الشُّحّ
حَصرٌ في النَّفسِ يَضُمُّ ما يَبلُغُه ويُضَيِّقُ مَخرَجَه، فلا يَخرُجُ مِنه شَيءٌ إلّا بِعُسر. والمَنشورُ يَكتُبُه مَرّةً واحِدةً (٤:١٢٨)، اسماً لِحالٍ تُقامُ فيها الأنفُسُ بَينَ صُلحٍ يوصَفُ بِالخَيرِ وإحسانٍ يُدعى إلَيه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، الآخِرانِ مِنها حَرفٌ واحِدٌ مُكَرَّر:
- ش: يَرتَفِعُ اللِّسانُ نَحوَ الحَنَكِ فيَحصُرُ النَّفَسَ في مَجرىً ضَيِّقٍ عَريض. شِحنَتُه: الحصرُ والضمّ.
- ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ في الباطِن. شِحنَتُه: التضييقُ والاحتواءُ في الباطن.
- ح: الحَرفُ نَفسُه مُكَرَّراً في آخِرِ الجَذر، يَجري النَّفَسُ في مَضيقِه جَرَياناً مُحتَكّاً. شِحنَتُه: الجريانُ المحتكُّ في المضيق.
النَّواةُ شح (ش + ح) = حَصرٌ يَضُمُّ ما في الباطِنِ ويُضَيِّقُ عَلَيه. ثُمَّ ح مُكَرَّرةً (الجريانُ المحتكُّ في المضيق)، فلا يَخرُجُ مِمّا حُصِرَ إلّا ما يَجري مُحتَكّاً في مَضيق. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إمساكٌ يَحصُرُ ما عِندَ صاحِبِه ويُضَيِّقُ مَخرَجَه حتّى لا يَخرُجَ مِنه شَيءٌ إلّا بِعُسر.
والجَذرُ في المُصحَفِ كُلِّه خَمسُ كَلِماتٍ في أربَعِ آيات، واحِدةٌ مِنها في المَنشور:
- «وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ» (٤:١٢٨): اسمٌ مُعَرَّفٌ تُجعَلُ الأنفُسُ حاضِرةً عِندَه.
- «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ» و«أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» (٣٣:١٩): جَمعُ وَصفٍ لِقَوم، و«على» تُسَمّي ما يَنضَمُّ عَلَيه الحَصر.
- «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٥٩:٩، ٦٤:١٦): اسمٌ مُضافٌ إلى النَّفس، والنَّجاةُ مِنه وِقاية.
وكَلامُ العَرَبِ يُعطي الشُّحَّ وَجهَين: بُخلاً يُمسِكُ ما في اليَد، وحِرصاً يَطلُبُ ما لَيسَ فيها. والوَجهانِ يَخرُجانِ من حَرَكةٍ واحِدة: ش تَضُمُّ ما تَبلُغُه فتَحصُرُه، وهذا الحِرص، والمَخرَجُ المُضَيَّقُ لا يَدَعُ شَيئاً يَخرُجُ إلّا بِعُسر، وهذا البُخل. فالشَّحيحُ قَبضةٌ واحِدةٌ تَنضَمُّ على ما عِندَها وعلى ما تَصِلُ إلَيه، و«على» في «أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» تُسَمّي ما تَنضَمُّ عَلَيه. ومنه «زَندٌ شَحاح»: زَندٌ يُمسِكُ نارَه فلا يوري.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ش-ح-ح: حَصرٌ في النَّفسِ يَضُمُّ ما يَبلُغُه ويُضَيِّقُ مَخرَجَه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَسأَلَتَين:
الأولى: لِماذا يُضافُ الشُّحُّ إلى النَّفس. الحَصرُ صِفةُ الوِعاءِ قَبلَ أن يَكونَ فِعلاً في شَيء، فالمُصحَفُ يَجعَلُ الشُّحَّ حالاً في النَّفسِ تُقامُ فيها أو تُوقاها: «الْأَنفُسُ الشُّحَّ» (٤:١٢٨) و«شُحَّ نَفْسِهِ» (٥٩:٩، ٦٤:١٦). ويُعَدّي البُخلَ بِالباءِ إلى ما يُبخَلُ بِه: «يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ» (٣:١٨٠)، ويُعَدّي الشُّحَّ بِـ«على» إلى ما يَنضَمُّ عَلَيه، أو يُطلِقُه اسماً لِحالٍ في النَّفس.
