طه · الآية 113

﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا

«وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ»: تَشبيهٌ يَسبِقُ المُشَبَّهَ بِه، وضَميرٌ يَسبِقُ اسمَه

كافُ التَّشبيهِ ثُمَّ اسمُ إشارةٍ لِلبَعيد، والمُشارُ إلَيه لم يُذكَرْ بِلَفظِه، فالتَّشبيهُ مُحالٌ على ما مَضى بِلا تَعيين.

ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ بِنونِ العَظَمةِ وضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِه، والهاءُ تَعودُ على ما لم يُسَمَّ بَعد، ثُمَّ يَجيءُ بَيانُه حالاً بَعدَ الفِعل.

و«قُرْآنًا» حالٌ مَنصوبة، ومادّةُ ق-ر-أ ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه مَقطوعاً بِالنُّطق، فهو مَجموعٌ يُنطَقُ بِه، لا صَحيفةٌ تُطوى.

«عَرَبِيًّا»: صِفةٌ لِلبَيانِ لا مُفاضَلةٌ بَينَ ألسِنة

والوَصفُ الثّاني نِسبةٌ إلى ما يُبين، وأصلُ ع-ر-ب إخراجُ ما في العُمقِ جارِياً بَيِّناً، ومِنه «أعرَبَ عَمّا في نَفسِه» إذا أبانَ عنه.

فالوَصفُ يُخبِرُ بِأنَّ المَجموعَ خَرَجَ في لِسانٍ يُبين، ولَيسَ في الآيةِ مُقابَلةٌ بِلِسانٍ آخَرَ ولا تَفضيلٌ لِواحِدٍ على واحِد.

ومَن قَرَأَ في الوَصفِ حُكماً على الألسِنةِ زادَ في الآيةِ ما لَيسَ فيها، والذي فيها أنَّ ما نَزَلَ نَزَلَ بَيِّناً، وأنَّ البَيانَ شَرطُ ما سَيُطلَبُ بَعدَه من تَوَقٍّ وذِكر.

«وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ»: الفِعلُ ثالِثةً، وأوَّلُ مَرّةٍ يُسَمّى فيها المُصَرَّف

والفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ لِلتَّكرار، وأصلُه في ص-ر-ف شَيءٌ مُمسَكٌ يُدارُ فتَتَفَرَّقُ وُجوهُه، فالحَدَثُ إدارةُ الواحِدِ لا تَكثيرُ المُتَعَدِّد.

وقد وَرَدَ هذا الفِعلُ بِنونِ العَظَمةِ نَفسِها مَرَّتَينِ قَبلَ هذا المَوضِع، ولم يُذكَرْ في المَرَّتَينِ كِلتَيهِما ما أُديرَ، فحُذِفَ المَفعولُ مَرّةً وأُبهِمَ مَرّةً بِـ«مِن كُلِّ مَثَل».

وهُنا وَحدَها يُسَمّى: مِنَ الْوَعِيدِ، فالسّورةُ تُعطي الفِعلَ مَفعولاً لم تُعطِه إيّاه من قَبل.

و«مِنْ» تُبَعِّضُ فيه أيضاً، فالمُرادُ بَعضُ الوَعيدِ دونَ كُلِّه، والمُدارُ جُزءٌ من بابٍ لا البابُ كُلُّه.

ومادّةُ الوَعيدِ و-ع-د، وهي رَبطٌ يَنعَقِدُ في الباطِنِ ثُمَّ يَثبُت، والوَعيدُ من هذا الأصلِ ما انعَقَدَ بِمَكروهٍ آتٍ، فهو مَربوطٌ قَبلَ أن يَحضُرَ وَقتُه.

«لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا»: خِتامٌ يَنقَلِب

ووَرَدَ الفِعلُ مَرَّتَينِ قَبلَ هذا وانتَهى فيهِما إلى امتِناع: إِلَّا نُفُورًا﴾ ثُمَّ إِلَّا كُفُورًا﴾، وهو استِثناءٌ بَعدَ نَفيٍ في المَوضِعَين.

وهُنا يَنقَلِبُ الخِتام، فلا استِثناءَ فيه ولا نَفي، وإنَّما جاءَت «لَعَلَّ» ثُمَّ غايَتانِ مَعطوفَتانِ بِـ«أو».

و«لَعَلَّ» لا تُفيدُ يَقيناً، فالغايةُ مَرجُوّةٌ غَيرُ مَقطوعٍ بِوُقوعِها، وهذا يُقرَأُ ولا يُشَدَّدُ عَلَيه.

والغايةُ الأولى «يَتَّقُونَ» على وَزنِ افتَعَل، أي أن يَتَّخِذوا لِأنفُسِهِم وِقايةً بِأنفُسِهِم. والوِقايةُ من و-ق-ي، وهي إحاطةٌ تَشتَدُّ فتَمنَع، فالمَطلوبُ حِجابٌ يُقيمونَه، لا شُعورٌ يَقَعُ فيهِم.

والغايةُ الثّانيةُ فِعلٌ لا فاعِلَ ظاهِرَ لَه: «يُحْدِثُ»، وهُم فيها يُفعَلُ لَهُم ولا يَفعَلون، بِدَليلِ «لَهُمْ».

فالغايَتانِ غَيرُ دَرَجَتَينِ في شَيءٍ واحِد، والأولى صَنيعُهُم والثّانيةُ واقِعةٌ بِهِم، و«أو» تَفصِلُ بَينَهُما ولا تَجمَع.

«ذِكْرًا»: مادّةٌ تَعودُ إلى أوَّلِ الخَبَر

و«يُحْدِثُ» من ح-د-ث، وأصلُه أمرٌ يَتَعَيَّنُ بَعدَ أن لم يَكُنْ ثُمَّ يُبَثُّ ويُنتَقَلُ بِه، وهي المادّةُ التي افتُتِحَ بِها الخَبَرُ الطَّويلُ في هذه السّورة: حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾.

فقد فُتِحَ البابُ بِاسمٍ من هذه المادّة، ويُرجى في هذه الآيةِ فِعلٌ مِنها، وما كانَ خَبَراً يُنقَلُ يُرادُ لَه أن يَصيرَ حَدَثاً يَقَعُ في السّامِع.

و«ذِكْرًا» من ذ-ك-ر، وهو نُفوذٌ يُحفَظُ في الباطِنِ ثُمَّ يُعادُ إلى الظّاهِر، فالمَرجُوُّ إحداثُ ما يُحفَظُ ويُعاد، ولا يَقِفُ عِندَ سَماعٍ يَمُرّ.

وهو نَكِرةٌ مَنصوبةٌ بِلا وَصفٍ ولا إضافة، ولم يُبَيَّنْ ذِكرُ ماذا هو.


حَصيلة

كافُ تَشبيهٍ تُحيلُ على ما مَضى بِلا تَعيين، ثُمَّ فِعلٌ بِنونِ العَظَمةِ وضَميرٌ يَسبِقُ بَيانَه، ثُمَّ حالان: «قُرْآنًا» من ق-ر-أ، وهو ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه مَقطوعاً بِالنُّطق، و«عَرَبِيًّا» من ع-ر-ب، وهو إخراجُ ما في العُمقِ جارِياً بَيِّناً. والوَصفُ الثّاني يُخبِرُ بِأنَّ المَجموعَ خَرَجَ في لِسانٍ يُبين، ولَيسَ في الآيةِ مُقابَلةٌ بِلِسانٍ آخَرَ ولا تَفضيل. ثُمَّ فِعلٌ على وَزنِ التَّكرارِ من ص-ر-ف، وأصلُه شَيءٌ مُمسَكٌ يُدارُ فتَتَفَرَّقُ وُجوهُه، فالحَدَثُ إدارةُ الواحِدِ لا تَكثيرُ المُتَعَدِّد. وقد وَرَدَ هذا الفِعلُ بِنونِ العَظَمةِ نَفسِها مَرَّتَينِ قَبلَ هذا المَوضِعِ ولم يُذكَرْ فيهِما ما أُديرَ، وهُنا وَحدَها يُسَمّى، وهو بَعضٌ من الوَعيد، بِـ«مِنْ» تُبَعِّضُ حتّى في التَّسمِية. والوَعيدُ من و-ع-د رَبطٌ يَنعَقِدُ في الباطِنِ ثُمَّ يَثبُت، فما انعَقَدَ بِمَكروهٍ آتٍ مَربوطٌ قَبلَ أن يَحضُرَ وَقتُه. ثُمَّ يَنقَلِبُ الخِتام، فقد كانَ في المَوضِعَينِ الأوَّلَينِ استِثناءً بَعدَ نَفي، وهو هُنا رَجاءٌ بِـ«لَعَلَّ» وغايَتانِ مَعطوفَتانِ بِـ«أو». والأولى صَنيعُهُم، «يَتَّقُونَ» على افتَعَل، أي أن يَتَّخِذوا لِأنفُسِهِم وِقايةً، والوِقايةُ من و-ق-ي إحاطةٌ تَشتَدُّ فتَمنَع. والثّانيةُ واقِعةٌ بِهِم ولَيسَت صَنيعاً لَهُم، بِدَليلِ اللّامِ في «لَهُمْ». و«يُحْدِثُ» من ح-د-ث، وهي المادّةُ التي افتُتِحَ بِها الخَبَرُ الطَّويلُ في هذه السّورةِ اسماً، فيُرجى هُنا أن تَعودَ فِعلاً، أي أن يَقَعَ ما نُقِلَ خَبَراً حَدَثاً في السّامِع. و«ذِكْرًا» من ذ-ك-ر نُفوذٌ يُحفَظُ في الباطِنِ ثُمَّ يُعادُ إلى الظّاهِر، وقد جاءَ نَكِرةً بِلا إضافةٍ ولا وَصف، ولم يُبَيَّنْ ذِكرُ ماذا هو.