الغاشية · الآية 14

﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ

«وَأَكْوابٌ»: آنيةٌ مَفتوحةٌ لا عُروَةَ لها ولا حافَّةَ تَحجِز

والكوبُ في بِنيَتِه إناءٌ مُستَديرٌ لا أُذُنَ له ولا خُرطوم، فَمُه مَفتوحٌ على سَعَتِه، يُتَناوَلُ من أيِّ جِهةٍ شاءَ آخِذُه، بِلا تَحَفُّظٍ ولا مَوضِعٍ واحِدٍ يَلزَمُه الآخِذ. والجمعُ «أكواب» يَنشُرُ هذا المَعنى، فهي عَدَدٌ مَبثوثٌ وحُضورٌ وافِرٌ لا يَنفَدُ بِالطَّلَب، وما هي بِواحِدةٍ تُتَداوَل.

وهذه الآنيةُ تَقَعُ في سِياقِ الوَجهِ الناعِمِ الذي يَفتَتِحُ هذا المَقطَع، أي وُجوهٍ راضيةٍ في جَنّةٍ عاليةٍ فيها عَينٌ جاريةٌ وسُرُرٌ مَرفوعة. فالكوبُ المَفتوحُ يُتِمُّ صورةَ المَكانِ الذي زالَ عنه الجَهد، فلا حاجِزَ بَينَ اليَدِ والرِّيّ، ولا كُلفةَ في الأخذ، والإناءُ نَفسُه يَستَقبِلُ من كلِّ ناحية.

«مَوضوعةٌ»: وُضِعَت فاستَقَرَّت في مُتَناوَلٍ لا تُطلَب

و«مَوضوعة» اسمُ مَفعولٍ من و-ض-ع، وهو حَطٌّ للشَّيءِ في مَوضِعِه وإقرارُه فيه. فالأكوابُ حُطَّت وأُقِرَّت قَريبةً حاضِرةً مُهَيَّأةً قَبلَ أن تُطلَب، ولم تُترَكْ مُعَلَّقةً ولا مَرفوعةً تُتَناوَلُ بِكُلفة. والوَصفُ يَنقُلُ الفِعلَ إلى حالٍ ثابِتة، فهي مَوضوعةٌ على الدَّوام، ولا أحَدَ يَضَعُها في كلِّ مَرّة.

وفي هذا الوَضعِ تَمامُ الراحةِ التي يَدورُ عليها المَقطَع: يَسبِقُ الشَّيءُ طالِبَه إلى مَكانِه، فلا يُرفَعُ ولا يُنادى عليه ولا يُنتَظَر، وقد وُضِعَ فاطمَأَنَّ في مَوضِعِه كما اطمَأَنَّ صاحِبُ الوَجهِ الناعِمِ في جَنّتِه: حُضورٌ مُقَرٌّ لا يَتَزَحزَح.


حَصيلة

تُتِمُّ الآيةُ صورةَ الوَجهِ الراضي في الجَنّةِ العالية، فـ«أكواب» (ك-و-ب) آنيةٌ مَفتوحةٌ لا عُروَةَ لها، يُؤخَذُ منها من كلِّ جِهةٍ بِلا تَحَفُّظ، وجَمعُها يَنشُرُ الوَفرَة. و«مَوضوعة» (و-ض-ع) حَطٌّ وإقرارٌ في المُتَناوَل، وفِعلٌ صارَ حالاً ثابِتة. فالأكوابُ مَوضوعةٌ قَبلَ أن تُطلَب، حاضِرةٌ لا تُرفَعُ ولا يُنادى عليها، وفيها تَمامُ راحةٍ يَسبِقُ فيها العَطاءُ يَدَ آخِذِه، ويُقابِلُ سُكونُها سُكونَ الوَجهِ الذي زالَ عنه الجَهد.