الصَّرف / التَّصريف
تَحويلُ الجاري عن وِجهَتِه. يَقَعُ صَدّاً عن جِهةٍ واحِدة، ويَقَعُ تَقليباً في وُجوهٍ كَثيرة، والحَرفُ الأخيرُ هو الذي يُفَرِّقُ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ص: إطباقٌ صَلبٌ لِأقصى اللِّسانِ يَحصُرُ النَّفَسَ في مَضيقٍ خَلفَ
الأسنانِ فيَجري مِنهُ صَفيرٌ غَليظٌ نافِذ. شِحنَتُه: إطباقٌ صَلبٌ يَحصُرُ ثُمَّ يَنفُذُ خالِصاً.
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،
والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها بِلا احتِباس. شِحنَتُه: جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَتَكَرَّرُ بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ماسِكة.
- ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا يَشُقُّ مَجرىً ضَيِّقاً
يَنفُذُ مِنهُ النَّفَسُ ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. شِحنَتُه: شَقٌّ يَنفُذُ جارِياً ثُمَّ يُفَرِّقُ ويُبعِد.
النَّواةُ صر (ص + ر) = مَحصورٌ يَجري مُتَكَرِّراً: ما أُطبِقَ عَلَيهِ في مَضيقٍ لا يَسكُنُ فيه بَل يَتَرَدَّدُ ويُعاوِدُ، ومنهُ الصَّريرُ صَوتُ ما تَرَدَّدَ في ضيق. والإغلاقُ بـف يَشُقُّ لِهذا المَحصورِ الجاري مَخرَجاً ويُبعِدُه عن مَوضِعِه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: تَحويلُ الجاري عن وِجهَتِه بِشَقٍّ يُفَرِّقُ ويُبعِد، فلا يَبقى على جِهَتِه الأولى.
ومنه في كَلامِ العَرَب: صَرَفَ الشَّيءَ رَدَّه عن وَجهِه، وتَصريفُ الشَّيءِ تَقليبُه في وُجوهِه حالاً بَعدَ حال، وصَرفُ الدَّهرِ تَقَلُّبُه، والصَّيرَفيُّ سُمِّيَ بِتَحويلِه العَينَ من صِنفٍ إلى صِنف.
الشِّحنةُ الجامِعة: إزالةُ الشَّيءِ عن جِهَتِه إلى غَيرِها، إمّا رَدّاً عن وَجهٍ واحِدٍ وإمّا تَقليباً في وُجوهٍ مُتَعَدِّدة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تَصْرِيفِ (مَصدَرُ فَعَّلَ على تَفعيل، مُضافاً)، ٢:١٦٤: المَصدَرُ يَجعَلُ
التَّحويلَ حَدَثاً قائِماً مُتَجَدِّداً لا واقِعةً واحِدة، والتَّضعيفُ فيهِ يُفيدُ تَكرارَ الوُجوه.
- صَرَفَكُمْ (ماضٍ ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ مُتَعَدٍّ بِنَفسِه)، ٣:١٥٢: التَّجريدُ
يُفيدُ تَحويلاً واحِداً عن جِهةٍ واحِدةٍ يُبَيِّنُها حَرفُ «عَن».
- صَرَّفْنَا (ماضٍ مُضَعَّفُ العَينِ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ العَظَمة)، ١٧:٤١
و١٧:٨٩ و٢٠:١١٣: التَّضعيفُ يَنقُلُ الجَذرَ من رَدٍّ واحِدٍ إلى تَقليبٍ مُتَكَرِّرٍ في وُجوه، ولِذلكَ لَم يَحتَج في مَواضِعِه إلى «عَن».
الجَذرُ قبلَ الوَزن: التَّحويلُ عن جِهة، من الحُروف. والتَّضعيفُ يُكَثِّرُ
الوُجوهَ ولا يُنشِئُ المَعنى.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور. والفَرقُ القائِمُ فَرقُ وَزنٍ لا فَرقُ مَفهوم: المُجَرَّدُ في ٣:١٥٢ صَدٌّ عن جِهةٍ واحِدةٍ مُقَيَّدٌ بِـ«عَنهُم»، والمُضَعَّفُ في مَواضِعِه الثَّلاثةِ تَقليبٌ في وُجوهٍ لا يُقَيَّدُ بِجِهةٍ يُصرَفُ عَنها بَل بِظَرفٍ يُصَرَّفُ فيه.
المَواضع: مَواقعُ الصَّرفِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٦٤ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ مَصدَراً مُضافاً إلى الرِّياح، مَعدوداً في صَفِّ ما يُقرَأُ آيةً: المَصروفُ جارٍ بِطَبعِه، والتَّصريفُ تَقليبُ جَريانِه في الجِهات. وقَرينُه سَحابٌ مُسَخَّرٌ بَينَ حَدَّينِ، فالتَّحويلُ لا يُخرِجُ المُحَوَّلَ عن حَيِّزِه. وخِتامُ الآيةِ بِالعَقلِ يَجعَلُ التَّحويلَ نَفسَه مَقروءاً. انظُر الآيات، السَّحاب.
- ٣:١٥٢ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾:
الجَديدُ: أوَّلُ فِعلٍ ماضٍ مُجَرَّدٍ، وأوَّلُ مَفعولٍ بَشَريٍّ لِلجَذر. الصَّرفُ هنا رَدٌّ عن جِهةٍ واحِدةٍ يُسَمّيها «عَنهُم»، وعِلَّتُه مَنصوصةٌ: «لِيَبتَلِيَكُم». وقَد سَبَقَه في الآيةِ فَشَلٌ وتَنازُعٌ وعِصيان، فالتَّحويلُ يَقَعُ بَعدَ أن تَحَوَّلَ القَومُ، ويُقرَأُ اختِباراً لا خِذلاناً. انظُر الابتِلاء.
- ١٧:٤١ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾:
الجَديدُ: أوَّلُ تَضعيفٍ لِعَينِ الفِعل، وأوَّلُ مَفعولٍ مَتروكٍ لا يُذكَر. الظَّرفُ «في هذا القُرآن» يَجعَلُ التَّصريفَ داخِلَ الكِتابِ لا خارِجَه، وغايَتُه تَذَكُّر. والجَوابُ المَذكورُ نُفورٌ يَزيد: تَقليبُ الوُجوهِ يُوَسِّعُ المَداخِلَ ولا يُلجِئُ الدّاخِل. انظُر الذِّكر.
- ١٧:٨٩ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾:
الجَديدُ: تَسمِيةُ المُصَرَّفِ ومَن صُرِّفَ لَه. المَفعولُ الذي تُرِكَ في ١٧:٤١ يُذكَرُ هنا «مِن كُلِّ مَثَل»، والمَصروفُ إلَيهِ «لِلنّاس» عامّاً بَعدَ أن كانَ مَطوِيّاً. فالتَّصريفُ يُقرَأُ استيفاءً لِوُجوهِ الضَّربِ لا تَكراراً لِوَجهٍ واحِد، والجَوابُ إباءٌ بَعدَ أن كانَ نُفوراً. انظُر المَثَل.
- ٢٠:١١٣ ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾:
الجَديدُ: أوَّلُ تَخصيصٍ لِصِنفِ المُصَرَّف. كانَ العُمومُ «مِن كُلِّ مَثَل» فصارَ هنا «مِنَ الوَعيد» وَحدَه، والظَّرفُ «فيهِ» يَعودُ على قُرآنٍ وُصِفَ بِالعَرَبِيّةِ قَبلَ سَطر. والغايةُ تَقوى أو ذِكرٌ مُحدَث، فالتَّقليبُ يَقبَلُ التَّضييقَ على صِنفٍ كما قَبِلَ الاتِّساعَ في المَثَل. انظُر التَّقوى.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
aya: ٢:١٦٤ تَختِمُ تَصريفَ الرِّياحِ بِـ﴿لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فالتَّحويلُ
المُطَّرِدُ في الكَونِ مادّةُ آيةٍ لا مُجَرَّدُ حَدَث.
sahab: ٢:١٦٤ تَقرِنُ تَصريفَ الرِّياحِ بِالسَّحابِ المُسَخَّر، فالمُحَوِّلُ
والمُسَخَّرُ في مَشهَدٍ واحِد.
ibtila: ٣:١٥٢ تُعَلِّلُ الصَّرفَ بِالابتِلاء، فالتَّحويلُ عن جِهةٍ
أداةُ اختِبارٍ لا حُكمٌ خاتِم.
dhikr: ١٧:٤١ و٢٠:١١٣ تَجعَلانِ غايةَ التَّصريفِ ذِكراً، فالتَّقليبُ
في الوُجوهِ يُطلَبُ بِه أن يَعلَقَ وَجهٌ.
mathal: ١٧:٨٩ تُسَمّي المُصَرَّفَ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، فالمَثَلُ هو
الوَجهُ الذي يُقَلَّب.
taqwa: ٢٠:١١٣ تَجعَلُ تَصريفَ الوَعيدِ مَرجُوّاً لَه اتِّقاء،
فالتَّخويفُ المُقَلَّبُ في وُجوهِه مُقَدِّمةُ وِقاية.
nasr: ٣:١٥٢ تَقَعُ في مَشهَدٍ بَدَأَ بِصِدقِ الوَعدِ وانتَهى بِعَفوٍ
وفَضل، فالصَّرفُ عن العَدُوِّ لا يُقرَأُ نَقيضاً لِلنَّصرِ بَل مَرحَلةً فيه.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ لَم يَتَعَدَّ المُضَعَّفُ بِـ«عَن» ولا مَرّةً في المَنشور؟ الثَّلاثةُ
كُلُّها تَتَعَدّى بِـ«في» ظَرفاً، والمُجَرَّدُ وَحدَه يَتَعَدّى بِـ«عَن». المَوقِفُ من الحُروفِ أنَّ التَّفريقَ الذي تُعطيهِ الفاءُ يَحتاجُ في المُجَرَّدِ إلى جِهةٍ يُبعَدُ عَنها، ويَستَغني في المُضَعَّفِ بِتَعَدُّدِ الوُجوهِ نَفسِه.
- هل «تَصريفُ الرِّياح» تَحويلُ الجِهةِ أم تَحويلُ الحالِ نَفسِه؟
الحُروفُ تُعطي الوَجهَينِ، والآيةُ لا تُقَيِّدُ بِواحِدٍ مِنهُما، والمَسألةُ مَفتوحةٌ حتّى يَنضَمَّ إلَيها مَوضِعٌ آخَرُ لِلمَصدَر.