البُخل
**قَبضٌ مَضغوطٌ على ما يَتَخَلخَلُ تَحتَ القَبض، يَلزَمُ القابِض**. لَيسَ البُخلُ في الجَذرِ حِفظاً لِما في اليَدِ ولا مَنعاً يَقَعُ على غَيرِه، بَل التِصاقاً بِشَيءٍ يَنقُصُ بِمِقدارِ ما يُمسَك. ولِذلك كانَ جَزاؤُه في القرآنِ أن يُطَوَّقَه صاحِبُه: لامُ الالتِصاقِ مَقروءةً في العُنُق.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبِساً ثُمَّ
يَنفَتِحُ عنه خارِجاً. شِحنَتُه: احتِباسٌ تَحتَ ضَغطٍ مَعَ تَمَسُّك.
- خ: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ أقصى اللِّسانِ وأقصى الحَنَكِ فيَخترِقُه
النَّفَسُ جَرَياناً مُحتَكّاً خَشِناً مُتَّصِلاً يُخَلخِلُ ما يَمُرُّ فيه ويُنقِصُه. شِحنَتُه: تَخَلخُلٌ ونَقصٌ في مُختَرَق.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ
جَرَيانِ الصَّوتِ مُنساباً مُمتَدّاً من جانِبَيِ اللِّسان. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ والتِصاقٌ وحَوز.
النَّواةُ بَخ (ب + خ) = احتِباسٌ مَضغوطٌ على ما يَتَخَلخَلُ ويَنقُص: القَبضةُ مُحكَمةٌ والمَقبوضُ يَرِقُّ تَحتَها. والإغلاقُ بِـل يُلصِقُ هذه القَبضةَ بِصاحِبِها ويُديمُها. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إمساكٌ مَضغوطٌ يَنقُصُ ما فيه ويَلتَصِقُ بِمَن أمسَك.
والنَّواةُ بَخ لَها في المُصحَفِ المَنشورِ شاهِدٌ صَريحٌ من جَذرٍ آخَر: ب-خ-س في ٢:٢٨٢ «وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا»، والبَخسُ نَقصُ الشَّيءِ وحَطُّه. فالنَّواةُ واحِدةٌ والمَعنى المُشتَرَكُ ظاهِرٌ: نَقصٌ يَقَعُ على ما أُمسِكَ بِه. وهذا ما تُضيفُه قِراءةُ الحُروفِ على السَّطح: البُخلُ لَيسَ حِفظاً بَل إنقاص، والفَرقُ بَينَ الجَذرَينِ حَرفُ الآخِر: س تُخرِجُ النَّقصَ إلى المُعامَلةِ مَعَ الغَير، ول تُبقيه لاصِقاً بِصاحِبِه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- بَخِلَ بِالشَّيء: لَزِمَه فلم يُخرِجْه. ولا يُقالُ بَخِلَ الشَّيءَ،
فالفِعلُ لا يَصِلُ إلى المَبخولِ بِه إلّا بِالباء، وهي باءُ الإلصاقِ لا باءُ المَفعول. والقرآنُ يُوافِقُ ذلك: «يَبْخَلُونَ بِمَا» و«مَا بَخِلُوا بِهِ».
- البَخيل: صيغةٌ ثابِتةٌ لِلوَصف، فالبُخلُ حالٌ تَستَقِرُّ لا واقِعةٌ
تَمُرّ.
- بَخَّلَه: نَسَبَه إلى البُخل، وأبخَلَه: وَجَدَه بَخيلاً.
والصِّيغَتانِ كِلتاهُما عن الوَصفِ لا عن الفِعل، وهذا يُؤَيِّدُ أنَّ مَدارَ الجَذرِ على ما يَلزَمُ صاحِبَه.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ب-خ-ل: قَبضٌ يُنقِصُ المَقبوضَ ويَلزَمُ القابِض. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ في ثَلاثِ مَسائِل:
الأولى: لِماذا يُذَمُّ المَبخولُ بِه نَفسُه. لو كانَ البُخلُ حِفظاً لَكانَ الذَّمُّ على المانِعِ وَحدَه والشَّيءُ باقٍ على خَيرِيَّتِه. وخ تَقولُ إنَّ المَقبوضَ يَتَخَلخَلُ تَحتَ القَبض، فيَستَقيمُ أن يُقالَ في ٣:١٨٠ «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ» عن العَينِ لا عن الفِعل: صارَ شَرّاً بِالإمساكِ لا بِأصلِه.
