الحُضور / الإحضار

hudur جذر · ح-ض-ر 8 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**بُلوغُ الشَّيءِ حَيِّزاً بِعَينِه فيَثقُلُ فيه ولا يَبرَحُه**. لَيسَ الحُضورُ مُجَرَّدَ وُجودٍ في مَكان، بَل مَجيءٌ يَنتَهي إلى مَوضِعٍ مُعَيَّنٍ فيَستَقِرُّ فيه بِثِقَل. ولِذلك سُمِّيَ المُقيمونَ في المُدُنِ **حاضِرة** في مُقابَلةِ البادِيَةِ التي تَرتَحِل.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ،

فيَجري مُحتَكّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. شِحنَتُه: احتِواءٌ في الباطِنِ ثُمَّ نَفاذٌ خالِص.

  • ض: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِحافّةِ اللِّسانِ يَحتَبِسُ تَحتَه

النَّفَسُ بِكَثافة، ثُمَّ يَنفَرِجُ مُنبَسِطاً بِثِقَلِه. شِحنَتُه: ثِقَلٌ يَحتَبِسُ ثُمَّ يَنبَسِط.

  • ر: خَفَقاتٌ خَفيفاتٌ والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً.

شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِل.

النَّواةُ حَض (ح + ض) = احتِواءٌ في حَيِّزٍ ثُمَّ ثِقَلٌ يَنبَسِطُ فيه: بَلَغَ الشَّيءُ مَوضِعَه فمَلَأَه. والإغلاقُ بِـر يُجري هذا الثَّقيلَ مُستَرسِلاً إلى مُستَقَرِّه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: مَجيءٌ يَنتَهي إلى حَيِّزٍ فيَستَقِرُّ فيه بِثِقَل.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • الحاضِرة: خِلافُ البادِيَة، أي القَومُ المُقيمونَ على الماءِ لا

يَرتَحِلون. وهي أصلُ الصّورة: ثِقَلٌ في مَوضِعٍ بِعَينِه.

  • حَضَرَ المَجلِسَ: بَلَغَه فوَقَفَ فيه.
  • الحَضْرة: المَوضِعُ الذي يُحضَرُ فيه.
  • أحضَرَه: جاءَ بِه إلى الحَيِّزِ مُكرَهاً أو مُختاراً. والهَمزةُ

لِلتَّعدِيَة، فالمُحضَرُ لا يَجيءُ بِنَفسِه.

  • الحَضير: ما اجتَمَعَ في الجُرحِ أو في القَرارة، أي ما ثَقُلَ

فاستَقَرّ.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ح-ض-ر: مَجيءٌ يَثقُلُ في حَيِّزِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ أنَّ المُصحَفَ المَنشورَ يَقسِمُ الجَذرَ قِسمَينِ لا يَختَلِطان: أربَعةُ مَواضِعَ لِما فاعِلُه مَعلومٌ في الدُّنيا (حَضَرَ المَوتُ مَرَّتَينِ، حاضِري، حاضِرةً)، وأربَعةٌ لِـ«مُحضَر» المَبنيِّ لِلمَجهولِ في الآخِرة. فما جاءَ بِنَفسِه في الأولى يُجاءُ بِه في الثّانية.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • حَضَرَ (الماضي الثُّلاثيّ): مَوضِعان، وفاعِلُه في كِلَيهِما

المَوت، ومَفعولُه إنسانٌ بِعَينِه. فلا يُسنَدُ في المُسَجَّلِ إلى إنسانٍ يَحضُرُ بِاختِيارِه.

  • حاضِرةً (اسمُ الفاعِلِ مُؤَنَّثاً): مَوضِعٌ واحِد، ووَصفٌ

لِتِجارةٍ تُدارُ بَينَ اثنَين.

  • حاضِري (اسمُ الفاعِلِ مَجموعاً مُضافاً): مَوضِعٌ واحِد، ووَصفٌ

لِأهلِ إنسانٍ بِالقُربِ من مَوضِعٍ بِعَينِه، لا لِحالٍ تَقَعُ بِهِم.

  • مُحضَراً / مُحضَرون (اسمُ المَفعولِ من أحضَرَ): أربَعةُ مَواضِعَ،

كُلُّها في الآخِرة، والفاعِلُ فيها مَحذوفٌ أو مُشارٌ إليه بِـ«لَدَينا».

