آل عمران · الآية 36

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

«فَلَمَّا وَضَعَتْهَا... أُنثَىٰ»: الظُّهورُ يُصَحِّحُ الصُّورةَ المُسبَقة

الوَضعُ من و-ض-ع وَصلٌ يَنضَمُّ بثِقَلٍ ثمَّ يَظهَرُ من عُمق، وهو إنزالُ ما كانَ في البَطنِ إلى مَوضِعٍ مَكشوف. وتَكرارُ «وضعتها» يُثبِتُ الواقِعَ أمامَ التَّوقُّع، فالمَوهوبُ أُنثى. ثمَّ تَدخُلُ جُملةُ «والله أعلم بما وضعت» فتَرفعُ العِلمَ الإلهيَّ فوقَ تقويمِ صاحبةِ النَّذر.

«وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ... سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ»: الفَرقُ لا يَمنَعُ الاسم

وتَنفي الجُملةُ التَّماثُلَ بينَ الذَّكرِ والأُنثى في المَشهَدِ من غيرِ أن تُحوِّلَ الأُنثى إلى فَشلٍ للنَّذر، وتأتي التَّسميةُ فوراً. والاسمُ من س-م-و سَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثمَّ يَصِلُ المَسمّى بما يُعرَفُ به، وقد كانَت «ما في بطني» ثمَّ صارت «مريم»، ظَهَرَت فنالَت اسماً ووِجهة.

«وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا»: العَطاءُ يَمتَدُّ إلى حِراسةِ امتِدادِه

والاستِعاذةُ من ع-و-ذ: مَكشوفٌ يَقبِضُ على ما يَليه ويَلتَحِمُ بِه فلا يُفارِقُه، أي لُجوءٌ إلى مَلجأٍ والتِصاقٌ بِه. وتَجمعُ الأمُّ ابنتَها وذُرّيّتَها في طلبِ حمايةٍ واحدة، فيَمتَدُّ الدُّعاءُ من الحاضِرِ إلى ما سيَخرجُ منه. والمُستَعاذُ منه «الشيطان الرجيم»، وهو قُوّةُ تَفَرُّقٍ مُبعَدةٌ عن المَركز.

العِلمُ يَستَقبِلُ ما صَحَّحَ التَّوقُّع

وكانَ النَّذرُ قد تَعَلَّقَ بـ«ما في بطني»، فلمّا ظَهَرَ المَستورُ تَعيَّنَت الأُنثى، وفوقَ هذا التعيينِ تأتي «والله أعلم بما وضعت» فتَفتحُ الموهوبةَ على علمٍ أوسعَ من الفرقِ الذي فاجأَ أمَّها. وما عَرَفَته الأُمُّ الآنَ جُزءٌ ظاهِر، أمّا عِلمُ اللهِ فيُحيطُ بالمَولودةِ ومَسارِها وما سيَخرُجُ منها، ولذلك يَنتَقِلُ المَشهدُ من ضِيقِ الصُّورةِ السَّابقةِ إلى سَعةِ ما يَعلَمُه الرَّبّ.

ونَفيُ التَّماثُلِ يَحفَظُ الفَرقَ الذي كَشَفَه الوَضع، ولا يَجعَلُ أَحَدَ الطَّرَفَينِ نُسخةً ناقِصةً من الآخَر. ثمَّ تَأتي التَّسميةُ والاستِعاذةُ فِعلَينِ مُباشِرَينِ نحوَ المَوجودةِ كما ظَهَرَت: تُمنَحُ اسماً، وتُوصَلُ بالحِماية، ويُذكَرُ امتِدادُها قبلَ أن يَظهَر. وما خالَفَ التَّوقُّعَ صارَ مَوضِعَ عِنايةٍ أَوسَعَ من التَّوقُّع، ولم يُطرَح. وبذلك لا يُطلَبُ من الواقِعِ أن يَعتَذِرَ للصُّورةِ السَّابقة، والصُّورةُ هي التي تَتَّسِعُ لِما وَضَعَه اللهُ في المَشهَد.


حَصيلة

يَكشِفُ الوَضعُ ما لم يَكُن مَعلوماً لصاحبةِ النَّذر، ويُعيدُ «والله أعلم» المَشهَدَ إلى عِلمٍ أوسَع. وهي تُسمّي المَولودةَ وتَضَعُها في حِمايةِ اللهِ معَ ذُرّيّتِها، ولا تَقِفُ عندَ الفَرقِ بينَ الذَّكرِ والأُنثى، وبذلك يَنتَقِلُ القَولُ من مُفاجأةِ الظُّهورِ إلى قَبولِ المَوجودِ وحِراسةِ مَسارِه.