الرَّفع
**إبعادٌ لَطيفٌ يَنقُلُ الشَّيءَ إلى حَيثُ يَظهَر**. لَيسَ الرَّفعُ مُجَرَّدَ عُلُوٍّ في المَكان، بَل نَقلاً يُخرِجُ الشَّيءَ من مَوضِعٍ لا يُرى فيه إلى مَوضِعٍ يُرى. ولِذلك يُقالُ **رَفَعَ الأمرَ إلى القاضي**: لم يُصعِدْه في الهَواءِ بَل نَقَلَه إلى حَيثُ يُنظَرُ فيه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ر: خَفَقاتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها
مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِلٌ في خِفّةِ لَمسة.
- ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا العُليا يَشُقُّ
مَجرىً ضَيِّقاً يَنفُذُ منه النَّفَسُ ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. شِحنَتُه: شَقٌّ يَنفُذُ ثُمَّ يُفَرِّقُ ويُبعِد.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ، يَجري فيه النَّفَسُ في أعمَقِ
المَجاري فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: ظُهورٌ من العُمق.
النَّواةُ رَف (ر + ف) = جَريانٌ خَفيفٌ يَشُقُّ ويُبعِد: حَرَكةٌ لَطيفةٌ تُفارِقُ مَوضِعَها بِلا عُنف، ومنها الرَّفرَفة وهي حَرَكةُ الجَناحِ التي تُبعِدُ الطّائِرَ عن الأرضِ بِلا دَفعٍ ثَقيل. والإغلاقُ بِـع يَجعَلُ غايةَ هذا الإبعادِ الظُّهورَ من العُمق، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إبعادٌ لَطيفٌ يَنتَهي إلى الظُّهور.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- رَفَعَ الشَّيءَ: ضِدُّ وَضَعَه. والوَضعُ إقرارٌ في مَوضِع، والرَّفعُ
نَقلٌ عنه.
- رَفَعَ الأمرَ إلى الحاكِم: نَقَلَه إلى حَيثُ يُنظَرُ فيه. ولا عُلُوَّ
هُنا في المَكانِ أصلاً، وإنَّما انتِقالٌ إلى مَوضِعِ النَّظَر.
- الرَّفرَفة: خَفقُ الجَناحِ، وهي أصلُ الصّورةِ في الخِفّة.
- الرَّفيع: العالي المَنزِلة، وهو ما ظَهَرَ فوقَ غَيرِه.
- المَرفوعُ في اصطِلاحِ النَّحو: ما ظَهَرَ عليه أثَرُ الإسنادِ
الأوَّل.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ر-ف-ع: نَقلٌ خَفيفٌ إلى مَوضِعِ الظُّهور. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: المَرفوعُ لا يُقالُ لَه ذلك لِأنَّه صارَ أعلى فَحَسب، بَل لِأنَّه صارَ حَيثُ يُرى. ولِذلك جازَ أن يُرفَعَ الطُّورُ (جِرمٌ فوقَ رُؤوسٍ) وأن تُرفَعَ القَواعِدُ (بِناءٌ من أساس) وأن يُرفَعَ الذِّكرُ (ما لا جِرمَ لَه)، ويَستَقيمَ الجَذرُ في الثَّلاثةِ بِمَعنىً واحِد.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- رَفَعنا (الماضي مُسنَداً إلى ضَميرِ العَظَمة): ثَلاثةُ مَواضِعَ في
المُسَجَّل، ومَفعولُها في اثنَينِ مِنها واحِدٌ بِلَفظِه (الطُّورُ في ٢:٦٣ و٢:٩٣) وفي الثّالِثِ ذِكر (٩٤:٤). فالفاعِلُ واحِدٌ، والمَرفوعُ يَنتَقِلُ من الجِرمِ إلى ما لا جِرمَ لَه.
- يَرفَع (المُضارِع): مَوضِعٌ واحِد، وفاعِلُه بَشَرٌ لا اللهُ، وهو
الوَحيدُ في المُسَجَّل.
- رَفَعَ (الماضي مُسنَداً إلى الغائِب): مَوضِعٌ واحِدٌ ومَفعولُه
دَرَجات، أي مَنزِلةٌ لا جِرم.
- رافِعُك (اسمُ الفاعِلِ مُضافاً): مَوضِعٌ واحِد، ويُعَدّى بِـ«إلى»
فيُذكَرُ المُنتَهى صَريحاً.
- مَرفوعة / رُفِعَت (المَبنيُّ لِلمَجهول): يُحذَفُ الفاعِلُ فيُنظَرُ
إلى الأثَرِ وَحدَه، وهُما في سورةٍ واحِدة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدة، والصِّيَغُ تُوَزِّعُ النَّظَرَ.
