الإسراء · الآية 89

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا

جُملةٌ قيلَت مَرَّتَينِ في السّورةِ الواحِدة

هذه هي المَرّةُ الثّانِية، وقد سَبَقَتها وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾ بِلامِ القَسَمِ نَفسِها، و«قَد» نَفسِها، والفِعلِ نَفسِه، والظَّرفِ نَفسِه، فهو لَفظٌ واحِدٌ يَعودُ فيَنعَقِدُ بِه بَينَ المَوضِعَينِ حَبل.

ومَن أرادَ قِراءةَ الثّانِيةِ فلَيسَ عَلَيه أن يُعيدَ تَفكيكَ الأُولى، وحَسبُه أن يَنظُرَ فيما دَخَلَ وما خَرَج. فقد دَخَلَ تَعبيران: لِلنَّاسِ ومِن كُلِّ مَثَلٍ، وحَلَّ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ مَحَلَّ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ، وبَقِيَ الخِتامُ على وَزنِه وتَبَدَّلَ حَرفُه الأوَّل، وفي هذه المَواضِعِ تُقرَأُ الآية.

«لِلنَّاسِ»: مُتَلَقٍّ يُسَمّى، ثُمَّ يُسَمّى ثانِيَةً في مَوضِعِ الرَّدّ

واللّامُ لامُ الوِجهة، وقد كانَ التَّصريفُ في المَوضِعِ الأوَّلِ جارِياً بِلا مُتَلَقٍّ مُسَمًّى يُوَجَّهُ إلَيه، فوُجِّهَ هُنا، والذي يُوَجَّهُ إلَيه الشَّيءُ يَصيرُ مَذكوراً في الحِساب.

وأصلُ ن-و-س انبِعاثٌ يَخرُجُ من باطِنٍ ثُمَّ يَسيلُ مُتَّصِلاً، فالنّاسُ في جِذرِهِم حَرَكةٌ لا تَقِف، لا كُتلةٌ ساكِنةٌ توضَعُ أمامَ الخِطاب، وإلى هذه الحَرَكةِ وُجِّهَ ما يَدور.

ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ في الآيةِ نَفسِها: فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ، فهو اسمٌ واحِدٌ يُذكَرُ مَرَّتَين، مَرّةً في مَقامِ العَطاءِ ومَرّةً في مَقامِ الرَّدّ، والآخِذُ والرّادُّ لَفظٌ واحِد، ولم يُعطَ قَومٌ ويَرُدَّ آخَرون، ولَولا «أكثَر» لَما بَقِيَ في الجُملةِ فُرجة.

«مِن كُلِّ مَثَلٍ»: مَفعولٌ يُذكَرُ بَعدَ حَذف، ويُذكَرُ مُبَعَّضاً

وفي المَوضِعِ الأوَّلِ لم يُذكَرْ لِلتَّصريفِ ما يُصَرَّف، وهو هُنا مَذكورٌ بِـ«مِن»، والفَرقُ بَينَ «صَرَّفنا كُلَّ مَثَلٍ» و«صَرَّفنا مِن كُلِّ مَثَلٍ» فَرقُ إحاطةٍ وتَبعيض، فالأُولى تَستَوفي، والثّانيةُ تَأخُذُ من كُلِّ صِنفٍ طَرَفاً.

والمَثَلُ من م-ث-ل، وهو صورةٌ تُضَمُّ إلى أصلٍ ثُمَّ تَنتَشِرُ عنه وتَبقى مُعَلَّقةً بِه، فهو نَظيرٌ يوقَفُ بِإزاءِ حالٍ لِتُرى الحالُ فيه. وقد جاءَ مُنَكَّراً بَعدَ «كُلّ»، فالأصنافُ مَفتوحةٌ غَيرُ مَعدودة.

والتَّصريفُ واقِعٌ في القُرآن، فقد صُرِّفَ فيه ولم يُصَرَّفْ هو، والذي دارَ صُوَرٌ توضَعُ بِإزاءِ الأحوال، فأُديرَ في الوِعاءِ الواحِدِ نَظيرٌ بَعدَ نَظير، ومِن كُلِّ صِنفٍ طَرَفٌ يَكفي.

«فَأَبَىٰ»: فاءٌ لا مُهلةَ فيها، وامتِناعٌ يُغلَقُ بِاستِثناء

والفاءُ تَصِلُ الأثَرَ بِسَبَبِه بِلا فُرجة، فقد عُرِضَ فامتُنِعَ في نَفَسٍ واحِد.