الثّانية: لِماذا يُقابَلُ بِالإحسانِ والوِقاية. ما حُصِرَ في الباطِنِ يُقابَلُ بِما يَفتَحُ مَخرَجَه وبِما يَقي مِنه: في ٤:١٢٨ يَتلوه «وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا»، والإحسانُ يُخرِجُ فَوقَ الحَدّ، والتَّقوى من الجَذرِ و-ق-ي الذي يُقرَنُ بِالشُّحِّ نَفسِه في «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» (٥٩:٩، ٦٤:١٦).
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- الشُّحَّ (مَصدَرٌ مُعَرَّفٌ بِأل على فُعْل): الصّيغةُ الوَحيدةُ في المَنشور، ٤:١٢٨، مَفعولٌ ثانٍ لِـ«أُحضِرَت» المَبنيِّ لِلمَجهول، ونائبُ فاعِلِه «الأنفُسُ». والتَّعريفُ يَجعَلُه الحالَ المَعروفةَ في كُلِّ نَفس.
- شُحَّ نَفْسِهِ (المَصدَرُ مُضافاً إلى النَّفس): في ٥٩:٩ و٦٤:١٦، ولم تُنشَرِ السّورَتان. الإضافةُ تَجعَلُ لِكُلِّ نَفسٍ شُحَّها، ويَقَعُ الاسمُ مَفعولاً ثانِياً لِفِعلِ الوِقاية.
- أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ و«أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ» (جَمعُ «شَحيح» على أفعِلة، مَنصوباً على الحال): في ٣٣:١٩، ولم تُنشَرِ السّورة. الوَصفُ يَنتَقِلُ من الحالِ إلى أصحابِها، و«على» تُسَمّي ما يَنضَمُّ عَلَيه الحَصر.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الجَذرُ في المُصحَفِ اسمٌ ووَصف: الشُّحُّ حالاً، والأشِحّةُ
أصحاباً لَها، ولا فِعلَ مِنه في آيةٍ من آياتِه. فالحَصرُ حالٌ تُسَمّى ويوصَفُ
بِها، والنَّفسُ تُقامُ فيها أو تُوقاها، وهذا مُوافِقٌ لِما في الحُروف: حَصرٌ
يَضُمُّ ويُضَيِّقُ صِفةٌ لِلوِعاءِ قَبلَ أن يَكونَ حَرَكةً في شَيء.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
لا مَفهومَ ثانِياً لِلجَذرِ في المُعجَم. ويُجاوِرُه:
- البُخل (البُخل، ب-خ-ل): قَبضٌ يُنقِصُ المَقبوضَ ويَلزَمُ القابِض. البُخلُ فِعلٌ يَقَعُ عِندَ البَذلِ ويُعَدّى بِالباءِ إلى ما يُمسَك، والشُّحُّ حالٌ في النَّفسِ تَسبِقُ البَذلَ وتَضُمُّ ما في اليَدِ وما يُطلَبُ مَعاً. والمَنشورُ يَكتُبُ البُخلَ في ثَلاثِ آياتٍ والشُّحَّ في واحِدة، ولا يَجمَعُهُما في آيةٍ واحِدة.
- التَّقتير (التَّقتير، ق-ت-ر): تَضييقُ المَخرَجِ مَعَ بَقاءِ الجَرَيان، وفي الإسراءِ «وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا» (١٧:١٠٠). التَّقتيرُ يُسَمّي قِلّةَ ما يَخرُجُ وهو ما زالَ يَجري، والشُّحُّ يُسَمّي الحَصرَ الذي في النَّفسِ قَبلَ الخُروج.
- الإمساك (الإمساك، م-س-ك): تَثبيتٌ سَهلٌ يُبقي ما أُمسِكَ على حالِه، ويُمدَحُ في مَوضِعِه: «فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ» (٢:٢٢٩). والشُّحُّ حَصرٌ يُضَيِّقُ المَخرَج، وتُطلَبُ الوِقايةُ مِنه.
- الحِرص (الحِرص، ح-ر-ص): تَعَلُّقٌ شَديدٌ بِالمَطلوبِ مَعَ قَلَقِ الفَوات. الحِرصُ يَتَّجِهُ إلى ما يُطلَب، والشُّحُّ يَجمَعُ الطَّلَبَ والإمساكَ في حَصرٍ واحِد.