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدة، والوَزنُ يُوَزِّعُ مَن جاءَ

بِالثَّقيلِ إلى حَيِّزِه. الثُّلاثيُّ لِما بَلَغَ بِنَفسِه، واسمُ

المَفعولِ من أفعَلَ لِما جيءَ بِه. ولِذلك لم يَرِدْ في الآخِرةِ إلّا

المَبنيُّ لِلمَجهول.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • shahid (الشَّهادة، ش-هـ-د): حُضورٌ مَعَ عِلمٍ ونُطق. والحُضورُ

مُجَرَّدُ بُلوغِ الحَيِّز. وقد قُرِنا في ٢:١٣٣: «أم كُنتُم شُهَداءَ إذ حَضَرَ يَعقوبَ المَوت»، فأُنكِرَ الأوَّلُ وأُثبِتَ الثّاني.

  • المَجيء (ج-ي-أ): الانتِقالُ إلى المَوضِع. والحُضورُ انتِهاؤُه

واستِقرارُه، فالمَجيءُ حَرَكةٌ والحُضورُ ما بَعدَها.

  • amal (العَمَل، ع-م-ل): ما صَدَرَ عن باطِنٍ فتَعَلَّقَ وتَمَيَّز.

وقد وُصِفَ بِالإحضارِ في ٣:٣٠، فاجتَمَعَ في العَمَلِ التَّمَيُّزُ والثِّقَلُ مَعاً: عَينٌ مُتَمَيِّزةٌ يُجاءُ بِها.

  • الوُجود (و-ج-د): إدراكُ الشَّيءِ بَعدَ طَلَبٍ أو بِلا طَلَب.

والحُضورُ سَبَبٌ لَه في ٣:٣٠: «تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مُحضَراً»، فالإحضارُ يَسبِقُ الوِجدان.

المَواضع: مَواقعُ الحُضور في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:١٣٣ ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ وفاعِلُها المَوت، فيُجعَلُ المَوتُ هو الجائي الثَّقيلُ والإنسانُ هو الحَيِّزُ الذي يُبلَغ. ويُقابَلُ بِنَفيِ الشَّهادةِ عن المُخاطَبين، فيُفَرَّقُ بَينَ ما حَضَرَ الرَّجُلَ وما شَهِدَه غَيرُه: الحُضورُ واقِعٌ والشَّهادةُ مُنكَرة. انظُر المَوت.
  • ٢:١٨٠ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾: الحُضورُ يَفتَحُ باباً. الجَديدُ: يُعَلَّقُ حُكمٌ مَكتوبٌ على وُقوعِ الحُضور، فيَصيرُ مِفصَلاً يَنفَتِحُ عِندَه ما كانَ مُغلَقاً. ويُعَمَّمُ بَعدَ أن كانَ في ٢:١٣٣ خاصّاً بِيَعقوبَ: «أحَدَكُم» بَعدَ اسمِ نَبِيٍّ بِعَينِه. فيُقرَأُ المَوضِعُ الثّاني تَعميماً لِلأوَّلِ لا تَكراراً لَه. انظُر الوَصِيَّة.
  • ٢:١٩٦ ﴿ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: الحُضورُ وَصفٌ لِأهلٍ لا لِحَدَث. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من مَقامِ المَوتِ ومن مَقامِ البَيعِ إلى مَقامِ النُّسُك، ويُسنَدُ إلى أهلٍ لا إلى واحِد، ويُقَيَّدُ بِمَوضِعٍ مُسَمّىً (المَسجِدُ الحَرام). فهو أقرَبُ مَواضِعِ المُسَجَّلِ إلى صورةِ «الحاضِرة» التي في صَدرِ هذا المَفهوم: قَومٌ ثَقُلوا في حَيِّزِهِم فلا يَبرَحونَه، والحُكمُ يَقَعُ على مَن لَيسَ أهلُه كَذلِك. انظُر الحَجّ.
  • ٢:٢٨٢ ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: الحُضورُ يُسقِطُ الكِتابة. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من مَقامِ المَوتِ إلى مَقامِ البَيع، ومن الفِعلِ إلى الوَصف، ويُجعَلُ الحُضورُ مُسقِطاً لِما أُوجِبَ قَبلَه في أطوَلِ آيةٍ في القرآن. فيَنكَشِفُ وَجهٌ لِلجَذرِ لم يَظهَر قَبلَه: ما ثَقُلَ في حَيِّزِه لا يُحتاجُ إلى ما يُوَثِّقُه، إنَّما يُكتَبُ الغائِب. انظُر الدَّين.
  • ٣:٣٠ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾: أوَّلُ المَبنيِّ لِلمَجهول. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ إلى وَزنِ أفعَلَ، فيَصيرُ الحُضورُ مَجعولاً لا واقِعاً: العَمَلُ لا يَحضُرُ بِنَفسِه بَل يُحضَر. ويُنصَبُ «مُحضَراً» حالاً من المَوجود، فيُجمَعُ بَينَ الوِجدانِ والإحضارِ في جُملةٍ واحِدة. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُنقَلُ فيه الجَذرُ إلى الآخِرة. انظُر العَمَل.
  • ٣٦:٣٢ ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: الإحضارُ يَعُمُّ القُرونَ كُلَّها. الجَديدُ: يُجمَعُ في العِبارةِ حَصرٌ («إن... لَمّا») وشُمولٌ («كُلٌّ») واجتِماعٌ («جَميع») وظَرفٌ («لَدَينا»)، فيُسَدُّ كُلُّ ما يُتَوَهَّمُ من استِثناء. ويَقَعُ بَعدَ ذِكرِ القُرونِ المُهلَكةِ التي لا تَرجِعُ إليهِم، فيُقابَلُ عَدَمُ الرُّجوعِ إلى الدُّنيا بِالإحضارِ في الآخِرة. انظُر اليَوم.
  • ٣٦:٥٣ ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: تَعودُ الجُملةُ بَعدَ صَيحة. الجَديدُ: تَتَكَرَّرُ العِبارةُ الأخيرةُ بِنَصِّها لكن مَسبوقةً بِسَبَبِها هذه المَرّة: صَيحةٌ واحِدة. و«إذا» الفُجائِيّةُ تُلغي المَسافةَ بَينَ الصَّيحةِ والإحضار، فيُقرَأُ الجَذرُ بِلا زَمَنٍ يَتَخَلَّلُه: لا مَسيرَ بَينَ النِّداءِ والوُقوف.
  • ٣٦:٧٥ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾: الإحضارُ لِلمَعبوداتِ وعابِديها. الجَديدُ: يُوصَفُ العابِدونَ بِأنَّهُم جُندٌ لِآلِهَتِهِم ثُمَّ يُوصَفونَ بِالإحضار، فيَجتَمِعُ ما يُتَوَهَّمُ فيه القُوّةُ (جُند) وما يَنفيها (مُحضَرون): جُندٌ لا يَجيئونَ بِأنفُسِهِم. فيُقلَبُ المَشهَدُ الذي بُنِيَ عليه الشِّركُ كُلُّه. انظُر الشِّرك.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ المَوت في ٢:١٣٣ و٢:١٨٠: إسنادُ الحُضورِ إلى المَوتِ في

