَيسَ لِأنَّ المَوتَ عَظيمٌ فَحَسب، بَل لِأنَّ الحَرَكةَ المَمدودةَ إليه لا تُغلِقُ شَيئاً. ولِكُلِّ مَفهومٍ صيغَتُه: mawt يُسَجِّلُ «الْمَوتُ» وأخَواتِها، وهذا المَفهومُ يُسَجِّلُ «حَذَرَ» مُفرَدةً، ولا يَشتَرِكانِ في هَيكَلٍ واحِد.
- مَعَ
ilmفي ٢:٢٣٥ و٣:٢٩: المَوضِعانِ يُقَدِّمانِ عِلمَ اللهِ
بِما في الأنفُسِ والصُّدورِ ثُمَّ يُتبِعانِه بِالحَذَرِ أو بِالتَّحذير، وهُما في سورَتَينِ مُختَلِفَتَين. فيُقرَأُ الحَذَرُ المَأمورُ بِه أثَراً لِانكِشافِ الباطِنِ لا لِتَوَقُّعِ الأذى، وهذا هو الذي يَفصِلُه عن الخَوف.
- مَعَ
wujudفي ٣:٣٠:wujudيَقرَأُ صَدرَ الآيةِ حَيثُ تَجِدُ
النَّفسُ عَمَلَها مُحضَراً، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ عَجُزَها حَيثُ يُحَذِّرُ اللهُ نَفسَه. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما أنَّ الآيةَ تَضَعُ بُلوغاً لا يُرَدُّ إلى جانِبِ تَحذيرٍ لا يَزالُ مَفتوحاً، فيُعلَمُ أنَّ مَوضِعَ الحَذَرِ هو اليَومُ لا يَومَئِذٍ.
- مَعَ
idhnوsa3iqaفي ٢:١٩:idhnيَقرَأُ الأُذُنَ مَنفَذاً
مَأذوناً فيه، وsa3iqa يَقرَأُ ما يَنزِلُ من فَوق، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الحَرَكةَ بَينَهُما. والثَّلاثةُ في جُملةٍ واحِدة: مَنفَذٌ، وقارِعةٌ، وإصبَعٌ تُدَسّ.
الإشكالات المَفتوحة
- **«حَذَرَ» في ٢:١٩ و٢:٢٤٣: مَفعولٌ لِأجلِه أم مَصدَرٌ في مَوضِعِ
الحال؟** على الأوَّلِ يَكونُ الحَذَرُ باعِثَ الفِعل، وعلى الثّاني يَكونُ هَيئةَ فاعِلِه حينَ فَعَل. والمَوضِعانِ مُتَطابِقانِ في اللَّفظِ فلا يَفصِلُ أحَدُهُما في الآخَر، ولا ثالِثَ لَهُما في المُسَجَّل. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَكونُ الحَذَرُ سابِقاً لِلحَرَكةِ مُنفَصِلاً عنها، وعلى الثّاني يَكونُ هو الحَرَكةَ نَفسَها. مَفتوح.
- لِمَ لا يَرِدُ من الجَذرِ اسمُ فاعِلٍ ولا مَصدَرٌ مُعَرَّف؟ الغِيابُ
مُطَّرِدٌ في سِتّةٍ من سِتّة، ويُوافِقُ قِراءةَ الحُروفِ (جَذرٌ لا يُغلَقُ لا يُنشِئُ صِفةً قارّة)، ويُقَوّيهِ أنَّ و-ق-ي في المُدَوَّنِ نَفسِه يُعطي اسمَ الجَماعةِ في عَشَراتِ المَواضِع. وقد تَبَدَّلَت صِفةُ هذا الغِيابِ بِـ١٧:٥٧: لم يَعُدْ خانةً فارِغةً بَل خانةً مُصَوَّبة، فالمُسَجَّلُ يُخرِجُ من الجَذرِ وَصفاً جارِياً على اسمٍ، ويُخرِجُه مَفعولاً لا فاعِلاً. فالذي يُسَمّى بِهذا الجَذرِ في المُدَوَّنِ كُلِّه شَيءٌ واحِد: ما يُحذَر. أمّا الحاذِرُ فلا يُسَمّى، وهو حَيٌّ في كَلامِ العَرَبِ كما في §١. لكنَّ سِتّةَ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب، وقد يَكونُ السَّبَبُ أنَّ المُسَجَّلَ لم يَعرِضْ مَقامَ استِعدادٍ لِقِتالٍ يُوصَفُ فيه القَومُ بِأُهبَتِهِم. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى.
- **التَّحذيرُ (فَعَّلَ): أهو الحَذَرُ مُعَدّىً إلى غَيرِ صاحِبِه، أم
مَعنىً ثالِثٌ؟** لَو كانَ تَعدِيَةً مَحضةً لَكانَ المَعنى «جَعَلَكُم تَحذَرون»، وهو مُستَقيم. لكنَّ المَفعولَ الثّاني في المَوضِعَينِ «نَفْسَهُ»، فالمُحَذِّرُ يَدُلُّ على نَفسِه، وهذا لا يَكونُ في تَعدِيَةٍ عادِيّة. ولا يَحسِمُ المُسَجَّلُ لِأنَّ الصّيغةَ لم تَرِدْ فيه إلّا بِهذا المَفعولِ الواحِد. مَفتوح.
- أفَشِلَ الحَذَرُ في ٢:١٩ و٢:٢٤٣ لِنَفسِه أم لِمَحَلِّه؟ المَحَلُّ في
المَوضِعَينِ واحِدٌ هو المَوت، فلا يُمكِنُ فَصلُ أثَرِ الجَذرِ عن أثَرِ مَحَلِّه بِشاهِدٍ ثالِث. والقِراءةُ هُنا على أنَّ العِلّةَ في الجَذرِ (لا حَرفَ إغلاقٍ فيه) ويُؤَيِّدُها أنَّ الآيَتَينِ تُعَلِّلانِ الفَشَلَ بِالإحاطةِ وبِالقَضاءِ لا بِعِظَمِ المَوتِ في نَفسِه. مَفتوح.