آل عمران · الآية 152

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

«وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ»: الوعدُ يَثبُتُ في لحظةِ الفعل

اجتمعت الواوُ واللّامُ و«قد» على توكيدِ الماضي: صدقكم الله وعدَه. والصدقُ من ص-د-ق، وأصلُه إطباقٌ صُلبٌ يَدفَعُ نافذاً ثمّ يَنعَقِدُ في العُمق، فيَحمِلُ مطابقةً ثابتة. والمخاطَبونَ مفعولٌ، و«وعده» مفعولٌ ثانٍ، من و-ع-د، وهو عقدٌ يَظهَرُ ثمّ يَثبُتُ بالدفع. وتَربِطُ «إذ» ذلك بزمنِ «تحسّونهم»، والضميرانِ فيه يَفصلانِ المخاطَبينَ عن الجهةِ المقابلة، والباءُ تَحصرُ الفعلَ بإذنِه، فلا يُنسَبُ ما وقعَ إلى قوّةٍ مستقلّة.

«حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم»: الحدُّ يَجمعُ ثلاثَ حركات

و«حتى إذا» تَضعُ حدّاً للحالِ السابقة، ثمّ تَسردُ ثلاثةَ أفعالٍ مسندةٍ إلى المخاطَبين. والفشلُ من ف-ش-ل، وهو شَقٌّ يَنتشرُ ثمّ يَتعلّقُ بالمَجرى، فيَحمِلُ تراخياً يَفتحُ التماسك. والتنازعُ من ن-ز-ع، ومعناه احتواءٌ يَتضاغطُ ثمّ يَظهَرُ من العُمق، وصيغةُ التفاعلِ فيه تَحمِلُ جذباً متبادلاً «في الأمر». ثمّ أُضيفَ بالواوِ «عصيتم»، من ع-ص-ي، وهو ظهورٌ يَدخُلُ إطباقاً صُلباً ويمتدُّ بعيداً عن الانقياد. وقد اجتمعت الحركاتُ الثلاثُ في إسنادٍ واحدٍ إلى جمعِ الخطاب، فالجمعُ كلُّه يَحمِلُ حَدَّ «حتى إذا» على السواء: تراخٍ في التماسك، وجَذبٌ متبادلٌ في الأمر، وخروجٌ عن الانقياد.

«مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ»: التَّرتيبُ يَضعُ العصيانَ بعدَ الرؤية

و«من بعد» تُقيمُ ترتيباً صريحاً: الحركاتُ السابقةُ جاءت بعدَ أن أراهم ما يحبّون. والإراءةُ من ر-أ-ي، وأصلُها جريانٌ يَلتقي ظهوراً مفاجئاً ويمتدُّ إلى الإدراك، وصيغةُ الإفعالِ تُوصِلُ المرئيَّ إلى المخاطَبين. والموصولُ الثاني «ما» مفعولُ الإراءة، وصلتُه «تحبّون». والمحبّةُ صِلةٌ باطنةٌ يَكثّفُها تَكرارُ الباء، والمضارعُ يُجدِّدُ تعلّقَهم بالمحبوب. ويَبقى المحبوبُ في الآيةِ موصولاً غيرَ مسمّى باسم، تُعَرِّفُه صِلتُه وحدَها: «ما تحبّون»، وبهذا يَقومُ الوَصفُ على فعلِ قلوبِهم، فتُقاسُ الحركةُ التاليةُ بمَيلِهم دونَ جِنسِ الشيءِ الذي مالوا إليه.

«مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ»: التَّبعيضُ يَكشفُ وِجهتَين

وقُدِّمَ «منكم» في الجملةِ مرّتين، فحُفِظَ في كلِّ مرّةٍ خروجُ فئةٍ من داخلِ الجماعة، ولم يُحكَم على الجميعِ بوِجهةٍ واحدة. والإرادةُ من ر-و-د، وهي جريانٌ مُستَرسِلٌ يَمتَدُّ ثمّ يَندفِعُ إلى مقصد، ومفعولُها في القسمِ الأوّلِ الدنيا، وهي الجهةُ الأقرب، وفي الثاني الآخرة، وهي الجهةُ الأخيرة. والتكرارُ يَجعلُ التركيبينِ مرآتينِ ويُبدّلُ المفعولَ وحدَه، فتَقِفُ كلُّ وِجهةٍ على فئتِها من داخلِ الخطابِ الواحد، ويَبقى الجمعُ مخاطَباً بلفظٍ واحدٍ وهو موزَّعٌ في إرادتِه بينَ جهتَين.

«ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ... وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ»: الصَّرفُ والابتلاءُ يَنتهيانِ إلى العفو

و«ثمّ» تُرتِّبُ فعلاً لاحقاً هو: صرفكم عنهم. والصرفُ من ص-ر-ف، وأصلُه إطباقٌ يَجري ثمّ يَفتحُ شَقّاً، فيَحمِلُ تحويلَ الوِجهة. واللّامُ تَربِطُ الصرفَ بالابتلاء، من ب-ل-و، وهو اتصالٌ يَمتَدُّ في اختبارٍ يكشف. ثمّ تُحقِّقُ اللّامُ و«قد» عفوَه عنهم، والعفوُ تَخليةٌ للمَجرى بعدَ العائق. وتُختَمُ الجملةُ بأنّ اللهَ ذو فضلٍ على المؤمنين، والفضلُ من ف-ض-ل، ومعناه انفتاحٌ يَضمُّ ثمّ يَمتَدُّ زيادةً، واسمُ الفاعلِ يَحمِلُ طبيعةَ إيمانٍ مستمرّة. والعفوُ والفضلُ لا يَمحوانِ الأفعالَ التي سمّاها النصّ.


حَصيلة

يُثبِتُ صدرُ الآيةِ صدقَ الله وعدَه حينَ وقعَ الفعلُ بإذنِه، ثمّ تَضعُ «حتى إذا» حدَّ الفشلِ والتنازعِ في الأمرِ والعصيان، وقد حدثَ ذلك بعدَ إراءتِهم ما يحبّون. ثمّ كشفَ التبعيضُ وِجهتَين داخلَهم: مَن يريدُ الدنيا ومَن يريدُ الآخرة، وبعدَها صرفَهم عن الجهةِ المقابلةِ ليَبتليَهم، ثمّ ثَبَتَ العفوُ عنهم والفضلُ على المؤمنين. وبذلك تَحفظُ الآيةُ في ألفاظِها أربعةَ أشياء: الإذنَ الذي وقعَ به الفعلُ في أوّلِها، والمسؤوليةَ مسندةً إلى جمعِ الخطابِ لا إلى بعضِه، والتبعيضَ الذي يُبقي الوِجهتَينِ متمايزتَين داخلَ الجماعة، والعفوَ الذي جاءَ بعدَ الابتلاءِ لا قبلَه.