النساء · الآية 128

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

«وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا»: خَوفٌ تَحمِلُه المَرأةُ هذه المَرّة

في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثينَ خافَ الرِّجالُ نُشوزَ النِّساء: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، وفي الخامِسةِ والثَّلاثينَ خافَ المُخاطَبونَ شِقاقاً بَينَ الزَّوجَين: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وهُنا صارَتِ المَرأةُ هي الخائفة: «وإنِ امرَأةٌ خافَت». وقد تَقَدَّمَ اسمُها على فِعلِها في صَدرِ الشَّرط، فأوَّلُ ما يُسمَعُ المَرأةُ ثُمَّ خَوفُها. والخَوفُ تَوَقُّعُ ما يُكرَهُ قَبلَ وُقوعِه، فالآيةُ تَبني ما يَلي على ما تُحِسُّه المَرأةُ من زَوجِها قَبلَ أن يَتِمّ، كما بَنَتِ الآيةُ الرّابِعةُ والثَّلاثونَ ما بَعدَ «تَخافونَ» على خَوفِ الرِّجال.

وسُمِّيَ الرَّجُلُ «بَعلَها»، والبَعلُ من ب-ع-ل، مَن يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ ويَقبِضُ عَلَيه ويَلزَمُه، وهو في الكِتابِ اسمٌ لِلزَّوج: وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، وجَمعُه «البُعولة». وفي سورةِ البَقَرةِ يَقتَرِنُ هذا الاسمُ بِالإصلاحِ كما يَقتَرِنُ بِه هُنا: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، فالاسمُ الذي يُسَمّي الرَّجُلَ بِاتِّصالِه بِالمَرأةِ ولُزومِه لَها يَأتي في المَوضِعَينِ مَقروناً بِالإصلاح.

والمَخوفُ أمرانِ بَينَهُما «أو»: «نُشوزاً أو إعراضاً». والنُّشوزُ من ن-ش-ز، ارتِفاعُ أحَدِ الزَّوجَينِ عن مَوضِعِه من صاحِبِه ونُهوضُه عَنه، والكِتابُ يَستَعمِلُ الجِذرَ في القِيامِ من المَجالِس: وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾. وقد قيلَتِ الكَلِمةُ في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثينَ في المَرأة، وتُقالُ هُنا في الرَّجُل، فالنُّشوزُ في السّورةِ يَأتي من الجِهَتَينِ بِلَفظٍ واحِد. والإعراضُ من ع-ر-ض، أن يُوَلِّيَ المَرءُ صاحِبَه عُرضَه، أي جانِبَه، فيَصرِفَ عَنه وَجهَه. فالأوَّلُ ارتِفاعٌ عن المَوضِع، والثّاني انصِرافٌ بِالجانِب، والخَوفُ يَقَعُ على أيِّهِما كان، وقد جاءا نَكِرَتَينِ في سِياقِ الشَّرط، فيَعُمّانِ ما قَلَّ مِنهُما وما كَثُر.

«فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ»: صُلحٌ يَصنَعُه الاثنانِ في ما بَينَهُما

وجاءَ الجَوابُ رَفعاً لِلجُناح: «فلا جُناحَ عَلَيهِما». والجُناحُ من ج-ن-ح، مَيلٌ يَخرُجُ بِصاحِبِه عن الاستِقامةِ فيُحمَلُ عَلَيه، ورَفعُه يَقَعُ حَيثُ يُتَوَهَّمُ مِثلُ هذا المَيل. والضَّميرُ مُثَنًّى في ثَلاثةِ مَواضِع: «عَلَيهِما»، و«أن يُصلِحا»، و«بَينَهُما»، فالخَوفُ خَوفُ المَرأة، والصُّلحُ فِعلُ الاثنَين، يَقَعُ في المَوضِعِ الذي يَجمَعُهُما. وقد جاءَ «بَينَهُما» في الآيةِ الخامِسةِ والثَّلاثينَ مَرَّتَين، مَوضِعاً لِلشِّقاقِ ثُمَّ مَوضِعاً لِلتَّوفيق، وهو هُنا مَوضِعُ الصُّلح. والآيةُ تُسنِدُ الصُّلحَ إلى الاثنَينِ وتَترُكُ ما يَكونُ بِه مَفتوحاً في لَفظِها.

و«صُلحاً» بَعدَ «يُصلِحا» اسمٌ من الجِذرِ نَفسِه، وفيه وَجهان: أن يَكونَ مَفعولاً مُطلَقاً يُؤَكِّدُ الفِعل، وأن يَكونَ مَفعولاً بِه، أي يُقيما بَينَهُما صُلحاً يَتَّفِقانِ عَلَيه. والصُّلحُ من ص-ل-ح لَمُّ ما انفَكَّ من الأجزاءِ وشَدُّه حتّى يَعودَ الشَّيءُ سَليماً. ثُمَّ جاءَت جُملةٌ قَصيرةٌ قائمةٌ بِنَفسِها: «والصُّلحُ خَير»، و«الصُّلحُ» فيها مُعَرَّفٌ يَصلُحُ أن يَعودَ على الصُّلحِ المَذكورِ قَبلَه، وأن يُرادَ بِه الصُّلحُ كُلُّه، و«خَيرٌ» يَصلُحُ أن يَكونَ وَصفاً بِالخَير، وأن يَكونَ تَفضيلاً حُذِفَ ما فُضِّلَ عَلَيه. والوُجوهُ كُلُّها تُثبِتُ أنَّ الصُّلحَ جِهةٌ يُقبَلُ إلَيها، وأنَّ الآيةَ التي بَدَأَت بِخَوفٍ من ارتِفاعٍ وانصِرافٍ تَضَعُ في وَسَطِها كَلِمةً تَلُمّ.

«وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ»: نُفوسٌ جُعِلَت في حَضرةِ الشُّحِّ لا تُفارِقُه

ثُمَّ جاءَت بِجِوارِها جُملةٌ ثانية: «وأُحضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحّ». والحُضورُ من ح-ض-ر، خُروجٌ إلى المَوضِعِ ولُبثٌ عِندَه، و«حَضَرَ» يَتَعَدّى بِنَفسِه إلى ما يُحضَر، يُقالُ حَضَرَ المَجلِس، فإذا دَخَلَتهُ الهَمزةُ صارَ لَه مَفعولان: مَن يُجعَلُ حاضِراً، وما يَحضُرُه. فلَمّا بُنِيَ «أُحضِرَت» لِلمَجهولِ صارَتِ «الأنفُسُ» هي المَجعولةَ حاضِرة، وبَقِيَ «الشُّحُّ» ما تَحضُرُه، فالمَشهَدُ نُفوسٌ أُقيمَت في حَضرةِ الشُّحِّ لا تَغيبُ عَنه، كما يُحضَرُ المَرءُ مَجلِساً فيَلزَمُه. و«الأنفُس» جَمعٌ مُعَرَّف، فالشُّحُّ يَحضُرُه كُلُّ نَفس: نَفسُ المَرأةِ ونَفسُ بَعلِها على السَّواء.

والشُّحُّ من ش-ح-ح، حَصرٌ يَضُمُّ ما في الباطِنِ ويُضَيِّقُ مَخرَجَه، فهو إمساكٌ مَعَ حِرص. والكِتابُ يُضيفُ الشُّحَّ إلى النَّفسِ في سورَتَي الحَشرِ والتَّغابُن، ويَقرِنُ الخَلاصَ مِنه بِالوِقاية: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفي هذه الآيةِ يَأتي بَعدَ ذِكرِ الشُّحِّ «وإن تُحسِنوا وتَتَّقوا»، والتَّقوى من الجِذرِ الذي في «يُوقَ». فالجُملَتانِ المُتَجاوِرَتانِ تَرسُمانِ المَسألةَ كُلَّها: صُلحٌ هو خَير، ونُفوسٌ حاضِرةٌ عِندَ الشُّحِّ تَشُدُّ كُلٌّ مِنها على ما في يَدِها، ثُمَّ يَأتي بَعدَهُما ما يَفتَحُ ما ضَيَّقَه الشُّحّ.

«وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا»: إحسانٌ يُقابِلُ الشُّحّ، وخِبرةٌ بِما يَجري في الداخِل

ثُمَّ انتَقَلَ الكَلامُ من المَرأةِ وبَعلِها إلى خِطابِ جَمع: «وإن تُحسِنوا وتَتَّقوا»، فالشَّرطُ يَتَّسِعُ لِكُلِّ مَن يُخاطَبُ بِه. والإحسانُ من ح-س-ن، أن يُؤتى بِالفِعلِ على أجمَلِ وُجوهِه فيَزيدَ على ما يَجِب، وهو في مُقابِلِ الشُّحِّ حَرَكةٌ مُعاكِسة: الشُّحُّ يَضُمُّ ويَحصُر، والإحسانُ يُخرِجُ فَوقَ الحَدّ. والتَّقوى من و-ق-ي، جَعلُ حاجِزٍ بَينَ النَّفسِ وما يَضُرُّها. وجاءَ الجَوابُ «فإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيراً»، والخَبيرُ من خ-ب-ر، مَن يَعلَمُ الأمرَ من داخِلِه، وما يَجري بَينَ زَوجَينِ يَخفى أكثَرُه على مَن حَولَهُما، فالخِتامُ يَضَعُ ما يَجري بَينَهُما في عِلمٍ يَبلُغُ داخِلَه. وقد خُتِمَت آيةُ الشِّقاقِ بِالاسمِ نَفسِه: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.


حَصيلة

تَجعَلُ الآيةُ المَرأةَ هذه المَرّةَ صاحِبةَ الخَوف، وتُسَمّي الرَّجُلَ «بَعلَها» بِاسمٍ من ب-ع-ل يَقتَرِنُ بِالإصلاحِ هُنا وفي سورةِ البَقَرة، وتَنسِبُ إلَيه النُّشوزَ الذي نُسِبَ في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثينَ إلى المَرأة، وتَضُمُّ إلَيه الإعراضَ من ع-ر-ض، انصِرافاً بِالجانِب. ثُمَّ تَرفَعُ الجُناحَ عن صُلحٍ من ص-ل-ح يَصنَعُه الاثنانِ في ما بَينَهُما، وتَترُكُ ما يَقَعُ بِه مَفتوحاً، وتَصِفُ الصُّلحَ بِالخَير. وتَضَعُ بِجِوارِه أنَّ الأنفُسَ جُعِلَت حاضِرةً عِندَ الشُّحّ، من ح-ض-ر وش-ح-ح، حَصرٌ يَحضُرُه كُلُّ نَفس، ثُمَّ تَدعو إلى إحسانٍ يَزيدُ على الواجِبِ وإلى وِقاية، وتَختِمُ بِخَبيرٍ يَعلَمُ ما يَجري بَينَ الاثنَينِ من داخِلِه.