المَواضع: مَواقعُ الشُّحِّ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٤:١٢٨ ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «الشُّحَّ» مَصدَرٌ مُعَرَّفٌ مَفعولٌ ثانٍ لِـ«أُحضِرَت»، والفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهولِ نائبُ فاعِلِه «الأنفُسُ»، في جُملةٍ تَلي «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» من آيةٍ تَخافُ فيها امرَأةٌ من بَعلِها نُشوزاً أو إعراضاً. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ اسماً مُطلَقاً من كُلِّ مُتَعَلَّق، حالاً تُقامُ الأنفُسُ في حَضرَتِها، والجَمعُ المُعَرَّفُ يَسَعُ نَفسَ المَرأةِ ونَفسَ بَعلِها على السَّواء. ويَقَعُ بَينَ صُلحٍ يَلُمُّ ما بَينَ الاثنَينِ وشَرطٍ يَدعو إلى الإحسانِ والتَّقوى، فيُسَمّى الحَصرُ الذي يَشُدُّ كُلَّ نَفسٍ على ما عِندَها في ساعةِ الصُّلح، ثُمَّ يُذكَرُ ما يَفتَحُه. انظُر الحُضور / الإحضار والإِحسان.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الحُضور / الإحضار والنَّفس في ٤:١٢٨: «أُحضِرَت» يَجعَلُ الأنفُسَ هي المُحضَرةَ والشُّحَّ ما تَحضُرُه، فالشُّحُّ حَضرةٌ تُقامُ فيها النَّفس. والجَمعُ المُعَرَّفُ «الأنفُس» يَسَعُ طَرَفَي المَسأَلةِ على السَّواء.
- مَعَ الإصلاح والخَير في ٤:١٢٨: الجُملةُ تَلي «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» بِلا فاصِل. الصُّلحُ يَلُمُّ ما انفَكَّ بَينَ اثنَين، والشُّحُّ يَحصُرُ كُلَّ نَفسٍ على ما عِندَها، فالجُملَتانِ المُتَجاوِرَتانِ تُسَمّيانِ الجِهةَ التي يُقبَلُ إلَيها وما يُضَيِّقُ الطَّريقَ إلَيها.
- مَعَ الإِحسان والتَّقوى في ٤:١٢٨: يَتبَعُ الشُّحَّ شَرطٌ فِعلاه «تُحْسِنُوا» و«تَتَّقُوا». الإحسانُ يُخرِجُ فَوقَ الحَدِّ فيُقابِلُ المَخرَجَ المُضَيَّق، والتَّقوى وِقايةٌ من الجَذرِ الذي يُقرَنُ بِالشُّحِّ في «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» (٥٩:٩). فالآيةُ تَضَعُ بَعدَ الحَصرِ ما يَفتَحُه وما يَقي مِنه.
الإشكالات المَفتوحة
- الشُّحُّ والبُخل: حالٌ وفِعلُها؟ في المَنشورِ البُخلُ فِعلٌ لِلأشخاصِ يُعَدّى بِالباءِ إلى ما يُمسَك، والشُّحُّ اسمٌ لِحالٍ في الأنفُس. والحُروفُ تَجعَلُ الأوَّلَ قَبضاً يُنقِصُ ما قَبَضَ عَلَيه، والثّانيَ حَصراً يُضَيِّقُ مَخرَجَ ما في الوِعاء. والجَوابُ العامِل: الشُّحُّ الحالُ التي يَصدُرُ عَنها البُخلُ عِندَ البَذل. وشاهِدٌ واحِدٌ لِلشُّحِّ في المَنشورِ لا يَفصِل. مَفتوح.
- «على» في «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ»: إمساكٌ عن المُخاطَبينَ أم انضِمامٌ عَلَيهِم؟ القِراءةُ من الحُروفِ تَجعَلُهُما حَرَكةً واحِدة، لِأنَّ الحَصرَ يَضُمُّ ما يَبلُغُه ويُضَيِّقُ مَخرَجَه مَعاً، فالقَومُ يُمسِكونَ ما عِندَهُم عن المُخاطَبينَ ويَنضَمّونَ على ما يَصِلُ إلَيهِم مِنهُم. ويُختَبَرُ ذلك عِندَ نَشرِ سورةِ الأحزاب. مَفتوح.