الثّانية: لِماذا كانَ الجَزاءُ تَطويقاً. ل تُلصِقُ القَبضةَ بِصاحِبِها، فالباخِلُ لا يَحوزُ الشَّيءَ بَل يُلصَقُ بِه. و«سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ» يَقلِبُ الجِهَتَين: القابِضُ يَصيرُ مَقبوضاً والمالُ طَوقاً في العُنُق. فالجَزاءُ صورةُ الجَذرِ مَمضِيّةً إلى آخِرِها، لا عُقوبةً مُضافةً من خارِج.
الثّالثة: لِماذا يُقرَنُ البُخلُ بِدَعوى الغِنى. ما دامَ المَقبوضُ يَنقُصُ، فدَعوى الاستِغناءِ بِه دَعوى امتِلاءٍ في مَوضِعِ تَخَلخُل. ولِذلك جاءَ في ٩٢:٨ «بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ» مَقروناً، وجاءَ في آلِ عِمرانَ بَعدَ آيةِ البُخلِ مُباشَرةً قَولٌ يُحكى بِلَفظِه: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ» (٣:١٨١). فالقَرينةُ التي بُنِيَت في سورةِ اللَّيلِ على الاقتِرانِ مَنطوقةٌ صَريحاً في آلِ عِمران.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَبْخَلُونَ (مُضارِعٌ لِجَماعةِ الغائِبينَ صِلةً لِلمَوصول):
مَوضِعٌ واحِد، ومَعَه الباءُ ومَجرورُها.
- بَخِلُوا (ماضٍ صِلةً لِـ«ما»): مَوضِعٌ واحِد، في الآيةِ نَفسِها،
ومَعَه الباءُ ومَجرورُها.
- بَخِلَ (ماضٍ لِلمُفرَدِ فِعلاً لِلشَّرطِ بَعدَ «أمّا مَن»):
مَوضِعٌ واحِد، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي لا باءَ فيه ولا مَجرور.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفِعلُ في المَواضِعِ كُلِّها ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ
على بابِ فَعِلَ يَفعَل (بَخِلَ يَبخَل)، وهو بابُ الأوصافِ التي تَلزَمُ
صاحِبَها لا بابُ الأفعالِ الواقِعةِ على مَفعول. ولا يَرِدُ الجَذرُ في
المُسَجَّلِ على مَزيدٍ أصلاً: لا أفعَلَ ولا فَعَّلَ ولا تَفَعَّل.
فالبُخلُ لا يُنقَلُ ولا يُتَكَلَّفُ ولا يُطلَبُ، وهذا مُوافِقٌ
لِـل في آخِرِ الجَذر: حالٌ تَلتَصِقُ بِمَن هي فيه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
imsak(الإمساك، م-س-ك): تَجَمُّعٌ يَسيلُ لِيُمسِكَ، تَثبيتٌ
سَهل. والفَرقُ حَرفٌ واحِد: لَيسَ في م-س-ك خاءُ النَّقص، فالإمساكُ يُبقي ما أمسَكَ على حالِه والبُخلُ يُنقِصُه. ولِذلك جازَ أن يُمدَحَ الإمساكُ في المُصحَفِ («فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ» ٢:٢٢٩) ولم يَجِئِ البُخلُ إلّا مَذموماً في المَوضِعَين.
infaq(الإنفاق، ن-ف-ق): نَفاذٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ ويَنتَشِر،
والمُنفِقُ واسِطةٌ لا مُنتَهى. والباخِلُ مُنتَهىً لا واسِطة. فالمَسأَلةُ بَينَهُما لَيسَت في المِقدارِ المَبذولِ بَل في اتِّجاهِ المُرور.