المَبنيُّ لِلمَعلومِ يَنظُرُ إلى الرّافِع، والمَبنيُّ لِلمَجهولِ إلى
المَرفوع. واجتِماعُهُما في المُسَجَّلِ يُبَيِّنُ أنَّ المَقصودَ
بِالرَّفعِ مَوضِعُ الظُّهورِ لا مُجَرَّدُ الفِعل.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
- العُلُوّ (ع-ل-و): بُلوغُ مَرتَبةٍ فوقَ غَيرِها. والفَرقُ أنَّ
العُلُوَّ وَصفٌ لِلحالِ بَعدَ الوُقوع، والرَّفعَ اسمٌ لِلنَّقلِ نَفسِه. فكُلُّ مَرفوعٍ صارَ عالِياً، ولَيسَ كُلُّ عالٍ مَرفوعاً.
nasr(النَّصر، ن-ص-ر): إعانةٌ تَدفَعُ عن المَنصور. والرَّفعُ
يَنقُلُ ولا يَدفَع، ولِذلك قُرِنَ في ٣:٥٥ بِالتَّطهيرِ لا بِالنَّصر: نُقِلَ عن مَوضِعِهِم ولم يُدفَعوا عنه.
- الوَضع (و-ض-ع): إقرارُ الشَّيءِ في مَوضِعِه، وهو ضِدُّه الصَّريح.
ويُثمِرُ الفَرقُ في ٨٨:١٣ حَيثُ وُصِفَت السُّرُرُ بِالرَّفعِ وذُكِرَ بَعدَها «وأكوابٌ مَوضوعة»، فجُمِعَ الضِّدّانِ في مَشهَدٍ واحِد.
dhikr(الذِّكر، ذ-ك-ر): ما يُستَحضَرُ ويُتَداوَل. ورَفعُه في
٩٤:٤ نَقلٌ لَه إلى حَيثُ يُتَداوَل، فيَجتَمِعُ المَفهومانِ على الظُّهورِ لا على العُلُوّ.
المَواضع: مَواقعُ الرَّفع في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٦٣ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ ومَفعولُها جِرمٌ ثَقيلٌ (جَبَل)، فتُنفى عن الجَذرِ اللُّطفُ في المَرفوعِ ويَبقى في الحَرَكة: رُفِعَ الثَّقيلُ بِلا مُعالَجةٍ تُذكَر. ومَوقِعُها بَعدَ أخذِ الميثاقِ يَجعَلُ الرَّفعَ ما يَجعَلُ الميثاقَ مَشهوداً: نُقِلَ الجَبَلُ إلى حَيثُ يُرى وقتَ الالتِزام. انظُر الميثاق.
- ٢:٩٣ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: يَعودُ المَشهَدُ بِنَصِّه. الجَديدُ: تُعادُ العِبارةُ حَرفاً بِحَرفٍ ويُبَدَّلُ ما بَعدَها: هُناكَ «واذكُروا ما فيه» وهُنا «واسمَعوا»، ثُمَّ يُذكَرُ الجَوابُ «سَمِعنا وعَصَينا». فيَتَبَيَّنُ أنَّ الرَّفعَ يَضَعُ المُخاطَبَ في مَوضِعِ الرُّؤيَةِ ولا يَحمِلُه على الطّاعة: يُظهِرُ ولا يُلجِئ.
- ٢:١٢٧ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾: الرَّفعُ مُسنَداً إلى بَشَر. الجَديدُ: الفاعِلُ إنسانٌ لا اللهُ، وهو الوَحيدُ في المُسَجَّل، والمَرفوعُ قَواعِدُ بِناءٍ تَنتَقِلُ من الأساسِ إلى الظُّهور. والصّيغةُ مُضارِعةٌ في سِياقٍ ماضٍ، فتُستَحضَرُ الحَرَكةُ وهي تَقَع. وقِرانُها بِالدُّعاءِ («رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا») يَجعَلُ البِناءَ الظّاهِرَ مَوقوفاً على قَبولٍ باطِن. انظُر البَيت.
- ٢:٢٥٣ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: المَرفوعُ مَنزِلةٌ لا جِرم. الجَديدُ: يَنتَقِلُ المَفعولُ من الأجسامِ إلى المَراتِب، ويُنصَبُ «دَرَجاتٍ» فيُذكَرُ مِقدارُ الرَّفعِ لا مُجَرَّدُ وُقوعِه. ومَوقِعُه بَينَ التَّفضيلِ والتَّكليمِ يَجعَلُ الرَّفعَ قِسماً من التَّفضيلِ لا مُرادِفاً لَه. انظُر الرَّسول.
- ٣:٥٥ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الرَّفعُ إلى جِهةٍ مَذكورة. الجَديدُ: يُعَدّى الجَذرُ بِـ«إلى» فيُصَرَّحُ بِالمُنتَهى لِلمَرّةِ الأولى، ويُقرَنُ بِالتَّطهيرِ لا بِالنَّصر: نُقِلَ عن مَوضِعِهِم ولم يُدفَعوا عنه. واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُ الرَّفعَ وَعداً قائِماً لا حَدَثاً مَضى. انظُر الرُّوح.
- ٨٨:١٣ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾: الرَّفعُ وَصفاً لِمَجلِس. الجَديدُ: يُبنى الجَذرُ لِلمَجهولِ فيُحذَفُ الرّافِعُ ويُنظَرُ إلى الأثَر، ويُوصَفُ بِه ما يُجلَسُ عليه. ويَليه في السّورةِ «وأكوابٌ مَوضوعة»، فيُجمَعُ الرَّفعُ والوَضعُ في مَشهَدٍ واحِد: يُرفَعُ مَقامُ الجالِسِ ويُوضَعُ في مُتَناوَلِه ما يَشرَب. انظُر الجَنَّة.
- ٨٨:١٨ ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾: الرَّفعُ مَعروضاً لِلنَّظَر. الجَديدُ: يُؤمَرُ المُخاطَبُ بِالنَّظَرِ في كَيفِيّةِ الرَّفعِ لا في المَرفوع، فيَصيرُ الفِعلُ نَفسُه هو الآية. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُستَدَلُّ فيه بِالرَّفعِ على رافِعِه، فتَتِمُّ صورةُ الجَذرِ: ما نُقِلَ إلى مَوضِعِ الظُّهورِ يَدُلُّ على مَن نَقَلَه.
- ٩٤:٤ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: المَرفوعُ ما لا جِرمَ لَه. الجَديدُ: يَبلُغُ الجَذرُ أبعَدَ ما يَبلُغُ عن المَحسوس: لا جَبَلَ ولا قَواعِدَ ولا دَرَجات، بَل ذِكرٌ. ويُعَدّى بِاللّامِ («لَكَ») فيُجعَلُ الرَّفعُ لِصاحِبِه لا عليه. فيَنكَشِفُ أنَّ الشِّحنةَ لَيسَت في العُلُوِّ المَكانيِّ أصلاً بَل في النَّقلِ إلى مَوضِعِ الظُّهور، وهذا المَوضِعُ وَحدَه يُصَحِّحُ قِراءةَ السَّبعةِ قَبلَه. انظُر الذِّكر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الميثاق في ٢:٦٣ و٢:٩٣: المَوضِعانِ يَقرِنانِ الرَّفعَ
بِأخذِ الميثاقِ بِلَفظٍ واحِد، والاختِلافُ فيما بَعدَه، فيُقرَأُ الرَّفعُ جُزءاً من هَيئةِ العَقدِ لا حَدَثاً مُستَقِلاًّ عنه.
- مَعَ الجَنَّة في ٨٨:١٣: اجتِماعُ «مَرفوعة» و«مَوضوعة» في
مَشهَدٍ واحِدٍ هو أوضَحُ ما يُبَيِّنُ أنَّ الرَّفعَ ضِدُّ الوَضعِ لا ضِدُّ الخَفض.
- مَعَ الذِّكر في ٩٤:٤: رَفعُ الذِّكرِ يَنقُلُ المَفهومَ من
المَكانِ إلى التَّداوُل، وهو الشّاهِدُ الحاسِمُ على قِراءةِ الجَذر.
- مَعَ العِزّة / العَزيز في ٢:٢٥٣: رَفعُ الدَّرَجاتِ بَينَ الرُّسُلِ
يُقابِلُ العِزّةَ في أنَّهُما مَنزِلة، ويُفارِقُها في أنَّ الرَّفعَ مُعطىً والعِزّةَ ذاتيّة.
الإشكالات المَفتوحة
- «رافِعُكَ إلَيَّ» في ٣:٥٥: أرَفعُ مَكانٍ أم رَفعُ مَنزِلة؟ تَعدِيَتُه
بِـ«إلى» تَحتَمِلُهُما، وقِراءةُ الجَذرِ لا تُرَجِّحُ أحَدَهُما لِأنَّ الشِّحنةَ في النَّقلِ إلى مَوضِعِ الظُّهورِ لا في الجِهة. مَفتوح.
- هل «رَفَعنا فوقَكُمُ الطُّور» رَفعٌ حَقيقيٌّ أم تَمثيلٌ لِلإحاطة؟
لَفظُ «فوقَكُم» صَريحٌ في الجِهة، وهو ما بُنِيَت عليه القِراءةُ هُنا. مَفتوح.
- ٨٨:١٣ و٨٨:١٨ في سورةٍ واحِدة: هل بَينَ رَفعِ السُّرُرِ ورَفعِ
السَّماءِ صِلةٌ مَقصودة؟ التَّجاوُرُ في السّورةِ لافِت، والمُسَجَّلُ لا يَحسِم.