الإسراء · الآية 41

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا

«وَلَقَدْ صَرَّفْنَا»: إدارةُ الواحِدِ، ومَفعولٌ لا يُذكَر

لامُ القَسَمِ ثُمَّ «قَد» لِلتَّحقيق. أُكِّدَ الخَبَرُ مَرَّتَينِ قَبلَ أن يُقال.

ثُمَّ يَأتي الفِعلُ بِلا مَفعولٍ ظاهِر. ذُكِرَ التَّصريفُ ولم يُذكَرْ ما صُرِّف. والجِذرُ ص-ر-ف إمساكٌ صَلبٌ يَجري ثُمَّ يُفَرَّقُ في الجِهات: شَيءٌ واحِدٌ مُمسَكٌ يُدارُ فيُرى مِنه وَجهٌ بَعدَ وَجه. فالتَّصريفُ لَيسَ تَكثيراً لِلأشياء، بل إدارةٌ لِلشَّيءِ الواحِد.

وتَضعيفُ العَينِ في «صَرَّفَ» يَجعَلُ الإدارةَ مُتَكَرِّرة. لا دَورةً واحِدةً بَل دَوراتٍ مُتَتالِيَة. ومَن أدارَ الشَّيءَ مَرَّةً أراكَ وَجهاً، ومَن أدارَه مِراراً أراكَ الشَّيءَ كُلَّه. ما تَعَدَّدَ إنَّما هو المَنظَر، والمَنظورُ إلَيهِ واحِد.

«فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ»: وِعاءٌ يُشارُ إلَيهِ حاضِراً

«في» ظَرفِيّة. لم يُقَلْ «صَرَّفنا هذا القُرآن»، بَل «صَرَّفنا فيه». فالقُرآنُ مَوضِعُ الإدارةِ لا الشَّيءُ المُدار.

و«هذا» إشارةٌ إلى حاضِرٍ بَينَ يَدَي السّامِع: مَتلُوٌّ الآن، لا كِتابٌ يُوصَفُ من بَعيد. والجِذرُ ق-ر-أ ضَمٌّ يَجمَعُ المُتَفَرِّقَ ثُمَّ يُخرِجُه مَقطوعاً بِالنُّطق. فالاسمُ في أصلِه جَمع، والفِعلُ الجاري فيه تَفريقٌ في الوُجوه. جامِعٌ يُصَرَّفُ في جَوفِه، لا مَجموعٌ يُبَعثَر.

والكَلِمةُ نَفسُها تَعودُ في هذا المَقطَعِ مَرَّتَينِ بَعدَ هذا المَوضِع، مَرَّةً مَتلُوّاً ومَرَّةً مَوضِعاً لِلذِّكر. اسمٌ واحِدٌ يَحمِلُ الفَصلَ كُلَّه على ظَهرِه.

«لِيَذَّكَّرُوا»: غايةٌ مَنصوصة، وفِعلٌ يَعودُ على صاحِبِه

اللّامُ تُعَلِّل. فالغايةُ مَقولةٌ لا مُستَنبَطة، ولا حاجةَ بِالقارِئِ أن يَقتَرِحَ لِلتَّصريفِ عِلّة.

و«يَذَّكَّروا» أصلُها «يَتَذَكَّروا»، أُدغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ فالتَحَمَ الحَرفانِ حَرفاً واحِداً مُشَدَّداً. وصيغةُ تَفَعَّلَ تَكَلُّفٌ يَقَعُ على النَّفس: الذِّكرُ يَصنَعُه المُتَذَكِّرُ في جَوفِه، لا يُصَبُّ عَلَيهِ صَبّاً.

والجِذرُ ذ-ك-ر نَفاذٌ حادٌّ يُكتَمُ في الباطِنِ ثُمَّ يُعاد. فالتَّذَكُّرُ إخراجُ ما استُودِعَ لا استِقبالُ غَريب. أُديرَ الوَجهُ في الكَلامِ لِيُديرَ وَجهاً في الصَّدر.

«وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا»: زِيادةٌ تَقَعُ في الجِهةِ المُقابِلة

نَفيٌ ثُمَّ استِثناء، وهو حَصر. الأثَرُ واحِدٌ لا ثانِيَ لَه.

والفاعِلُ في «يَزيدُهُم» مُضمَرٌ كما أُضمِرَ مَفعولُ «صَرَّفنا». الذي دارَ هو الذي يَزيد. وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً بَعدَ ماضٍ: التَّصريفُ تَمَّ، والزِّيادةُ جارِيَةٌ بَعدَه.

والزِّيادةُ في ز-ي-د ضَمٌّ يَلتَصِقُ بِالمَزيدِ فيه ويَثبُت. فالنُّفورُ لا يَمُرُّ بِهِم مُروراً، بَل يُضافُ إلَيهِم فيَبقى في حِسابِهِم. والنُّفورُ في ن-ف-ر انبِعاثٌ من الباطِنِ يُباعِدُ ثُمَّ يَمضي مُستَرسِلاً؛ فالحَرَكةُ تَبتَدِئُ في الجَوفِ قَبلَ أن تَظهَرَ في القَدَم.

وهذه الكَلِمةُ لَيست مَقولةً هُنا مَرَّةً واحِدة: بِها يُفتَحُ المَقطَعُ وبِها يُغلَقُ فَصلُه الأوَّل، فتَقَعُ عَلَماً على طَرَفَيه. أُديرَ الكَلامُ لِيَقرُبوا فازدادوا بُعداً، والمِقدارُ الذي زادَ هو المَسافة.


حَصيلة

قَسَمٌ وتَحقيقٌ ثُمَّ فِعلٌ يَخلو من مَفعولِه: «صَرَّفنا» ولا يُقالُ ماذا. والجِذرُ ص-ر-ف إمساكٌ يَجري ثُمَّ يُفَرَّقُ في الوُجوه، والتَّضعيفُ يُكَرِّرُ الإدارة، فالكَثرةُ في المَناظِرِ لا في المَنظور. و«في هذا القُرآن» ظَرفٌ لا مَفعول: الجامِعُ الذي من ق-ر-أ يُصَرَّفُ في جَوفِه ولا يُبَعثَر، وهو مُشارٌ إلَيهِ حاضِراً بَينَ يَدَي سامِعِه. والغايةُ مَنصوصةٌ بِاللّام: «لِيَذَّكَّروا»، وصيغَتُها تُرجِعُ الفِعلَ على فاعِلِه، والجِذرُ ذ-ك-ر إمساكٌ في الباطِنِ ثُمَّ إعادة. ثُمَّ يَنقَلِبُ الميزان: «ما... إلّا» حَصرٌ، و«يَزيدُهُم» ضَمٌّ يَثبُت، و«نُفوراً» انبِعاثٌ من الجَوفِ يُباعِد. أُريدَ لِلدَّورةِ في اللَّفظِ أن تُحَرِّكَ دَورةً في الصَّدر، فتَحَرَّكَتِ الأقدامُ إلى الخَلف.