fadl(الفَضل، ف-ض-ل): الفائِضُ الذي يَزيدُ على الكِفاية، ما
أُعطِيَ لِيَمُرَّ لا لِيُحتَجَز. وهو المَفعولُ المُصَرَّحُ بِه في ٣:١٨٠: «بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ». فالبُخلُ مُعَرَّفٌ في الآيةِ بِمُتَعَلَّقِه: احتِجازُ ما وُضِعَ في اليَدِ لِيَعبُر.
takathur(التَّكاثُر، ك-ث-ر): طَلَبُ المَزيدِ داخِلاً، والبُخلُ
مَنعُ الخارِج. فالحَرَكَتانِ مُتَقابِلَتانِ والجِهةُ واحِدة، وكِلتاهُما تَجعَلُ المالَ مُستَقَرّاً لا مَمَرّاً.
- وأمّا الشُّحّ (ش-ح-ح) فلَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحال عليه،
وجَذرُه غَيرُ وارِدٍ في المُصحَفِ المَنشور. وهو في كلامِ العَرَبِ أعَمُّ من البُخل: حِرصٌ يَسبِقُ البَذلَ ويَقَعُ في المالِ وفي غَيرِه، والبُخلُ يَقَعُ عِندَ البَذلِ نَفسِه.
المَواضع: مَواقعُ البُخل في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٨٠ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ في نَهيٍ عن حُسبان لا في نَهيٍ عن فِعل، فيُصَحَّحُ التَّقديرُ قَبلَ أن يُطلَبَ تَغييرُ الإمساك: الخَطأُ في المِيزانِ أوَّلاً. والمَبخولُ بِه يُسَمّى «مِن فَضْلِهِ»، وهو الفائِضُ الذي أُعطِيَ لِيَمُرّ، فيُعَرَّفُ البُخلُ بِمُتَعَلَّقِه لا بِمِقدارِه. ثُمَّ يُقلَبُ الحُكمُ على العَينِ نَفسِها: «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ»، ثُمَّ يُقلَبُ الحائِزُ مَحوزاً: «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وتُختَمُ الحُجّةُ بِـ«وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: ما أُمسِكَ راجِعٌ على كُلِّ حال، فالإمساكُ لا يُغَيِّرُ المَآلَ ويُغَيِّرُ صاحِبَه. انظُر الفَضل.
- ٩٢:٨ ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾: البُخلُ بِلا مُتَعَلَّق. الجَديدُ: تَسقُطُ الباءُ ومَجرورُها فلا يُذكَرُ مَبخولٌ بِه أصلاً، فيَتَّسِعُ الحُكمُ إلى كُلِّ ما يُبخَلُ بِه لا إلى المالِ وَحدَه، ويَنكَشِفُ أنَّ الفِعلَ قائِمٌ بِصاحِبِه قَبلَ أن يَتَعَلَّقَ بِشَيء. ويُقرَنُ بِـ«اسْتَغْنَىٰ»، فيُسَمّى الخَطَأُ بِاسمِه: البُخلُ دَعوى امتِلاءٍ لا مُجَرَّدُ مَنع. والمُقابَلةُ في السّورةِ تُعَيِّنُ ضِدَّه بِلَفظِه: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ»، فضِدُّ البُخلِ العَطاءُ وضِدُّ الاستِغناءِ التَّقوى، وهذا يَجعَلُ الاستِغناءَ نَقيضَ الاحتِراسِ لا نَقيضَ الفَقر. ثُمَّ تُرَدُّ الدَّعوى بِجَذرِها بَعدَ ثَلاثِ آيات: «وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ»، فالغِنى الذي ادُّعِيَ هو الذي يُنفى. انظُر التَّقوى.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
فَضلاً في أوَّلِ الآيةِ وشَرّاً في وَسَطِها، والفارِقُ فِعلُ صاحِبِها لا صِفَتُها. فيُقرَأُ الفَضلُ والشَّرُّ نِسبَتَينِ لا ذاتَين.
