الشرح · الآية 2

﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ

«وَضَعنا»: نَقلٌ لا إعدام

مَدارُ و-ض-ع على إنزالِ الشَّيءِ في مَوضِعِه: «وَضَعَ المَتاعَ على الأرض» أنزَلَه فيها، و«وَضَعَتِ النّاقةُ» أنزَلَت ما في بَطنِها إلى الدُّنيا، و«وَضَعَ الميزانَ» أنزَلَه لِيَستَقِرّ. وتَجمَعُ هذه الصُّوَرَ كُلَّها حَرَكةٌ واحِدة، هي نَقلُ الشَّيءِ من مَحَلِّه القَديمِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ يَستَقِرُّ فيه.

ولِذلك يَختَلِفُ «وَضَعَ عَنك» عن «أَذهَبَ عَنك»، فالإذهابُ يُلاشي، والوَضعُ يَضَعُ في مَوضِعٍ آخَر. والوِزرُ الذي كانَ على ظَهرِ المُخاطَبِ وُضِع، ولم يَختَفِ من الوُجودِ بَعدَ نُزولِ الآية، ووَضَعَه صاحِبُ السَّعةِ التي لا تَنفَد، فحَمَلَ عَنه ما لم يَكُنْ يَستَطيعُه وَحدَه. والصّيغةُ بِنونِ العَظَمةِ في «وَضَعنا» تُذَكِّرُ بِأنَّ ما كانَ مَحمولاً على المُخاطَبِ انتَقَلَ إلى مَن سَعَتُه أوسَع.

والوَضعُ في الآيةِ يَقَعُ على ما كانَ يَنوءُ بِه الظَّهر، فما لم يَكُنْ يُطاقُ من الثِّقَلِ قد وُضِع. والفِعلُ يَنقُلُ الحِملَ عن مَوضِعِه ولا يُلاشيه، فيَبقى الحِملُ مَوجوداً ويَرتاحُ الحامِل. والصّيغةُ بِنونِ العَظَمةِ تُبَيِّنُ مَن نَقَلَه، وهو مَن سَعَتُه أوسَعُ من أن يَنوءَ بِما يَنوءُ بِه العَبد.

«عَنك»: حَرفُ المُجاوَزَة

و«عَن» في العَرَبيّةِ حَرفُ مُجاوَزة، فما كانَ في مَوضِعٍ ثُمَّ تَجاوَزَه فقد كانَ «عَنه»، و«رَمى السَّهمَ عَنِ القَوس» أي جاوَزَه، و«نَهى عَنِ الفَحشاء» أي أبعَدَ ما كانَ مُلتَصِقاً. والآيةُ تَستَخدِمُ هذا الحَرفَ بِدِقّة، إذ أوثِرَ فيها «وَضَعنا عَنك» على «وَضَعنا مِنك»، فالوِزرُ كانَ على ظَهرِ المُخاطَب، ولم يَكُنْ في باطِنِه، وكانَ ضَيفاً ثَقيلاً ثُمَّ جاوَزَ مَوضِعَه.

وفي تَرتيبِ الآيَتَينِ لُطف: فالأُولى تَفعَلُ في الباطِن (شَرحُ الصَّدر)، والثّانيةُ تَفعَلُ في الظّاهِر (وَضعُ الوِزروالإنسانُ كائِنٌ ذو باطِنٍ وظاهِر، والعِنايةُ تَأتي على الجِهَتَينِ مَعاً، فأُزيحَ ما كانَ يَضغَطُ على المَوضِع، زيادةً على اتِّساعِه. ومَن وَسِعَ صَدرُه ولم يوضَعْ وِزرُه ظَلَّ يَحمِلُ ثِقَلاً، ومَن وُضِعَ وِزرُه ولم يُشرَحْ صَدرُه عادَ إلى المَوضِعِ الضَّيِّقِ نَفسِه، والسّورةُ تَجمَعُ بَينَ الفِعلَينِ فلا يَنفَكُّ أحَدُهُما عن الآخَر.

«وِزرَك»: الثِّقلُ في صورتِه الكامِلَة

ويَدُلُّ و-ز-ر على ثِقَلٍ يَحمِلُه الإنسان، والوِزرُ بِكَسرِ الواوِ يَخُصُّ ما يَنوءُ بِه الحامِل، ومِنه «الوَزير» لِمَن يَحمِلُ مَعَ المَلِكِ ثِقَلَ التَّدبير، ومِنه تَسمِيةُ الجَبَلِ في كَلامِ العَرَبِ «وَزَراً» لأنَّه يَحمِلُ بِظاهِرِه، فيَلجَأُ إلَيه الخائِف. فالجِذرُ كُلُّه يَدورُ على ما يُحمَلُ ويَنوءُ بِه الكاهِل.

والإضافةُ في «وِزرَك» مُهِمّة، فالوِزرُ مَنسوبٌ إلى صاحِبِه غَيرُ مُجَرَّدٍ عَنه، وهذه الإضافةُ تَفعَلُ ما تَفعَلُه الإضافةُ في «صَدرَك» قَبلَها، فالفِعلُ يَنزِلُ على الشَّخصِ في مَوضِعِه الخاصّ، لا في مَكانٍ مُشتَرَك، والذي شُرِحَ صَدرُه هو الذي وُضِعَ وِزرُه، والإنسانُ نَفسُه مَوضِعُ الفِعلَين.

وقد جاءَتِ الآيةُ التّالِيةُ تَكشِفُ مِقدارَ الوِزر: الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾، فلم يَكُنِ الوِزرُ خَفيفاً، وكانَ ثِقَلاً يَكسِرُ الظَّهرَ ويَجعَلُ العِظامَ تُسمَع. ولِذلك جاءَ الفِعلُ على وَزنِ الإنزال، فما كانَ ثَقيلاً إلى هذه الدَّرَجةِ يُنقَلُ بِيَدٍ تَحتَمِلُه، ولا يُذهَبُ بِه بِإشارة، والذي حَمَلَه عن المُخاطَبِ هو الذي يَحتَمِلُ ما لا يَحتَمِلُه أحَدٌ سِواه.


حَصيلة

يَتَخَفَّفُ الصَّدرُ المَشروحُ مِمّا كانَ يُثقِلُه: «وَوَضَعنا عَنكَ وِزرَك». والجِذرُ و-ض-ع إنزالُ الشَّيءِ من فَوقِ الحامِلِ إلى الأرض، والجِذرُ و-ز-ر الثِّقَلُ الذي يَنوءُ بِحامِلِه، و«عَنكَ» يُشيرُ إلى أنَّ الحِملَ كانَ مُلاصِقاً لِلإنسانِ من فَوق، لا من داخِلِه. والوَضعُ إنزالٌ لا تَحطيم، فالحِملُ يَنزِلُ إلى الأرضِ ويَبقى مَوجوداً، غَيرَ أنَّ الظَّهرَ يَستَريح. والحَرَكةُ صاعِدةٌ في الآياتِ الثَّلاثِ الأُولى: شَرحٌ من داخِل، ثُمَّ وَضعٌ من فَوق، ثُمَّ رَفعٌ في الآيةِ التّالِية.