ومادّةُ أ-ب-ي امتِناعٌ قاطِعٌ يُتَمَسَّكُ بِه ثُمَّ يَمتَدُّ ويَسري، فالإباءُ قَطعٌ يَلزَمُ صاحِبَه ويَستَمِرُّ مَعَه، وليسَ تَرَدُّداً ولا تَأجيلاً. ثُمَّ يَأتي إِلَّا بَعدَ الامتِناعِ فيَنقَلِبُ النَّفيُ حَصراً، أي أنَّ الإباءَ لم يُبقِ لِصاحِبِه إلّا باباً واحِداً، فدَخَلَه.

وهذا التَّركيبُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ بَعدَ عَشرِ آياتٍ في فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾، فيَضيقُ الفاعِلُ من الأكثَرِ إلى صِنفٍ مَوصوف، والتَّجاوُرُ يُقرَأُ ولا يُزادُ عَلَيه.

«إِلَّا كُفُورًا»: الوَزنُ باقٍ، والحَرفُ الأوَّلُ تَبَدَّل

وخِتامُ المَوضِعِ الأوَّلِ إِلَّا نُفُورًا﴾، وخِتامُ هذا إِلَّا كُفُورًا، وهُما مَصدَرانِ على فُعول، بَينَهُما حَرفٌ واحِد، والأُذُنُ تَسمَعُ الفاصِلةَ نَفسَها، والفِعلُ الذي تَحتَها غَيرُه.

وأصلُ ن-ف-ر انبِعاثٌ من الجَوفِ يُباعِدُ ثُمَّ يَمضي مُستَرسِلاً، أي حَرَكةٌ تَبتَعِدُ عن الشَّيء، وك-ف-ر كَتمٌ يُفَرِّقُ ويُبعِدُ، ثُمَّ لَمسةٌ ماسِكةٌ تُلحِمُ السّاترَ بِالمَستورِ فيَلزَمُه، أي يَدٌ توضَعُ على الشَّيءِ فتَلزَمُه. فالأوَّلُ يُخلي المَكانَ ويَمضي، والثّاني يَبقى في المَكانِ ويُغَطّي.

والغِطاءُ لا يوضَعُ إلّا على مَوجود، فالذي نَفَرَ باعَدَ بَينَه وبَينَ ما دار، والذي كَفَرَ أقَرَّ بِمَوضِعِه ثُمَّ أطبَقَ عَلَيه يَدَه. وقد قُرِّبَ في هذا المَوضِعِ ما كانَ بَعيداً، فسُمِّيَ المُتَلَقّي وذُكِرَ المَصروف، فلَمّا لم تَبقَ مَسافةٌ تُقطَعُ صارَ الرَّدُّ سَتراً بَدَلَ أن يَكونَ فِراراً.


حَصيلة

جُملةٌ قيلَت في هذه السّورةِ مَرَّتَين، فالقِراءةُ تَقَعُ على الفَرقِ لا على المُشتَرَك، وقد دَخَلَ تَعبيرانِ وتَبَدَّلَ حَرفٌ واحِد. دَخَلَت لِلنَّاسِ فصارَ لِلإدارةِ وِجهةٌ ومُتَلَقٍّ، وهُمُ الذين مَدارُ جِذرِهِم ن-و-س على انبِعاثٍ من الباطِنِ يَسيلُ ولا يَقِف، ثُمَّ عادَ الاسمُ نَفسُه في مَقامِ الرَّدّ، فالآخِذُ والرّادُّ لَفظٌ واحِدٌ لَولا «أكثَر». ودَخَلَ مِن كُلِّ مَثَلٍ فذُكِرَ ما لم يُذكَرْ أوَّلَ مَرّة، وذُكِرَ مُبَعَّضاً بِـ«مِن»، أي من كُلِّ صِنفٍ طَرَفٌ لا الصِّنفُ كُلُّه، والمَثَلُ صورةٌ توقَفُ بِإزاءِ حالٍ وتَبقى مُعَلَّقةً بِأصلِها. ثُمَّ فاءٌ بِلا مُهلةٍ وإباءٌ يَلزَمُ صاحِبَه، وبَعدَه حَصرٌ يُبقي باباً واحِداً. وتَبَدَّلَ الخِتامُ على وَزنِه، فالنُّفورُ يُباعِدُ ويَمضي، والكُفورُ يَستُرُ ويَلزَم. وقد أُدنِيَ الكَلامُ إلَيهِم وسُمِّيَ لَهُم فلم تَبقَ مَسافةٌ يُنفَرُ فيها، وبَقِيَتِ اليَدُ وَحدَها تَعمَل.