- مَعَ الفَقر في ٣:١٨٠ و٣:١٨١: يَتلو آيةَ البُخلِ قَولٌ يَنسِبُ
الفَقرَ إلى اللهِ والغِنى إلى النَّفس، فيَظهَرُ ما تَحتَ الإمساكِ مَنطوقاً: قَلبُ الجِهَتَين. والآيَتانِ مُتَجاوِرَتانِ فلا يُحتاجُ إلى غَيرِهِما في تَفسيرِ الاقتِران.
٩٢:١٠**: السّورةُ تُقيمُ ثالوثَينِ مُتَقابِلَين، عَطاءٌ واتِّقاءٌ وتَصديقٌ في جِهَة، وبُخلٌ واستِغناءٌ وتَكذيبٌ في الأُخرى، ثُمَّ تُلحِقُ بِكُلٍّ تَيسيراً إلى ما يُشبِهُه. فيُقرَأُ البُخلُ أوَّلَ حَلقةٍ في سِلسِلةٍ تَنتَهي إلى العُسرى لا فِعلاً مَعزولاً.
- مَعَ المال / الأَموال في ٩٢:١١: المالُ الذي أُمسِكَ يُذكَرُ في آخِرِ
السِّلسِلةِ فاعِلاً لا يَنفَع، فيَتِمُّ الرَّدُّ على «استَغنى» بِعَينِ ما استُغنِيَ بِه.
- مَعَ التَّوَكُّل / الوَكيل: الجَذرانِ يَنتَهِيانِ بِـل، فكِلاهُما عن
حَوزٍ يَلزَم، ويَفتَرِقانِ في أوَّلِهِما: و تَعقِدُ ثُمَّ تُفضي، وب تَحتَبِسُ تَحتَ ضَغط. وسورةُ آلِ عِمرانَ تَضَعُ الحَرَكَتَينِ على مَسافةِ عِشرينَ آيةً (٣:١٦٠ و٣:١٨٠) وفي كِلتَيهِما المَحَلُّ ما لَيسَ لِلإنسانِ في أصلِه.
الإشكالات المَفتوحة
- «هُوَ» في ٣:١٨٠: أعائِدٌ على البُخلِ أم على المَبخولِ بِه؟
الوَجهانِ مَرويّان، والقِراءةُ هُنا على الثّاني لِأنَّ «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ» يُعَيِّنُ العَينَ لا الفِعل، ولا يُطَوَّقُ إلّا شَيء. ولَو صَحَّ الأوَّلُ لَبَقِيَت قِراءةُ الجَذرِ قائِمةً وتَغَيَّرَ مَحَلُّ الشَّرِّ وَحدَه. مَفتوح.
- سُقوطُ المُتَعَلَّقِ في ٩٢:٨: أهو حَذفٌ لِلتَّعميمِ كَما حُذِفَ
مَفعولُ «أعطى» قَبلَه، أم أنَّ الفِعلَ لازِمٌ في أصلِه والباءُ في ٣:١٨٠ زائِدةٌ عن أصلِ التَّركيب؟ لا مَوضِعَ ثالِثٌ في المَنشورِ يَفصِل. مَفتوح.
- مَوضِعانِ فَقَط: هل يَكفي مَوضِعانِ لِتَقريرِ أنَّ الذَّمَّ في
الجَذرِ نَفسِه؟ فالمُعجَمُ فيه جُذورٌ ثَبَتَ حِيادُها بِمَوضِعَينِ مُتَقابِلَين: م-س-ك يُمدَحُ في ٢:٢٢٩، وس-ر-ر يُنهى عنه في ٢:٢٣٥ ويُمدَحُ في ٢:٢٧٤ بِاللَّفظِ الواحِد. وهُنا الشّاهِدانِ مُتَّفِقانِ لا مُتَقابِلان، فلا يُعلَمُ أالذَّمُّ في الجَذرِ أم في المَوضِعَينِ. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة. مَفتوح.
- التَّطويقُ في ٣:١٨٠: أحَقيقةٌ أم تَمثيل؟ الجَذرُ يَحتَمِلُهُما،
لِأنَّ لامَ الالتِصاقِ لا تُفَرِّقُ بَينَ لُزومٍ مَحسوسٍ ولُزومٍ مَعنَويّ. مَفتوح.