المَوضِعَينِ وَحدَهُما يَجعَلُ المَوتَ في هذا المُعجَمِ جائِياً لا مَجيئاً إليه.

  • مَعَ العَمَل في ٣:٣٠: وَصفُ العَمَلِ بِالإحضارِ يُثبِتُ ما

قُرِّرَ في مَفهومِ العَمَلِ من أنَّه عَينٌ مُتَمَيِّزةٌ لا حَرَكةٌ تَمُرّ: ما لا يَتَمَيَّزُ لا يُحضَر.

  • مَعَ الدَّين في ٢:٢٨٢: إسقاطُ الكِتابةِ عِندَ الحُضورِ يَجعَلُ

التَّوثيقَ بَديلاً عن الحُضورِ لا زيادةً عليه.

  • مَعَ الشِّرك في ٣٦:٧٥: وَصفُ العابِدينَ بِالإحضارِ في السّياقِ

نَفسِه الذي يُوصَفونَ فيه بِالجُندِ هو أدَقُّ ما يَنقُضُ صورةَ النَّصرِ المُتَوَهَّمة.

الإشكالات المَفتوحة

  • «جُندٌ مُحضَرون» في ٣٦:٧٥: أالضَّميرُ لِلعابِدينَ أم لِلآلِهة؟

الوَجهانِ مَرويّان، والقِراءةُ هُنا على الأوَّلِ لِمُقابَلَتِه «لا يَستَطيعونَ نَصرَهُم». مَفتوح.

  • لِمَ لم يَرِدْ في الآخِرةِ إلّا المَبنيُّ لِلمَجهول؟ الاطِّرادُ في

المُسَجَّلِ تامٌّ (أربَعةٌ من أربَعة)، لكنَّ العَدَدَ قَليلٌ فلا يُبنى عليه حُكمٌ عامّ. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ أُخرى.

  • «تِجارةً حاضِرة»: أالوَصفُ لِلتِّجارةِ أم لِلمُتَعاقِدَين؟ الظّاهِرُ

الأوَّل، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ المُرادُ حُضورَ العِوَضَينِ مَعاً. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن