الوَضع

wad3 جذر · و-ض-ع 4 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**إفضاءُ ما كانَ مَعقوداً مَحبوساً تَحتَ ثِقَلٍ حَتّى يَخرُجَ فيَستَقِرَّ ظاهِراً في مَوضِعِه**. لَيسَ الوَضعُ إسقاطاً ولا إزالةً ولا مُجَرَّدَ حَطّ، بَل **إطلاقٌ إلى أسفَلَ يَنتَهي إلى قَرارٍ في المَحَلِّ الذي لَه**. ولِذلك جَمَعَ الجَذرُ في المُصحَفِ ما لا يَجمَعُه لَفظُ «الحَطّ»: وِلادةَ ما في البَطن، وتَأسيسَ بَيتٍ لِلنّاس، وأكواباً في مُتَناوَلِ اليَد، وحَطَّ وِزرٍ عن ظَهرٍ أنقَضَه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • و :: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على المَجرى بِلا سَدّ،

ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي بِالصَّوتِ إلى ما يَليه. ووُجوهُه العَقدُ والإحاطة، ثُمَّ الانفِراجُ والإفضاء. فالمَبدَأُ عَقدٌ ثُمَّ انفِراجٌ عن مَحبوسِه.

  • ض :: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ يَحتَبِسُ النَّفَسُ تَحتَه

مَضغوطاً بِكَثافة، ثُمَّ يَنبَسِطُ خارِجاً بِثِقَلِه. فالوَسَطُ ثِقَلٌ مَضغوطٌ ثُمَّ انبِساط، وهذا هو الذي يُنزِلُ المَوضوعَ ولا يَرفَعُه.

  • ع :: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أعمَقِ المَجاري، فيَظهَرُ الصَّوتُ **من

العُمقِ إلى الخارِج**. فالمُنتَهى ظُهورٌ بَعدَ كُمون.

فالتَّركيبُ: عَقدٌ يُفَكّ، فثِقَلٌ يَنبَسِطُ نازِلاً، فظُهورٌ واستِقرار. وثَلاثَتُها لازِمةٌ: لَو سَقَطَ الأوَّلُ لَما كانَ قَبلَ الوَضعِ حَبس، ولَو سَقَطَ الثّاني لَجازَ الوَضعُ إلى فَوق، ولَو سَقَطَ الثّالِثُ لَكانَ إسقاطاً بِلا قَرار.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ المُصحَفَ يُقابِلُ الوَضعَ بِالرَّفعِ مَرَّتَينِ ولا يُقابِلُه بِالأخذِ ولا بِالإزالةِ مَرّةً واحِدة. في ٨٨:١٣-١٤ ﴿سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ ثُمَّ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾، اسما مَفعولٍ مُتَتالِيان. وفي البَيتِ نَفسِه: ٢:١٢٧ ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ و٣:٩٦ ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. فالمُقابَلةُ في الجِهةِ لا في النَّفيِ والإثبات، وهي التي تُثبِتُ أنَّ في الكَلِمةِ نُزولاً.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

أربَعُ آياتٍ وسِتَّةُ مَواضِع، والقِسمةُ حادّة:

  • الماضي المَبنيُّ لِلمَعلوم: ثَلاثةُ مَواضِعَ، كُلُّها في ٣:٣٦،

وكُلُّها بِفاعِلٍ مُؤَنَّثٍ واحِد («وَضَعَتْهَا»، «وَضَعْتُهَا»، «وَضَعَتْ»). فالجَذرُ يَدخُلُ المُسَجَّلَ على لِسانِ امرَأةٍ تَصِفُ وِلادَتَها، ثَلاثَ مَرّاتٍ في آيةٍ واحِدة.

  • الماضي المَبنيُّ لِلمَجهول «وُضِعَ» (٣:٩٦): والفاعِلُ مَطوِيٌّ،

فلا يُقالُ مَن وَضَعَ البَيت.

  • اسمُ المَفعول «مَّوْضُوعَةٌ» (٨٨:١٤): صِفةٌ لِأكواب.
  • الماضي بِنونِ العَظَمة «وَوَضَعْنَا» (٩٤:٢): وهو المَوضِعُ

الوَحيدُ الذي يُصَرَّحُ فيه بِالفاعِل، وهو اللهُ وَحدَه.

ولا يَرِدُ من الجَذرِ مُضارِعٌ ولا أمرٌ ولا مَصدَرٌ صَريح. فالوَضعُ في المُسَجَّلِ واقِعٌ فُرِغَ منه أبَداً، لا مَطلوبٌ ولا مُنتَظَر. وهذا مُوافِقٌ لِلعَين: الظُّهورُ بَعدَ الكُمونِ لا يُوصَفُ إلّا وقد وَقَع.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • raf3 (الرَّفع، ر-ف-ع): والمُقابَلةُ مَنصوصةٌ في ٨٨:١٣-١٤ ولا

تُطلَبُ من خارِج. والفَرقُ لَيسَ في الجِهةِ وَحدَها: المَرفوعُ يُبعَدُ عن مُتَناوَلِ صاحِبِه ويَبقى مَنظوراً إليه، والمَوضوعُ يُدنى منه حَتّى يُنالَ بِاليَد. ولِذلك رُفِعَتِ السُّرُرُ ووُضِعَتِ الأكوابُ ولم يُعكَس: الجُلوسُ يَعلو والشُّربُ يَقرُب.

  • الحَملُ والثِّقَل: لا مَفهومَ لَهُما في المُدَوَّنِ بَعد.

والفَرقُ المُنتَظَرُ تَحقيقُه: الحَملُ اسمٌ لِلمَحبوسِ ما دامَ مَحبوساً، والوَضعُ اسمٌ لِانتِهاءِ حَبسِه. فهُما طَرَفا فِعلٍ واحِد، ولِذلك جاءَ «وَضَعَت» في الوِلادةِ ولم يَجِئْ «أنزَلَت» ولا «أخرَجَت».

  • wizr (الوِزر، و-ز-ر): والجَذرانِ يَلتَقِيانِ في ٩٤:٢،

ويَشتَرِكانِ في الواوِ الأولى. والوِزرُ ما عُقِدَ على الظَّهرِ فأثقَلَه، والوَضعُ فَكُّ ذلك العَقدِ وإنزالُ المَعقود. فتَمامُ المَعنى في الآيةِ أنَّ الحِملَ لم يُنقَلْ إلى غَيرِه ولم يُفنَ، بَل حُلَّ رِباطُه فنَزَل.

المَواضع: مَواقعُ الوَضعِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:٣٦ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ في الوِلادة، وهي أتَمُّ صُوَرِه: نَذرٌ عُقِدَ في ٣:٣٥ («نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي»)، وحَملٌ احتُبِسَ، ثُمَّ خُروجٌ وظُهور. فالآيتانِ مَعاً تُعطيانِ الحُروفَ الثَّلاثةَ بِتَرتيبِها. ويُكَرَّرُ الفِعلُ ثَلاثاً في سَطرٍ واحِدٍ بِثَلاثةِ إسنادات: فِعلُها كما وَقَع، ثُمَّ إخبارُها عنه، ثُمَّ عِلمُ اللهِ بِه («وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ»)، فيُفصَلُ بَينَ الواقِعِ وبَينَ وَصفِ صاحِبَتِه لَه. انظُر taqabbul. والنَّذرُ بِلا مَفهومٍ بَعد.
  • ٣:٩٦ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: البَيتُ يوضَعُ ولا يُبنى. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من البَدَنِ إلى البِناء، ولا يُقالُ «بُنِيَ» ولا «رُفِعَ» بَل «وُضِع»، فيَكونُ البَيتُ مُنزَلاً في مَوضِعِه لا مُقاماً فيه. ويُقَوّي ذلك أنَّ ٢:١٢٧ تُسنِدُ الرَّفعَ إلى إبراهيمَ وحدَه («يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ»)، فالقَواعِدُ تُرفَعُ بِيَدِ إنسانٍ والبَيتُ يوضَعُ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى. واللّامُ في «لِلنّاسِ» تَجعَلُ الوَضعَ لِأجلِهِم، فهو نُزولٌ إلى حَيثُ يَنالونَه. انظُر bayt وqibla وraf3.
  • ٨٨:١٤ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾: مَوضوعةٌ في مُقابَلةِ مَرفوعة. الجَديدُ: تَظهَرُ المُقابَلةُ بَينَ الجَذرَينِ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَينِ وبِصيغةٍ واحِدة، فلا يَبقى في كَونِ الوَضعِ نُزولاً شَكّ. والوَصفُ هُنا لِلاستِقرارِ لا لِلفِعل: الأكوابُ مَوضوعةٌ أي مُستَقِرّةٌ حَيثُ تُنال، ولا يُذكَرُ واضِعُها ولا زَمَنُ وَضعِها. فيَتِمُّ الوَجهُ الثّالِثُ من القِسمِ الأوَّل: قَرارٌ في المَحَلِّ الذي لَه. انظُر raf3.
  • ٩٤:٢ ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾: الوَضعُ «عن» لا الوَضعُ «في». الجَديدُ: يَتَعَدّى الفِعلُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِـ«عَن»، فيُقرَأُ من جِهةِ ما تُرِكَ لا من جِهةِ ما استَقَرّ. والمَوضوعُ هُنا لَيسَ جِسماً بَل ثِقَلٌ مَعقودٌ على ظَهر، وتَصِفُه الآيةُ التالِيةُ بِأنَّه ﴿أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾، وهو نَصُّ الضّادِ: احتِباسٌ بِثِقَلٍ يَضغَط. ويَسبِقُه ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فيَجتَمِعُ فَتحُ الصَّدرِ وحَطُّ الظَّهرِ: تَوسِعةٌ من داخِلٍ وتَخفيفٌ من فَوق. انظُر wizr وsharh.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ raf3 في ٨٨:١٣-١٤ وفي البَيتِ الحَرام: المَفهومانِ

يَقتَسِمانِ جِهَتَين. وأنفَعُ ما في القِسمة أنَّ البَيتَ الواحِدَ يَحمِلُ الوَصفَين: قَواعِدُه تُرفَعُ وهو نَفسُه يوضَع. فلَيسَ الجَذرانِ ضِدَّينِ يَنفي أحَدُهُما الآخَر، بَل وَجهانِ لِفِعلٍ واحِدٍ يُنظَرُ إليه من أسفَلَ ومن أعلى.

  • مَعَ wizr في ٩٤:٢: wizr يَقرَأُ الحِملَ نَفسَه، وهذا

المَفهومُ يَقرَأُ انتِهاءَ حَملِه. والآيةُ لا تَقولُ إنَّ الوِزرَ ذَهَبَ ولا إنَّه غُفِر، بَل إنَّه وُضِع، وهذا كُلُّ ما فيها.

  • مَعَ bayt في ٣:٩٦: bayt يَقرَأُ البَيتَ، وهذا المَفهومُ

يَقرَأُ الفِعلَ الذي أقامَه، وهو فِعلٌ لا فاعِلَ لَه في الآية. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما: أوَّلُ بَيتٍ لِلنّاسِ لم يُنسَبْ بِناؤُه إلى أحَدٍ في هذه الآية.

الإشكالات المَفتوحة

  • **هَل «وَضَعَتْ» في الوِلادةِ من هذا المَعنى أم هو استِعمالٌ

مُستَقِلّ؟** يُرَجِّحُ الأوَّلَ أنَّ الآيةَ التي قَبلَها تَذكُرُ عَقداً («نَذَرْتُ») وحَبساً («مَا فِي بَطْنِي»)، فتَجتَمِعُ المَراحِلُ الثَّلاثُ في سِياقٍ واحِد. ولا يَحسِمُ المُسَجَّلُ، إذ لَيسَ فيه مَوضِعٌ آخَرُ لِلوِلادةِ من هذا الجَذر.

  • لِمَ طُوِيَ فاعِلُ «وُضِعَ» في ٣:٩٦ وصُرِّحَ بِه في ٩٤:٢؟

المَوضِعانِ كِلاهُما فِعلُ اللهِ في ظاهِرِ الأمر، ومَعَ ذلك بُنِيَ أحَدُهُما لِلمَجهولِ وأُسنِدَ الآخَرُ إلى نونِ العَظَمة. والفَرقُ قد يَكونُ في المُخاطَب: الأوَّلُ خَبَرٌ عامٌّ عن بَيت، والثّاني امتِنانٌ على واحِدٍ بِعَينِه. وهذا تَعليلٌ مَعقولٌ لا نَصّ.

  • **مَوضِعانِ فَقَط لِلمَبنيِّ لِلمَجهولِ واسمِ المَفعول، فهَل

يَطَّرِدُ أنَّ الوَضعَ لا يُنسَبُ إلى إنسان؟** في المُسَجَّلِ كُلُّه لا يَضَعُ إنسانٌ شَيئاً إلّا امرَأةَ عِمرانَ، وما وَضَعَته لَيسَ من كَسبِها. أربَعةُ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكم. يُترَكُ مَفتوحاً.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن